شهادات ومذكرات
عبد السلام فاروق: الطاهر بن عاشور.. جسر بين التراث والحداثة

في زوايا تونس العتيقة، حيث تتعانق أرواح التاريخ مع أنفاس الحاضر، ولد محمد الطاهر بن عاشور في أسرة علمية توارثت حب المعرفة مثل إرث ثمين. كان والده وعمه من أعلام الفقه واللغة، فنشأ الطفل الصغير بين كُتب التفسير ودروس النحو، يتنفس علما ويشرب حكمة. لم يكن غريبا أن يبرز نجمه مع السنين، ليصبح أحد أبرز علماء المغرب العربي المجددين، ورائدا في إصلاح التعليم وصناعة نهضة فكرية لا تزال بصماتها حاضرة حتى اليوم.
رحلة العِلم والإصلاح
تلقى الشيخ بن عاشور تعليمه في جامع الزيتونة، القلب النابض للثقافة العربية الإسلامية في تونس، والذي كان منارة للعلماء لقرون. لكن ذكاءه الحاد ورغبته في التميز جعلاه يخرج عن النمط التقليدي؛ فدرس اللغات والعلوم العصرية إلى جانب العلوم الشرعية، مدركا أن الأمة تحتاج إلى جيل يجمع بين أصالة التراث وحيوية العصر. حين تولى منصب شيخ الإسلام المالكي في تونس، ثم رئاسة جامع الزيتونة، أطلق مشروعه الإصلاحي الطموح: جعل التعليم جسرا يعبر منه الطالب من الماضي إلى المستقبل دون أن يقطع صلته بأصوله.
مدرسة جديدة لعصر جديد
رأى الشيخ أن مناهج التعليم التقليدية، رغم قيمتها، لم تعد تلبي حاجات المجتمع المتطورة. فبدأ بتحديث المناهج، مدخلًا موادًا مثل الرياضيات والعلوم الطبيعية إلى جانب الفقه واللغة، وحرص على تنويع طرق التدريس لتشجيع الفهم النقدي بدلًا من الحفظ الآلي. كما دافع عن تعليم المرأة، مؤمنا بأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا بمشاركة جميع أبناء المجتمع. لم تكن رحلته سهلة؛ فقد واجه مقاومة من بعض المحافظين، لكنه ثبت على مبدئه: "الإصلاح لا يعني القطيعة مع التراث، بل هو إحياء له بروح العصر".
عقل يضيء الدروب ..
ترك ابن عاشور كنوزًا فكرية لا تقدر، أشهرها كتابه "مقاصد الشريعة الإسلامية"، الذي أعاد فيه اكتشاف روح التشريع الإسلامي، مركزا على مقاصده الكبرى كالعدل والرحمة وإصلاح المجتمع. كما ألّف تفسيرًا للقرآن الكريم جمع فيه بين الدقّة العلمية ووضوح العبارة، ليُقرِّبَ المعنى إلى كلّ قارئ. في أدبه ولغته، كان صاحبَ بصمةٍ أنيقة؛ فكتبَ الشِّعر والنثر بلغةٍ سلسةٍ تَمسُّ القلب قبل العقل.
رحل الشيخ الطاهر بن عاشور جسديًّا، لكنّ أفكاره بقيت تُلهم الأجيال. فتحوّل الزيتونة في عهده إلى مؤسسةٍ تدمج الأصالة بالمعاصرة، وصار نموذجًا للجامعات العربية. ورغم مرور الزمن، لا تزال دعوته إلى "العقل المنفتح والقلب المتّصل بالجذور" صالحةً لكلّ زمان. في زمننا اليوم، حيث تُثار أسئلة الهوية والحداثة، يبدو صوتُ ابن عاشور كنداءٍ حكيمٍ يذكّرنا بأنّ التجديد الحقيقي يبدأ بفهم الماضي، لا بالفرار منه.
في قلب تونس، حيث تُناجي الحِكمةُ التاريخَ، كان الشيخ الطاهر بن عاشور يرى العالمَ بِعَينَين: عَينٌ تَغوصُ في أعماق التراث، وأخرى تَستشرفُ آفاقَ المستقبل. لم يكُن مُجرّد عالِمٍ تقليدي، بل كان صانعَ نهضةٍ جمعت بين حِفظ الهُوية وانفتاح العقل.
من الزيتونة إلى العالم
عندما تولّى رئاسةَ جامع الزيتونة، رأى أن جدرانَه العتيقة تحمل ذاكرةً عظيمة، لكنّها تحتاج إلى نَفَسٍ جديد. فبدأ بتطعيم المناهج الدراسية بعلومٍ لم تكن معهودةً في ذلك الزمن: الفلكُ يُفسِّرُ آيات السماء، والرياضياتُ تَفتحُ أبوابَ المنطق، والعلومُ الطبيعيةُ تُعلِّمُ طلبةَ الدين أسرارَ الخليقة. كان يؤمن بأنَّ الفقيهَ الحقيقيَّ هو مَن يَفهمُ لغةَ الكونِ قبل لغةِ الكتب.
