عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أوركسترا

عدنان حسين أحمد: مقاهي بغداد الأدبية

مُلتقى الشعراء ومَلاذ الفنانين وحاضنة الساسة

يُعتَبر فيلم (مقاهي بغداد الأدبية) للمُخرجة إيمان خضيّر الذي أُنجز عام 2013 لمناسبة بغداد عاصمة الثقافة العربية امتدادًا لتجربتها السينمائية السابقة التي تُزاوج فيها بين الفيلم الوثائقي والدكيودراما وذلك لمعالجة النقص الحاصل في الوثيقة، وغياب المعادل البَصَري، وشحّة الأرشيف أو انعدامه خاصة وأنّ الحكومات العراقية المتعاقبة، باستثناء الحقبة الملكية، كانت تدمر كل ما سبقها من أرشيف وتمحوه ولا تُبقي له أثرًا الأمر الذي وضع المخرجين السينمائيين، وخاصة الوثائقيين منهم، أمام مأزق انعدام الوثائق وندرة الصور الأرشيفية التي يحتاجونها في صناعة أفلامهم الوثائقية والدكيودرامية.2752 cafee

لا تنهمك المُخرجة إيمان خضيّر بإنجاز أفلام وثائقية تقليدية وتمهّد غالبا لمداخل ومقاربات جديدة تعتقد أنها لم تُطرق من قبل. ولو تمعّنا جيدًا في فيلم (مقاهي بغداد الأدبية) لوجدناه لا يختلف كثيرًا عن غالبية أفلامها الوثائقية من حيث بُناها الرصينة ومُقارباتها المُغايرة التي تُشعِرك منذ البدء أنك تقف أمام معالجة دكيودرامية جديدة وغير مسبوقة.

ويمكن للمتلقّي أن يتقصّى البنية الدرامية في التعليقات الصوتية الخمسة عشرة وفي أحاديث المُشاركين في الفيلم الذين بلغ عددهم 11 مُشاركًا بضمنهم الشخص الذي سقط اسمه سهوًا في نسخة قد تكون غير مُعدّلة وإلّا لما اختارتهُ المخرجة أن يظهر في إطلالتين تفصلهما مسافة زمنية قصيرة. فثمة بنية مقصودة في الأحداث التي ترد على ألسنة المُشاركين في هذا الفيلم الذي يستنطق الأمكنة والأزمنة منذ أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى يوم الناس هذا مُذكرةً إيّانا بمقهى (جغالة زاده) الذي أُسس عام 1853م لتنتشر بعدها المقاهي المختلفة في عموم العاصمة بغداد وإن تركزت الثقافية منها والأدبية في شوارع الرشيد والمتنبي وأبي نوّاس وأماكن أخرى معروفة في الباب الشرقي والكرّادة والكرنتينة والكاظمية وما سواها من أماكن مرموقة ضمّت الأدباء والشعراء والمثقفين والصحفيين والفنانين على مرّ العقود الماضية.

كما يمكن تلمّس هذه البنية المقصودة حتى في المقاهي الخمسة الرئيسة التي اختارتها المُخرجة وهي: (مقهى الزهاوي، حسن عجمي، الشابندر، المُعقدين، وأم كلثوم) أو في المقاهي الخمسة الأخرى التي يرد ذكرها في التعليقات الصوتية أو على ألسنة المتحدثين في هذا الفيلم وهي: (مقهى الشط، البرلمان، الجماهير، البرازيلية، ومقهى خامس على الرصيف وفي فضاء مفتوح بالكرّادة).2743 cafee

