نصوص أدبية
مامند محمد قادر: سيمفونية العبور
انطلق القطار في صمتِ صباحٍ باكر، فأيقظ سبات الغابات، والطرق المتثائبة، والبرك المهجورة، كأنّ الأرض نفسها تنفخ فيه الروح بخشوع. لم يكن مجرد وسيلةٍ للعبور؛ بل ذاكرةً حيّة، تحمل ما أُهمل من الأصوات، وما سقط من الحكايات على طول الطريق.
مرّ القطار بأصواتٍ لم تُكتب لها لغة، وكانت عجلاته المتسارعة تفتح صفحات كتابٍ بلا غلاف، مكتوبٍ بالندوب والدموع والانتظار الطويل. امتلأ الهواء برائحة آلاف الرحلات التي مرّت ولم تُدوَّن.
وحين عبر الغابة، خفّ صوته، كأنه ينصت إلى أنين الأشجار المقتلعة، وخشخشة الأوراق المتأرجحة في الهواء، وهي تبحث عن ذاكرةٍ لم تعد قادرة على الإمساك بها، وإلى هدير الطيور الباحثة عن مأوى أبعد من الريح.
وعلى السواحل، جمع نداء البحر همساتٍ ذبلت على الشاطئ، وصرخات نوارس تبحث عن وطنٍ لم يعد واضحًا على الخرائط.
وفي أحياء المدينة، امتصّ القطار دماءً جفّت على الحجارة، وصمت قرى هُدِمت في وضح النهار، ووقع أقدامٍ تعرف الطريق دون أن تعرف أين تتوقّف.
ارتعاش أضواء المصابيح في الصباح الباكر، وسكون مآذن صدئة لمساجد مهجورة؛ جميعها صارت جزءًا من سيمفونيةٍ صامتة. كلّ همسةٍ فيها نغمة، وكلّ ظلٍّ له قصة.
لكنّ المدينة، رغم هدوئها الظاهر، كانت ممتلئةً حتى الاختناق: همسات البيوت، ضحكات معلّقة في الهواء، حفيف الملابس على الحبال، وصوت قطارٍ آخر يختفي في الخلفية، كأنّ المدينة لا تزال تتنفّس.
مع كل محطة، صار القطار راوياً. كل نافذةٍ مرآة، وكل عربة صدرًا يتّسع لما لا يُقال. جمع خفقات قلوبٍ مجهولة، دموعًا لم تُسجَّل، وابتساماتٍ لم تلتقطها الكاميرات.
وعندما انتهت الرحلة، لم ينزل الركّاب وحدهم؛ نزل معهم عبق الحياة، وطعم ما ضاع دون وداع، وبذور أملٍ لم تُسمَّ بعد. تحوّل كل ذلك إلى أغنيةٍ واحدة، غاضبةٍ وواعدة، تتردّد بين السماء والأرض، حاملة أنين الأشجار، ودم الأزقة، وضحكات الأطفال، وبكاء العصافير في أعشاش الخوف.
كانت تلك الأغنية صوت التاريخ نفسه؛ صدى شعبٍ لم ينكسر، بل ظلّ واقفًا، يواصل رحلته رغم كل المتاهات.
أغنيةٌ تتردّدها المدينة، مبتسمةً بوجوه القادمين، ومع كل نبضةٍ ينبثق منها فجرٌ جديد.
***
قصة قصيرة
مامند محمد قادر






