شهادات ومذكرات
علي حسين: هاروكي موراكامي يعود إلى عالم الرواية عبر "حكاية كاهو"
أصبح صدور رواية جديدة لهاروكي موراكامي حدثاً ثقافياً لمعظم قراء الأدب في العالم، ومنهم قراء العربية الذين يتلاقفون كتبه. قبل أيام أُعلن عن قرب صدور روايته السادسة عشرة "حكاية كاهو"، وتأتي الرواية الجديدة بعد ثلاث سنوات من صدور روايته "المدينة وأسوارها الغامضة"، والتي صدرت عام 2023، وكالعادة ستقف طوابير القراء في اليابان أمام المكتبات في انتظار الحصول على نسخ من الرواية الجديدة. تدور أحداث "حكاية كاهو" حول كاتبة كتب أطفال تبلغ من العمر 26 عاماً، وسبق لموراكامي أن كتب "حكاية كاهو" كقصة قصيرة عام 2024، ثم تطورت عبر ثلاث قصص لاحقة ضمن السلسلة نفسها، إلى أن تحولت إلى رواية تمتد أحداثها على نحو 352 صفحة، تبدأ القصة بخروج كاهو في موعد غرامي مع رجل يقول لها: "لقد واعدتُ جميع أنواع النساء في حياتي، لكن عليّ أن أقول إنني لم أرَ قط امرأة قبيحة مثلكِ".
موراكامي البالغ من العمر "77" عاماً واجه انتقادات متواصلة بسبب تصويره للنساء، حيث اتُّهم باختزال الشخصيات النسائية إلى مجرد أدوات أو شخصيات أحادية البعد. وفي مقابلة نُشرت عام 2004 في مجلة "باريس ريفيو"، قال عن الشخصيات النسائية في رواياته: "في قصصي، النساء وسيطات - نذير للعالم القادم. ولهذا السبب يأتين دائماً إلى بطل روايتي؛ فهو لا يذهب إليهن". ولهذا يرى النقاد أن هذه الرواية تكتسب دلالتها من كونها المرّة الأولى التي يقدّم فيها موراكامي بطلةً نسائية وحيدةً في روايةٍ طويلة، بعد أن ظلّت الشخصيات النسائية في أعماله السابقة، ومنها "الغابة النروجية" و"كافكا على الشاطئ"، تتحرّك غالباً داخل دوائر سرديةٍ يقودها أبطال ذكور. وبالتأكيد لن تخرج "حكاية كاهو" في خطوطها العامة، حسب المعلومات المتوفرة عنها، عن السمات التي ميّزت عالم موراكامي، من حيث التداخل بين الواقعي واللاواقعي واستحضار فضاءات تتجاور فيها الحياة اليومية مع عناصر غرائبية تخلخل منطقها. وفي المادة الترويجية التي نشرتها دار النشر عن الرواية أكدت فيها أنها تأخذ القارئ في رحلة للبحث عن "الطريق للخروج من هذا العالم".
في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز في شباط الماضي، وصف موراكامي الكتابة من منظور امرأة بأنها تجربة غير مألوفة لكنها طبيعية. وقال: "لقد أصبحتُ هي". وأضاف أن الرواية تبدو أكثر تفاؤلاً من أعماله السابقة. لكنه لم يقدم سوى القليل من التفاصيل حول الحبكة، حيث وصف كاهو بأنها "فتاة عادية جداً، ليست جميلة جداً، وليست ذكية جداً"، ولكن "تحدث لها الكثير من الأشياء الغريبة من حولها". يقول موراكامي إن قصصه ليست متشائمة: "على الرغم من العديد من الأشياء الغريبة والجانب المظلم، فإن قصصي إيجابية بشكل أساسي". مضيفاً: "أنا الآن في منتصف السبعينيات من عمري، ولا أعرف عدد الروايات الأخرى التي يمكنني كتابتها. لذلك شعرت بقوة أنه يجب أن أكتب هذه القصة بمودة، وأن أقضي وقتاً طويلاً للقيام بذلك"، لا يزال يؤمن بدرس معلمه كافكا من أن كتابة الرواية تتطلب الغوص في العمق. عن تقدمه في السن قال: "لا يعني أن الشاب الذي كان لي من الماضي قد بلغ من العمر دون أن أدرك ذلك، ما يدهشني هو كيف أصبح الناس من نفس الجيل الذي عشت فيه من كبار السن، وكيف أصبحت كل الفتيات الجميلات اللواتي كنت أعرفهن أكبر سناً بما فيه الكفاية ليحصلن على زوجين من الأحفاد، إنه أمر محبط بعض الشيء، حزين حتى، على الرغم من أنني لا أشعر بالحزن أبداً لأنني لا أفكر بعمري، بل أفكر بحياتي".