أهمية التعليقات الصوتية

تلجأ المخرجة إيمان خضيّر إلى التعليقات الصوتية لتغطي النقص الحاصل في الأرشيف والمعادل الصوري. وتعود بنا زمنيًا إلى مآثر الشاعر جميل صدقي الزهاوي (1863- 1936) ومعاركه الأدبية مع عباس محمود العقّاد ومحمود أحمد السيد ومناقشاته الظريفة مع الشاعر معروف الرصافي. وفي السياق ذاته تستذكر الشاعر محمد مهدي الجواهري وقصيدته المعنونة (أخي جعفر) الذي قتله الإنگليز حينما خرج محتجًا مع المتظاهرين العراقيين الذين وقفوا بوجه معاهدة بورتسموث الإنگليزية الجائرة. كما ترصد المخرجة المظاهرات والانتفاضات والحروب والتفجيرات الكبرى التي حدثت ببغداد على وجه التحديد مثل انتفاضة 1948 والحرب العراقية - الإيرانية، وتفجير شارع المتنبي عام 2007 الذي هزّ الضمائر الإنسانية في كل مكان وأثار استنكار العالم وشجْبِه وإدانته لهذا العمل الإجرامي المقيت. ولكي لا يفوتنا بعض الإضاءات المهمة في التعليقات الصوتية التي كتبتها المخرجة بنفسها إضافة إلى كتابة السيناريو لتعزّز رؤيتها الإخراجية المُرهفة.

كثيرة هي المعلومات المتوفرة عن (شارع الرشيد) الذي شُق عام 1916 في زمن الوالي العثماني خليل باشا لتسهيل حركة الجيش، وعُرف أول الأمر بـ (خليل باشا جاده سي) ثم سُميّ في عهد الانتداب البريطاني بـ (شارع الرشيد) نسبة للخليفة العباسي هارون الرشيد) الذي تُمثل حقبته العصر الذهبي لبغداد في عهد الدولة العباسية. وسوف يضم هذا الشارع أبرز وأكثر المقاهي الأدبية ببغداد مثل عارف آغا والزهاوي وأم كلثوم وحسن عجمي والبرلمان والبرازيلية وما سواها من مقاهٍ ثقافية وأدبية وفنية تعتبرها المُخرجة بمثابة المطبخ الحقيقي لإنتاج الثقافة العراقية التي تشمل القصة القصيرة والرواية والشعر والفن التشكيلي والسينما وما إلى ذلك.2745 cafee

 حسنًا فعلت المخرجة إيمان خضيّر حينما أحالتنا إلى كتاب (بغداد كما عرفتها) لأمين المميز الذي يقول: (كنّا نقضي السهرات حيث لا وجود للراديو أو التلفزيون في المقهى فكان الكركوز (خيال الظل) والفونوغراف وألعاب الدومينو أو الاستماع إلى القصّخون هي متعتنا الوحيدة). ومن يتأمل هذا الفيلم جيدًا فسيكتشف من دون عناء أنّ هناك مقاه متعددة ثقافية واجتماعية وحِرفية للعابرين ولأبناء المحلة ولذوي المهنة الواحدة، وللرياضيين، والتجّار، والحرفيين كالعمال والبنّائين والنجارين والمطيّرچية. وهناك أيضًا مقاهٍ للصُم والبُكم والعميان. وكان بعض المقاهي مثل (مقهى الشط) لصاحبه سبع الذي استقدم فرقة (الچالغي البغدادي) وبعد إعلان الدستور سنة 1908 تقدّم بطلب إلى الجهات الرسمية لجلب مطربات من مصر وبلاد الشام.

مُناصرة المرأة

حظي الشعراء والأدباء العراقيون باهتمام كبير من قِبل المُخرجة إيمان خضيّر في هذا الفيلم إذ ركّزت على أكبرهم سنًا وهو الشاعر جميل صدقي الزهاوي الذي يُعد رائدًا من روّاد التفكير العلمي فقد عُرف عنه بابتعاده عن السياسة وانشغاله بالأدب والفلسفة، ولعل موقفه الأهم والأكثر تميزًا هو مناصرته للمرأة وقد خاض معارك كثيرة لرفع الظلم عنها عندما أدركَ أهميتها ودورها الفاعل في تنشئة جيل جديد واعٍ وقادر على إعادة تشكيل حياته بطريقة أفضل حيث يقول في مطلع قصيدته المشهورة:

(أسفري فالحجابُ يا أبنةَ فهرٍ   هو داءٌ في الاجتماعِ وخيمُ)

إلى أن يقول:

(أسفري فالسفورُ لِلنَّاسِ صُبحٌ   زاهرٌ والحجابُ ليلٌ بهيمُ)2746 cafee

وكان الزهاوي يرى عفّة المرأة في تعليمها الواسع وثقافتها العميقة لا في حجابها الذي يعني به (النِقاب) ولذلك دعا إلى السفور الذي وصفهَ بـ (الصبح الزاهر) بينما نعتَ النقاب بـ (الليل البهيم).

