شهادات ومذكرات

طه جزاع: عبد الجبار الرفاعي الثائر الهادئ بروح المؤمن

  بهجة الروح وقلق الموت

لا تُعَدّ جهود المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي طارئة على حركة الفكر الديني، بل هي امتدادٌ طبيعي لسلالة عريقة من المجدّدين الذين سعوا إلى التوفيق بين العقل والوحي: من الفارابي وابن سينا وابن رشد، إلى محمد عبده جمال الدين الأفغاني محمد عبده ورشيد رضا، ثم محمد إقبال، وصولاً إلى حسن حنفي ونصر أبي زيد. وبين هؤلاءجميعاً يبرز صدر الدين الشيرازي، الذي سبقهم بقرون، بوصفه حلقة وصل مؤثرة في تشكيل الحسّ الفلسفي والكلامي الحديث. وفي هذه السلسلة الفكرية ينتسب الرفاعي، لا بوصفه شارحاً أو مكرّراً، بل واحداً من أبرز من صاغوا علم الكلام الجديد وفلسفة الدين بلغة معاصرة، وبمنهج يقلب المقولات القديمة رأساً على عقب، لأنها- كما يقول- " لا تورثُ الروح سكينتها، ولا القلبَ طمأنينته، ولا تكرّسُ المحبّة ". 

سرّ الإقبال على كتبه… ولماذا تنفد سريعاً ؟

لستُ هنا بصدد حصر مشروعه الواسع الممتدّ أكثر من نصف قرن في التأليف والتحرير والمناظرة والمحاضرة والنشر، فذلك يحتاج إلى مجلدات. إنما لافتٌ أنّ ظاهرة الرفاعي في العراق تستحق التوقف: كتبٌ في الفلسفة وعلم الكلام وفلسفة الدين - وهي عادةً الأبعد عن الرواج - تنفد بالكامل ويُعاد طبعها مرات عديدة. سلسلة مؤلفاته عن الدين: الدين والنزعة الإنسانية، الدين والظمأ الأنطولوجي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، الدين والكرامة الإنسانية، مقدمة في علم الكلام الجديد، لاقت إقبالاً يتجاوز حدود التخصص والأكاديميا، إلى قراء يبحثون عن فكر مستنير، ولغة واضحة، وطرحٍ عقلاني عميق بعيد عن الدوغمائية. والسرّ ؟ الأسلوب الذي - كما قال بوفون – هو الرجل نفسه. أسلوب لا يتكلف ولا يتصنع، نابض بشخصية كاتبه وصدقه. ويضاف إلى ذلك فضيلته الأساسية: قدرته على قراءة النص القديم كأنه نصّ راهن، يفككه، يرمزّه، يعيد الحياة إليه، ويدرجه في أسئلة عصرنا، واحتياجات الإنسان الروحية والنفسية والمادية. ولعل هذا ما دفع الكاردينال لويس ساكو بعد قراءته "الدين والظمأ الأنطولوجي" ليكتب: "أتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كل رجل دين مسلم ومسيحي، حتى تكون له شجاعة الأنبياء في تبليغ رسالة الإيمان" .

رسالة الرفاعي ليست تنظيراً مجرداً، بل دعوة إلى ما يسميه "إيمان الحبّ"، إيمانٌ لا يتصادم مع العقل، ولا يتبرّم من الشك، بل يتخذه جسراً للحقيقة، على طريقة الغزالي وديكارت: "من لم يشكّ لم ينظر، ومن لم ينظر لم يُبصر، ومن لم يُبصر بقي في العمى والضلال".

من هنا يبدو الرفاعي أقرب إلى "الثائر الهادئ"، الذي يكتب بروح المؤمن، ويحاكم التراث بعقل الفيلسوف، ويقاوم العنف والكراهية بكلمة رقيقة تذكّر بقول الرومي: "توضأ بالمحبّة قبل الماء… فإن الصلاة بقلبٍ حاقد لا تجوز". في كتابه "مسّرات القراءة ومخاض الكتابة" يخوض الرفاعي أصعب أنواع الكتابة: كتابة السيرة، وهي في الوقت نفسه من أصدق الاعترافات وأمتعها، حين يكون صاحبها صريحاً يحترم قارئه، ويؤمن بأن تجربته الخاصة – بما فيها من أخطاء – تستحق أن تُروى. في هذا الكتاب ينقل للقارئ محطات مهمة من حياته، وذكرياته مع الكتب والمكتبات، وكيف صارت القراءة شرطاً وجودياً عنده: "لا قيمة لكتابة لا تعتمد العقل، العقلُ لا غير هو ما يحمي الانسانَ من الانزلاق في متاهات الخرافات والأوهام والجهالات".

عام 1971 اكتشف مصادفة مكتبة عامة قرب مدرسته في مدينة الشطرة جنوب العراق، وفيها عثر على الجزء الأول من كتاب: "لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث" لعلي الوردي، ثم على "معالم في الطريق" لسيد قطب، الذي أسرَه زمناً قبل أن يكتشف – بجرأة عقلية – أن تلك الكتابات "لا تقول شيئاً نافعاً"، وأنها أبعدته عن الواقع بوعد خلاصيّ لا أساس له. ذلك الفتى الذي اشترى أولى مجلاته من بائع صحف بسيط،وصُدم لرحيل جمال عبد الناصر عبر افتتاحية لأحمد زكي في مجلة "العربي"، سيغدو لاحقاً من أبرز المجددين في الفكر الديني الحديث.

يمتلك الرفاعي اليوم مكتبة تضيق بها غرف البيت، تجمع قرابة ثلاثين ألف كتاب ومجلّة ودورية. يتعامل مع الكتب ككائناتٍ حيّة، تُبهج حضورها الروحُ والعقل، اذ يقول: "وجودُ الكتب في كلّ بيت أسكنه يخفضُ الشعورَ بالاغترابِ الوجودي وقلق الموت". لا يزال الرفاعي يتحسّر على كتب لم يستطع شراءهافي وقتها، مثل دائرة معارف البستاني التي رآها في شارع المتنبي عام 1973 ولم يكن يملك ثمنها.

في نيسان 1980، وبينما كان في الكويت بعد هروبه الليلي من العراق عبر الصحراء، قاده شغفُ الكتب إلى موقف خطير: دخل مخزناً واسعاً للكتب تحت الأرض، وانغمس فيها حتى نسي الزمن. وبعد خمس ساعات من "معاشرة الكتب" خرج ليجد المكتبة مغلقة، وهو بلا جواز سفر، ولا وثيقة إقامة! . كيف خرج من هذا المأزق؟ وما الذي جرى بعده؟ ذلك ممّا تُحيله فصولُ "مسرّات القراءة ومخاض الكتابة" إلى القارئ ليستمتع به دون أن يُفوّت شيئاً من حكايات الرفاعي ونوادره التي لا تُحصى. يقول عن شغفه هذا : "أنا قارئ قبل كلَّ شيء وبعد كلَّ شيء. لم تمنحني القراءةُ إجازةً ليومٍ واحد في حياتي".

***

د. طه جزاع - أستاذ الفلسفة في كلية الآداب بجامعة بغداد

......................

* نشرت في ‏مجلة دار السلام، العدد 22، شباط 026.

في المثقف اليوم