لم يكتفِ بإدخال العلوم الحديثة، بل غيّرَ طريقةَ التدريس نفسَها. حوّلَ الحصصَ من تلقينٍ جافٍّ إلى حواراتٍ تَطرحُ الأسئلةَ وتَستكشفُ الإجابات. قال ذاتَ مرة لطلابه: "العِلمُ ليس حفظَ النصوص، بل هو بناءُ عقولٍ تَستطيعُ أن تُفكِّرَ مع النصوص".
المرأة.. شريكةٌ في بناء الوطن
في زمنٍ كان البعضُ يرى تعليمَ المرأة ضربًا من الترف، وقفَ ابنُ عاشور يُطالب بحقّها في التعلُّم. لم يخشَ انتقاداتِ الخصوم، بل رأى أنَّ "الأمَّ المُثقَّفةَ تُنشئُ جيلًا يَقرأُ التاريخَ بقلبٍ واعٍ". ساهم في تأسيس مدارسَ للبنات، ودعا إلى إدماجِ المرأة في الحركة الثقافية، مُعتقدًا أنَّ نهضةَ الأمم تبدأ من عدالةِ توزيعِ الفرص.
مقاصد الشريعة
لم يكُن كتابُه "مقاصد الشريعة الإسلامية" مجردَ تنظيرٍ فقهي، بل كان خارطةً لفهم الإسلام كدينٍ يُريدُ سعادةَ الإنسان. شرحَ فيه أنَّ العدلَ والرحمةَ والحريةَ هي أرواحُ التشريع، وأنَّ النصوصَ الدينيةَ يجب أن تُقرأَ في ضوءِ مقاصدِها، لا بحرفيتها فقط. هذه الفكرةُ الثوريةُ جعلتْ منه مرجعيةً لعلماءٍ عربٍ وأجانب، وساهمت في إعادةِ تعريفِ الفقهِ الإسلاميِّ كمنظومةٍ حيةٍ قادرةٍ على مواكبةِ التحديات.
يُحكى أنَّ الشيخَ واجهَ انتقاداتٍ شديدةً عندما أصرَّ على تدريس الفلسفة في الزيتونة. فجاءه أحدُ المعترضين يسأله: "أتُريدُ أن تَجعلَ من أبنائنا ملحدين؟"، فأجابَه بهدوء: "أخافُ على أبنائنا من الجهلِ أكثرَ مما أخافُ عليهم من السؤال".
وفي يومٍ من الأيام، بينما كان يَشرحُ آيةً قرآنيةً في الفصل، سأله طالبٌ عن علاقةِ العلمِ بالإيمان، فابتسمَ وقال: "العِلمُ يُوسّعُ الإيمانَ مثلما تُوسّعُ النجومُ السماءَ".
إرثٌ لا ينضب
بعد رحيله، ترك ابنُ عاشور مدرسةً فكريةً تَعتبرُ الدينَ والعقلَ شريكَين، لا خصمَين. فتحتْ كتاباتُه البابَ أمامَ جيلٍ جديدٍ من المُفكّرين الذين جمعوا بين العمقِ الشرعيِّ والجرأةِ الفكرية. حتى اليوم، تَدرسُ الجامعاتُ العربيةُ نظريتَه في "تجديد الخطاب الديني"، وتَستلهمُ مسيرتَه في مشاريعِ إصلاح التعليم.
ربما يكون أجملَ ما خلّفَه الشيخُ هو "روح الزيتونة" التي زرعَها: مكانٌ لم يعدْ مجرّدَ جامعٍ لتعليمِ الفقه، بل تحوّلَ إلى رمزٍ للتوازنِ بين الأصالةِ والحداثة. وكأنّه يقولُ لنا من خلال الزمن: "لا تخافوا على التراثِ إذا فتحتم له نوافذَ الحاضر؛ فالشمسُ تُضيءُ الغرفةَ دون أن تُحرقَ الأثاثَ!".
الآن، كلّما دارَ نقاشٌ حولَ تحدياتِ الإسلامِ والحداثة، أو صعوباتِ الإصلاحِ التعليمي، يطلُّ صوتُ الطاهر بن عاشور من تاريخ تونس ليُذكِّرنا بأنَّ التجديدَ الحقيقيَّ يبدأُ بالشجاعةِ في طرحِ السؤال، وبالحكمةِ في البحثِ عن الإجابة.
***
عبد السلام فاروق