حظي الشاعر محمد مهدي الجواهري باهتمام مُخرجة هذا الفيلم الذي يتمحور في جانب منه على مظاهرات الاحتجاج التي اندلعت عام 1948 والتنديد بمعاهدة بورتسموث التي سعى الإنگليز من خلالها إلى إبقاء الهيمنة البريطانية على العراق والتلاعب بمقدرات شعبه ( فقُتل عدد منهم من بينهم أخو الشاعر محمد مهدي الجواهري فرثاهُ بقصيدة كانت بمثابة صرخة وجع بعنوان (أخي جعفر) التي كتبها على تخوت مقهى (حسن عجمي) المواجه لجامع الحيدرخانة فخرجت المظاهرات الصاخبة دون أن يفكّر المتظاهرون بأنّ هذا الجامع سُنّي والشاعر ماركسي يرثي أخاه الشيعي فكانوا مفجوعين بموت الشهداء ومدهوشين بسحر القصيدة وبلاغتها) وقد كانت القصيدة المكتوبة على (بحر المُتقارب) بمثابة نبوءة لما سيعصف بالعراق لاحقًا وقد جاء في مطلعها:

( أتَعْلَمُ أمْ أنتَ لا تَعْلَمُ      بأنَّ جِراحَ الضحايا فمُ )

ثمة تركيز واضح على (مقهى الشابندر) الذي يقع بجوار منطقة القشلة أو السراي الحكومي آنذاك حيث أُسست أول حكومة بعد الاحتلال البريطاني برئاسة الملك فيصل الأول الذي يعتقد كثيرون أنه وضع اللبنات الأولى للدولة العراقية الحديثة رغم أنَّ البعض لم ينصفهُ بل عارضوه جهارًا نهارًا مستندين إلى الذريعة التي تقول مستفسرة: (هل عَقُمَ العراق من الرجال ليُؤتى لهم بأمير من الحجاز لكي يقودهم ويدير لهم دفّة الحكم؟) كما ورد في فيلم (فيصل الأول.. ملك العراق). لقد كان (مقهى الشابندر) أشبه بالمنتدى الذي يجتمع فيه المواطنون العراقيون منذ تأسيسه حتى انتقال مِلكيته العائلية إلى محمد الخشالي الذي سوف يُفجع بمقتل خمسة من أبنائه في التفجير الإرهابي المروِّع الذي حدث في 5 مارس / آذار 2007.

كثيرة هي المعلومات المتوفرة عن (مقهى المعقّدين) الذي يقع في أحد شوارع السعدون الفرعية باتجاه شارع أبي نوّاس. وثمة كتابات وصور وذكريات متراكمة عن هذا المقهى الذي سيتحدث عنه الصحفي والروائي زهير الجزائري وهو من جيل الستينات في العراق، والصحفي اسماعيل زاير، صاحب جريدة (الصباح الجديد) التي أسسها بعد الاحتلال الأنگلو - أمريكي للعراق في 9 أبريل / نيسان عام 2003. تشير كاتبة التعليقات الصوتية بأنَّ روايتيّ (خمسة أصوات) و (النخلة والجيران) لغائب طعمة فرمان تُصوِّران جانبًا من هذا المقهى الذي يحمل اسمًا غريبًا وغامضًا. وأنّ هذا المقهى الذي كان أشبه بالوكر السياسي للأدباء الستينيين الذين يسعون لتقويض النظام الاستبدادي الأمر الذي جعل منهم جيلًا غير تقليدي تبنّى الحداثة كمناخ للحياة وعلى الذات الإنسانية والإبداعية بدلًا من التركيز على الجوانب السياسية والاجتماعية.

اتسمت المقاهي الأدبية بالتعددية والتنوّع وظلّت منفتحة على الجميع خلال النصف الأول من القرن العشرين حتى أواخر الخمسينات عندما انقسم الشارع السياسي على نفسه فانعكس على غالبية المقاهي وأصبح لكل طيف سياسي مقاهيه الخاصة به.