يعجب النقاد ومعه القراء من قدرة موراكامي على الجمع بين الحياة اليومية والواقع، مع السحر والحكايات المستمدة من الأساطير مع إتقان لغوي وأدبي يجعل القارئ يفكر مرة أخرى في كافكا ودوستويفسكي، وهو يرد على علامات الاستفهام حول الأشياء الغربية الموجودة في معظم رواياته بالقول: "أتعجب حين يقول النقاد إن حكاياتي عن سقوط الأسماك والمرأة المشبعة بطريقة خارقة للطبيعة ليست واقعية، إنها واقعيتي فأنا أحب غابرييل غارسيا ماركيز كثيراً، لكنني لا أعتقد أنه فكر بما كتبه كواقعية سحرية، أسلوبي يشبه نظارتي، من خلال تلك العدسات، يكون العالم منطقياً بالنسبة لي".
يبدأ الكتابة كل يوم من الساعة الرابعة صباحاً ويستمر لمدة ست ساعات، مما ينتج 10 صفحات في اليوم، قبل أن يقوم بممارسة رياضة المشي والسباحة: "أعتقد أني يجب أن أكون قوياً جسدياً من أجل كتابة أشياء قوية"، يقول رداً على سؤال حول طريقته في الكتابة: "أبدأ دائماً بمشهد واحد أو فكرة واحدة. عندما أكتب، أترك هذا المشهد أو الفكرة تتقدم من تلقاء نفسها". وأضاف: "لا أحب الروايات التحليلية: إذا حاول الروائي بناء قصة تحليلية، فسوف تضيع حيوية القصة لأن التعاطف بين الكاتب والقراء لن ينشأ". ويضيف أنه في كل ما يكتبه يسعى إلى تسليط الضوء على الزيف الذي نعيش فيه: "نحن نعيش في عالم مزيف، ونحن نراقب الأخبار المسائية المزورة. نحن نخوض حرباً زائفة. حكومتنا مزيفة. لكن العثور على الواقع في هذا العالم المزيف أمر مهم، لذا فإن قصصنا هي التي تعيد لنا رسم الواقع". قال لمحرر صحيفة الغارديان إنه يفاجأ أحياناً بأشخاص يركضون ناحيته ويوقفونه في وسط الطريق وهم يقولون: "عفواً، ألست الروائي المشهور؟" وفي كل مرة كان يرد قائلاً: "لا، أنا مجرد كاتب. لكن من الجميل أن ألتقي بك!" ثم يضيف: "عندما يوقفني الناس هكذا، أشعر بغرابة كبيرة، لأنني مجرد" .
يخبرنا أن قدراً كبيراً من الموضوعات المتكررة في كتبه هي من حياته هو؛ قططه، مطبخه، موسيقاه، وهواجسه. واستمراراً مع عملية الكتابة لديه: "إن حلم عمري أن أجلس في قعر بئر. وهو حلم يتحقق. كنت أفكر: إن من المسلّي أن تكتب رواية، ويمكنك أن تكون أي شيء! وأنا أستطيع أن أجلس في قعر بئر، في حالة عزلة... شيء مدهش!" – من حوار ترجمه الراحل أحمد فاضل ونشر في المدى -. في كل مرة تظهر فيها رواية جديدة من روايات هاروكي موراكامي، تبدأ الصحافة في البحث عن خفايا الكاتب الذي يقول إن لا أسرار في حياته، وأن الكتابة بالنسبة إليه هي معنى الحياة: "لقد جعلت الكتابة من حياتي شيئاً مميزاً. عندما أكتب؛ أتحول لحظتها إلى سوبرمان. يمكنني القيام بكل ما أريده، أتخلص من الخوف، بحيث يسمح لي الخيال بأن أخلق كل شيء. عندما أكتب، أصير قادراً على إنقاذ العالم. لكن ما إن أغادر مكتبي، أستعيد شخصيتي الأصلية. يمكنكم تصديقي: فأنا حقاً الشخص الأكثر بساطة في العالم. أنا زوج طيب لا أصرخ وأحافظ باستمرار على هدوء أعصابي. فيما يتعلق بحياتي العادية، لا تأتيني أبداً أي فكرة يمكنها إثراء أدبي. حينما أمشي أو أطهو أو أذهب إلى البحر، أفرغ رأسي تماماً".
***
علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية







