عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

مراد سليمان علو: سحر الإسكينية العليا ودكان أبي

حين كنتُ طفلًا، كانت القرية التي أعيش فيها مليئةً بالسحر؛ سحر طبيعيٍّ حلالٍ زلال: جبلٌ في الشمال، وتلالٌ عن اليمين واليسار، وفي الجنوب شارعٌ ترابيٌّ يوازي جدولَ الماء المؤدّي إلى الإسكينية السفلى. وكان هذا الجدولُ الغزيرُ ماؤه ينبع من قلب الجبل، بارد صيفا ودافئ شتاء ويشقّ القرية نصفين جارياً نحو بئر الطاحونة المائية التي في نهاية القرية، عابرًا بساتينَ التين والرمان. ويمتدّ الدرب بعد ذلك ليفضي إلى صحراء الجزيرة الواسعة، وقبلها يصل القرى القريبة من الجبل ببعضها، ثم يمضي ليبلغ سنجار، القضاءَ الذي كان السفر إليه حلمًا لا يطاله كلُّ أهالي القرية، بل القلّة فقط من أمثال أبي سليمان علو، البقّالِ المشهور في القرية.

يذهب أبي إلى سنجار ليتبضّع الأشياءَ التي تحتاجها القريةُ في مواسمها الرتيبة من مغازات الصولبند الذائعةِ الصيتِ بالجملة، ويبيع ما يحمله للأهالي بالمفرد. وكان عليه أن ينهض باكرًا، حاله حالُ سائقِنا حسن حجيكا، الذي يقود سيارتَنا البيك آب، الشيفروليه ذاتَ الموديل الـ 55. وطبعًا كان الصدرُ محجوزًا دائمًا لأبي.

والدي كان أحدَ رجالِ القريةِ الحُكماء، وكان يجمع كلَّ ما يحبّه ويحتاجه الأطفالُ في دكّانه، من أقمشةٍ ملوّنة، وحلويات، ومراهمِ البنسلين، وحبوبِ الأسبرين، وعلكة أبو السهم.

لذكريات صباحات الإسكينية شرايين رفيعة كالتي تقطعها السبايا حين حضور الدواعش الأشرار، وهي كذلك مثل خيوط الشمس التي كانت تربط أحلامنا بزجاجات الحلوى على رفوف الدكان، وتلك الصباحات ممتلئة بهورنات ومنبهات بيك آب العم حسن حجيكا المتتالية والمطولة التي كانت تربط بين طفولتي والذهاب شرقا إلى سنجار.

البيك آب مليء بالقرويين من الإسكينية العليا، والإسكينية السفلى، وتل حيالى، والووردية وقصركي وزرافكي، إلى سوق المواصلة التحتاني العامر في سنجار. ينتهي الفجر بخروجنا من القرية، أما صباحها فيكون حافلا برائحة خبز تنور أمي. وضجة ثغاء الخرفان الصغيرة التي تشبه الغيوم البيضاء، وهش وكش وتتراكض إلى التلال القريبة حيث الصباح يهمس بألف زهرة نيسان، وألف عصفور هارب من بساتين الرمان خوف جتلات ومقاليع ومصيادات تلاميذ مدرسة الإسكينية الابتدائية المختلطة الأشقياء.

هديتي كانت طائر وروار إلى نجمتي المفضلة صباح، رجوت من صاحب المكتبة أن يوصل الأمانة ولكنه أكد لي إن صباح شحرورة وإنها تحب طائر الشحرور وليس الشالول الوروار.

في الدكان كان هناك صفٌّ من الزجاجاتِ المملوءةِ بالحلوى والسكاكر، من حلقومٍ، وسمسميةٍ، وحامضٍ حلوٍ، وملبّسٍ، وسكّرِ أبو إصبع. وعلك، وأنواع الجكليت. وكان الرفُّ عاليًا لا تصلُ يدُ الأطفالِ إليه، فيكتفون بالنظر إليها وهم يرفعون رؤوسهم. وكان المنظرُ يسحرُ من ينظر إليه.

صفّ الزجاجات لم يكن مجرّد رفٍّ عالٍ، بل كان أشبهَ بأحلامٍ من الألوان، تظلّل طفولتنا بوعودٍ حلوةٍ لا تنتهي. كانت الزجاجاتُ مصطفّةً كجنودٍ من البلّور، أو كطيورٍ تقترب من بعضها في فجر القرية، يلمع السكّرُ في بطونها كلما لامستها شمسُ الظهيرة المتسلّلةُ من باب الدكّان.

وكان الأطفالُ يقفون تحتها كمن يقف تحت شجرةِ تينٍ أو رُمّانٍ مثمرةٍ لا يطالها، يرفعون رؤوسهم، يحدّقون، يبتلعون ريقهم، ثم يبتسمون ابتسامةً صغيرةً، بعد أن باء دعاؤهم بسقوط إحدى تلك الزجاجات بالفشل. كأنّ تلك الزجاجاتِ تحفظ سرًّا لا يُقال، سرَّ الطفولة حين كانت الأشياءُ البسيطة تكفي لتملأ القلبَ بهجةً وسرورًا.

 ومع ترحيلِنا الإجباريِّ من القرية، بدأ سحرُها يجفّ، وبدأ العملُ في الخيال. وكانت الأحلامُ الحقيقيةُ حينها تلك التي أكون فيها بدشداشةِ طفولتي، أتخيّل ابتسامةَ أبي إن أساء طفلٌ الأدبَ في الدكان، وهو ممسكٌ بطرفِ ثوبِ أمّه.

 أنا أتخيّل الدكّان في غربتي، بينما بريجيت باردو تغادر الكوكب لتلتحق بقطار آلان ديلون، وتترك لنا كلَّ تلك الحلوى في أفلامها، لنتفرّج عليها دون أن نذوقها على مرّ الأيام.

هذا الكلام من قواميس التسكّع في أيام نازحٍ شنكاليٍّ مثلي، وربما كان مكتوبًا على ظهر جوازِ سفرِ سنونو مهاجرٍ يشبهني، أشعله الحنينُ إلى عشه في غرفتنا الصيفية العاليةِ السقف، فأخذ يبحث عني في مدن ألمانيا ليرمي لي آخرَ حبّةِ توتٍ حمراء من شجرتي في باحة داري في سيباي.

عندما أتذكّر لعبي مع أصدقائي بتايرٍ مستهلكٍ لسيارتنا، تتدلّى من ألعابي ولعابي شهوةُ طبيخِ أمي؛ وذلك كان الشبعَ الحقيقي. فأتسلل من دكّان أبي، وأترك أصدقائي ليسيروا بالتاير إلى قرى حوضِ جبلِ شنكال، قريةً وراء قرية، يحملون أحلامَ الأطفال على التاير. طفلا بعد طفل، وفي المساء أُفرغ تلك الأحلام في رفّ الزجاجات المليئة بالحلوى، ليصبح صباحُ الأسكينية حلوًا بنهوض أصدقائي الصغار وهم يلاحقون أحلامهم إلى دكّان أبي.

***

مراد سليمان علو