يقترن اسم (مقهى حسن عجمي) بحركة تجديد الشعر العراقي وتعزيزها في أخطر مرحلة مرّ بها العراق حيث خاض الحروب المتلاحقة وتعرّض لأبشع حصار في التأريخ الأمر الذي أدّى نضج ثلاثة أجيال متعاقبة وهي السبعينات والثمانينات والتسعينات. وكان غالبية المبدعين العراقيين يلوذون بهذا المقهى حتى اللحظات الأخيرة قبل شحنهم لجبهات القتال أو لجوئهم إلى المنافي العربية والأوروپية.2747 cafee

أسلوب السهل المُمتنع

لا بدّ من الاعتراف بأنَّ كاتبة التعليقات الصوتية إيمان خضير قد اتبعت أسلوب (السهل الممتنع) في صياغة هذا التعليق الصوتي الآتي الذي وصفت فيه حادث التفجير الإرهابي الذي وقع في (شارع المتنبي) حيث قالت بدقة وبلاغة شديدتين: (تناثرت الكُتب مع الأشلاء واحترقت العيون والكلمات والأيدي والصفحات فتصاعدت دُخانًا في سماء المتنبي. تُرى، من هو عدّو الكتاب؟ ومنْ لا يُطيق مرأى العراقي وهو يقرأ؟ أي عدّو بربري هذا؟ من أين جاء القاتل الذي لا يُطيق اسم المتنبي؟).

بعد تفجير (شارع المتنبي) وتهديم (الشابندر) وتحويل مقاهي مثل (الجماهير) و (البرلمان) و(البرازيلية) إلى صالات بلياردو، ومحلات لبيع الأحذية والمستلزمات الطبية لم يجد الأدباء والمثقفون مكانًا يأويهم فاتخذ عدد منهم رصيفًا في الكرّادة مكانًا يلوذون به يوم الجمعة ويتجاذبون فيه أطراف الحديث بعد أن حُرموا من أبسط وسائل الترفيه في بلد كان يضج بـنحو 600 مقهى قبل أكثر من تسعة عقود!

لا يميل العراقيون إلى الاغتراب والعيش في المنافي إلّا عندما يطحنهم الاستبداد ويحاصرهم القتلة في عقر دارهم فيضطرون إلى الهجرة القسرية. فلا غرابة أن تُنهي كاتبة التعليقات الصوتية فيلمها بهذا التساؤل الذي يُدركه العراقيون ويعرفون إجابته أكثر من غيرهم سواء أكانوا عربًا أم مسلمين، يتعاطف بعضهم، مع الأسف الشديد، مع النظام القمعي لصدام حسين ويؤازرونه في السرّ والعلن، من دون أن يهتز لهم ضمير حيث تتساءل المخرجة قائلة: (هل هي مُصادفة أن يختار أغلب شعراء العراق العيش في المنافي بديلًا عن العراق أمثال أبو الطيّب المتنبي وابن زريق البغدادي وعبد المحسن الكاظمي والجواهري والسيّاب مرورًا بسعدي يوسف ومظفّر النوّاب؟). إضافة إلى ألوف مؤلفة من الأدباء والشعراء والفنانين والمثقفين الذين آثروا حياة النفي والغربة وفضّلوها على العيش بين جنبات الوطن الذي يستبيحه القمع والاستبداد وتنتهكه الدكتاتورية آناء الليل وأطراف النهار.

بغية تتبّع البنية الدرامية والهيكل المعماري لهذا الفيلم الدكيودرامي سنضع المتحدثين العشرة في إطار هذه المقاهي الخمسة وهي: (مقهى الزهاوي، حسن عجمي، الشابندر، المعقدين، وأم كلثوم). وربما نضيف إليها مقهى الرصيف أو الفضاء المفتوح بالكرّادة الذي تحدث عنه الشاعر والمترجم نصير غدير لكي نتقصّى البنية الفنية والمعمارية من خلال السرديات المتنوّعة للشخصيات الرئيسة التي تتكئ عليها القصة السينمائية ولا ننسى التعليقات الصوتية الذكية التي سدّت النقص الحاصل في المعادل الصوري أو المرجعيات الأرشيفية المفقودة. تُرى، ما البنية الدرامية التي يتوفر عليها (مقهى الزهاي)؟ وما هي المعطيات الفنية والفكرية التي وردت على ألسنة المتحدثين من جهة والتعليقات الصوتية من جهة أخرى؟ وهل أوفت المخرجة حق هذا المقهى أو المقاهي الأُخر التي وردت في سياق هذا الفيلم الذي يهزّ المتلقي ويستنفر مشاعره وأحاسيسه الداخلية المُرهفة؟

