عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

سعد غلام: قمرٌ يَفيضُ على المنارْ

"عيونِك شوكةٌ في القلبِ

توجعني... وأعبدُها

وأحميها من الريحِ

وأُغمدها وراء الليل والأوجاع... أُغمدها

فيشعل جُرحُها ضوءَ المصابيحِ"

محمود درويش

**

تَذوبُ بِعِرقي هَمَساتُ الأَسْرارْ

فما غيرُ نارِكِ يُفْني أُواري

وما من سِوى رَمادِكِ يَروي أَخباري

عن زمنٍ كانَ بِهِ القلبُ:

دارْ ،

وكانَ العُمْرْ:

جِدارْ

*

هأَنا ذا..

يُعانِقُ دُخّانُكِ الآنَ نَفْسي

وتَرسُمُ فوقَ زُجاجِ النَّوافِذِ

أَقواسَ نارٍ ،

وأَطيافَ ضَوْءٍ،

وبعضَ الضَّبابْ،

بلون الصَّبّارْ

*

أَتذكَّرُ:

لَمّا كانَتْ كفُّكِ تَمسحُ

غُبارَ التَّعبْ،

وتَزُرُّ بِتُربتيَ اليابِسةِ

أَزاهيرَ ياسَمِنٍ وجُلَّنارْ

كأَنَّ رَبيعَكِ من  "لارا " يَسيرْ

لِيَسكُنَ فيَّ،

ويُشعِلَ هذا المَدارْ

*

أَدركتُ أَنَّ الهَوى

ليسَ وميضًا يَخبو

ولكِنَّهُ

نَبْضُ عُمْرٍ

إِذا ضاقَ هذا الزَّمانُ أَنارْ

*

وها هُوَ شَتْوُكِ يَعْلو

ويُحكِمُ حِصْنَ المطرْ

ويحْصُرُ بحرَ المَحارْ

فأَرجِعُ نَحْوَكِ

من نَصَبِ العُمْرِ

من وحشةِ المُنْحدَرْ

أَسْتلْهِمُ الآنَ من وَهجِكْ

عُمراً حديدَ النّارْ،

وشكلَ القَرارْ

**

لا تجزعي من رَمادي

فإِنَّ الرَّمادَ ابْتِداءُ الطَّريقْ

وأَوَّلُ طيرٍ يُحلِّقُ في شَفقِ النارْ

ويحمِلُ في مِنقارِهِ

بقايا الحُلُمْ

وبقايا الشَّرارْ

كما كانَ طِفْلٌ بِ"غزَّةَ"

يحمِلُ في كفِّهِ

شَرارًا مِنَ الثّارْ

وجُرحًا يُنيرُ سماءَ الفَنارْ

*

فأَحْرِقيني

لِكيْ لا يبقى مِنِّي سِوى الأَثرْ

لكيْ يغْدوَ الجِسْمُ قِيثارةً

وتغدوَ رُوحي وَترْ

ولِترْتجِفْ في مدى الكونِ

أَسرارُ الأَقدارْ

فلا يَعرِفُ السِّرَّ

إِلّا الَّذي عانقَ النّارَ

حتّى انْصهرْ

ورأى "آشُورَ"

تنهضُ من رَمادِ المُنكسِرِينْ

*

آهِ...

لوْ تعلمينَ

كيفَ يتلظّى السُّكوتُ بِفمِّ الزَّمنْ

وكيفَ يَصيرُ الأَسى

لُغةً من عِنادٍ

ودمعًا يُقاسُ بِهِ الثَّمنْ

كأَنَّ "قاسيونَ"

يُخفي بِصَخرتِهِ

تعبَ الأَنْبِياءْ

**

ما أَنا غيْرُ وَقودٍ

لِحُلْمٍ بَعيدٍ مُحالْ

وما أَنْتِ إِلّا طَلاسِمُ سِرٍّ

يُطيلُ الرَّحيلْ

**

اُنْظُري

كيفَ يَروبُ الوُدُّ

بينَ الجسدْ

وبينَ الرُّوحْ

بينَ أَمسٍ يُوَدِّعُنا

وغدٍ يتشكَّلُ

من لَهْفةِ المُسْتحيلْ

*

لَمْ يَعُدْ ثَمَّ  أَنا

لا وَلا  أَنْتِ

في هذا المَقامْ

ثَمَّ ضوءٌ وحيدْ

وظلامٌ  أَكيدْ

وشيءٌ يُشبِّهُ حُلْمَ الانْسِجامْ

*

وتشهدُ  "قانا"

أَنَّ الدِّماءَ الَّتي تُزهِرُ الآنَ

تُصبِحُ يومًا

نَشيدَ السَّلامْ

*

يا نارُ

علِّميني

كيفَ أَموتُ ولا أَنْتهي

كيفَ أَصيرُ رَمادًا

وأَرْجِعُ مِنْهُ إِلى مُبْتدايْ

*

أَنا الشَّجرُ المُلتهِبْ

لِيُثمِرَ النُّورَ في عَتْمةِ المُنْحنى

أَنا البحرُ

حينَ يَضُجُّ بِأَعماقِهِ

فَيُصبِحُ ذِخارًا وماءْ

*

فلا تَرْحمي جسدي

من لَفيحِكِ يا حَمْراءْ

فالبرْدُ سُمٌّ

وصمتُ المدى سَجْنُ رُوحٍ

وصبرُ المُحِبِّينَ داءْ

*

أَحْرِقيني

لِكيْ لا يبقى مِنِّي سِوى الصَّدى

صدًى يتردَّدُ في الكونِ

كالتَّرْتيلِ

كالنَّايِ

كالفِدَا

*

ها أَنا ذا..

آخُذُ من نارِكِ اسْمِي الأَخيرْ

وأَدخُلُ في نَسقِ اللهبِ المُستحيلْ

**

كودا

لا شيءَ يبقى

سِوى الأَثرِ المُشتعِلْ

لا أَنا..

لا أَنتِ..

لا غيرُ هذا التَّوهُّجِ

يعبُرُ في دمِنا

نحوَ الأَبدْ.

***

د. سعد محمد مهدي غلام