لم يلامس الباحث التراثي زين النقشبندي موضوع المقاهي ولم يتناوله بإسهاب سوى قوله بأن تاريخ المقاهي يعود إلى العهد العثماني وأنَّ القهوة والنرگيلة كانت موجودة في المقاهي البغدادية مثل (مقهى الزهاوي). وهذا كلام عابر لا يغني ولا يسمن من جوع.2748 cafee

جرأة الرصافي وتحفّظ الزهاوي

وثمة شخص آخر ظهر مُجردًا من اسمه وهو يرتدي جلبابًا ويتحدث عن (مقهى الزهاوي) كتكية ومدرسة ملّائية ومكان لإقامة الموالد النبوية. وقد أشار في سياق حديثه عن المقهى من الناحية الاجتماعية بأنَّ كُتّابًا وسياسيين وفنانين مثل عزيز السيد جاسم، وحافظ علوان، مُرافق الزعيم، ويوسف عمر، وهو أحد طلاب الملّا كانوا يجلسون في هذا المقهى. وأشار المتحدث من طرف غير خفي بأنّ موقف الشاعر جميل صدقي الزهاوي كان متحفظًا من الحكومة، أمّا الرصافي، الشاعر الإشكالي المعروف، فكان يعلن موقفهُ المُضاد للدولة وجرأته التي تكشّفت لاحقًا في كتابه المثير للجدل (الشخصية المحمدية) الذي نُشر وذاعَ صيته بعد وفاته. وحينما تيقّنت المخرجة من شحة المعلومات عن الشاعر الزهاوي الذي سُميّ المقهى باسمه لجأت إلى البناء الدكيودرامي وأشارت إلى معاركه الأدبية وحلقات السِجال التي استعرت بينه وبين الشاعر الكبير معروف الرصافي لتُحيط بأبرز المواقف التي عُرف بها الزهاوي وأنداده من الشعراء والمفكرين العراقيين والعرب على حدٍ سواء.

لم تجد المخرجة إيمان خضيّر صعوبة في العثور على الشخصيات الأدبية التي تتحدث عن بقية المقاهي الأربعة ومنها مقهى (حسن عجمي) حيث اكتفت بالتركيز على الشاعرين المعروفين عبد الزهرة زكي والشاعر حميد قاسم الذي أخذ وقتًا طويلًا يستحقه بجدارة. وقد اشترك الاثنان في الإشارة إلى الحضور الأمني لسلطة البعث ونظامها الدكتاتوري الذي جثم على صدور العراقيين طوال 35 سنة وأذاقهم مُرّ العذاب. يتوقف الشاعر عبد الزهرة زكي عند عقد الثمانينات الذي تكرّس فيه مفهوم قصيدة النثر وجرى فرضهُ على الثقافة الرسمية. كما يرى في هذا المقهى حاضنة لكثير من الشعراء الذين أصدروا مجموعاتهم الشعرية أمثال خزعل الماجدي، زاهر الجيزاني، سلام كاظم، حميد قاسم، محمد جاسم مظلوم، باسم المرعبي، خالد جابر يوسف، محمد تركي النصّار ونصيف الناصري وآخرين.

بينما يستذكر الشاعر حميد قاسم ما قاله أحدهم عن كم التقارير المكتوبة عليهم من قِبل أصدقاء وأناس يجلسون معهم. ويرى قاسم: (أنَّ هناك شيئًا مهمًا جمعهم معًا وهو الأدب الذي ليس له جنسية أو وطن أو قومية أو مذهب، فهم جميعًا عراقيون وكلهم يعبّرون عن همٍ واحد، ويعانون من مشكلة واحدة، ولم يكن الحصار أو الجوع يستهدف واحدًا دون الآخر).

يؤكد قاسم بأنَّ (مقهى حسن عجمي) الذي لاذوا به بعد إغلاق (مقهى البرلمان) قد احتضن مجموعة (تضاد) التي نشأت فكرتها في هذا المقهى إضافة إلى مجموعة (فيضان بحجم الكف). كما انبثقت هنا أفكار بعض القصائد مثل قصيدة (لماذا يغنّون؟) لحميد قاسم نفسه.

يحسب حميد قاسم توقيتاته في أبو ظبي على ساعة حسن عجمي، ويعرف لحظة مغادرة جماعته إلى اتحاد الأدباء ويقف غالبًا في شرفة شقّته الظبيانية ويسرح بذهنه إلى ذلك المكان السحريّ الأثير ويتخيّل مَن بقي منهم، ومَنْ غادر؟ فالمكان البغدادي، من وجهة نظره، (ليس مبنىً أو حجرًا، وإنما هو شيء مؤنسن يتشرّب أنفاسك بعد أن تعيش فيه عشرين أو ثلاثين سنة وتشعر أنَّ هناك علاقة عميقة) لا تنفصم عراها بسهولة.2749 cafee

البحث عن الذات

يتناوب الروائي زهير الجزائري والصحفي اسماعيل زاير في الحديث عن (مقهى المعقّدين) وطبيعة روّاده الذين التصقت بهم هذه التسمية الغريبة. وقبل الخوض في هذه التسمية الغامضة يسجِّل الجزائري ملحوظة مهمة جدًا مُفادُها أنَّ المقهى قد حلّ محل الجامع الذي يُعنى بالتوجيه الفكري، والشحن العاطفي، والتعبئة الوطنية ضد الإنگليز وأخذت المقاهي تجيب على الأسئلة الأساسية والوقائع التي تحدث في أرجاء المعمورة.

يتحدث الجزائري بوصفه واحدًا من روّاد المقهى وعضوًا فاعلًا فيهم حيث يقول: (كانوا يلبسون نظّارات سوداء، وسترات متهدَّلة، ويحمل الواحد منهم رزمة من الكتب التي شكّلت سلوكنا). وغالبا ما يغادر الأديب (المُعقّد) أهله ويسكن في غرفة مُستأجَرة وتنغمر حياته بالكتب والنقاشات الفكرية واستعمال كلمات ميتافيزيقية مثل الوجود، والعدم، والقلق، والعبثية وما إلى ذلك. ويرى الجزائري بأنَّ الحركات المسلّحة التي ظهرت في تلك الحقبة مثل ثورة الشباب في أوروپا، والحرب الفيتنامية، وظفار، وجيفارا، والمقاومة الفلسطينية قد أثرّت على روّاد المقهى وخاصة الستينيين منهم الذين سكنهم روح التمرد والبحث عن الذات المتوارية خلف حُجب الضباب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

يُرجِع الصحفي اسماعيل زاير تسمية (مقهى المُعقّدين) إلى جهاز الأمن العراقي الذي كان حائرًا بالأشخاص الذي يجلسون في هذا المقهى ويرددون أسماء ومصطلحات غريبة على سمعهم مثل الوجودية وجان بول سارتر وفرانسواز ساغان وألبير كامو فيقولون في سرّهم: ما هؤلاء الناس؟ هل هم مجانين أم معقّدين أم ماذا؟ ويرى زاير أنَّ قوة هذا المقهى تأتي من الناس الوافدين من المحافظات العراقية الأخرى. فالطبقة الوسطى والغنية لا تجلس في هذا المكان العادي وإنما تبحث عن أماكن رفيعة المستوى.

يركز زاير على الهجرتين الرئيستين في العراق؛ الأولى التي حدثت إلى المقاومة الفلسطينية في نهاية الستينات وذهب فيها شريف الربيعي، ابراهيم زاير، مؤيد الراوي، وفالح عبدالجبار. أمّا الهجرة الثانية التي حدثت في بداية الثمانينات حينما أصبح القمع قاسيًا جدًا وقد شارك فيها اسماعيل زاير مع آخرين واشتغل في المكان نفسه الذي اشتغل فيه شقيقهُ ابراهيم زاير وزهير الجزائري وغسان كنفاني وآخرون.2750 cafee

ضيافة في أروقة المخابرات

يبدو أنَّ المُخرجة إيمان خضيّر قد كرّست شخصيتين للحديث عن كل مقهى، وكانت حصة (الشابندر) هو محمد الخشالي، صاحب المقهى الآن، والصحفي هاشم حسن، عميد كلية الإعلام سابقًا. توسّع الخشالي في الحديث عن مُعارضة طلاب المدارس والكليات لمعاهدة بورتسموث والمظاهرات التي انطلقت في شارع الرشيد وراح ضحيتها 18 شخصًا بين قهوجي وعابر سبيل وطالب مدرسة. وفي إشارة إلى زمن القمع والاستبداد البعثي أشار الخشالي إلى أنَّ الصحفي هاشم حسن قد اقتادته عناصر مخابراتية من المقهى ولم يره إلّا بعد سنتين وعرِف لاحقًا أنه كان (ضيفًا) لديهم!

يتوقف الصحفي هاشم حسن عند نقطتين أساسيتين وهما (المصور العربي) المجلة الليبرالية الوحيدة التي كتبت فيها أسماء لامعة مثل الناقد الفني محمد الجزائري، وأستاذ الفلسفة مدني صالح وآخرون غيرهم وكانت كتاباتهم تُفعِّل الثقافة لكنها كانت غير مُعلنة وتحت الأرض. كما تحدّث عن لحظة اعتقاله حينما كان جالسًا في (مقهى الشابندر) وإلى جواره (شاعر كبير ومعروف) نهض من فوره حينما بدأ هاشم حسن يتحدث عن قضايا تمسّ النظام وكأنه استشعر بأنه سيدخل في لحظة إحراج وبعد مغادرته بدقائق تمّ اعتقال هاشم حسن الذي لم يُشِر من قريب أو بعيد لاسم هذا الشاعر (الكبير) الذي يحمل في داخله روح الشرطي العاهر.

يسترجع المخرج السينمائي رعد مشتّت ذكرياته القديمة عن (مقهى أم كلثوم) حيث كان يأتي ضمن مجموعة من الرسّامين الذين يضعون سكيتشاتهم على رُكبهم ويُخططون إمّا بالفحم أو بقلم الرصاص أو بأحبار الروترينغ ويستمعون لأغاني أم كلثوم وفي الوقت ذاته يرسمون روّاد المقهى بوصفهم موديلات جاهزة لا تحتاج لأن تأخذها إلى أكاديمية الفنون الجميلة أو تذهب بهم إلى إستوديو خاص لتُجلسهم أمامكَ. فالرسّام يقرأ حركات الأشخاص وهم جالسون. ثم يروي مشتّت بضمير الجمع المتكلم ليخلق قرباً نفسيًا ووجدانيا فيقول بما معناه: ( كنّا في الوقت ذاته نناقش كبرى مدارس الفن، ونحلم بالتعبيرية الألمانية، ونتكلم عن الانطباعية الفرنسية، ونتجاذب أطراف الحديث عن الپوپ آرت الأمريكي، ونتحدث عن الواسطي والحركات الفنية في العالم العربي كمنطقة أحلام نتلهف لولوجها).

يكتشف الدكتور عقيل مهدي (مقهى أم كلثوم) وكأنه جزيرة عجيبة في (ساحة الميدان) التي غنّت بقربها كوكب الشرق عام 1932 وقد استقبلها كبار قادة العراق. وحينما يقصدون هذا المقهى لسماع الموسيقى فكأنهم يذهبون إلى نوع من (الريبورتوار) الذي يضم أغانٍ قديمة وحديثة وبصوت فيه بُعد إنساني ونغمي. يشير مهدي إلى أنَّ سكريبت أول مسرحية أخرجها قد كتبهُ في هذا المكان وكانت عن (السندباد) لشوقي خميس وقد أضاف لها عنوانًا فرعيًا هو (تُمزِّقهُ الغربة) لأنه كان يعاني مثل سارتر وكامو وبقية الوجوديين.

مقهى ثقافي في فضاء مفتوح

أمّا آخر المتحدثين فهو الشاعر والمترجم نصير غدير الذي يعتقد بأنه أحد مؤسسي هذا المقهى الثقافي القريب من محل سكناه، والذي لا يبعد كثيرًا عن دائرة السينما والمسرح، والسوق التجارية للفن التشكيلي في وسط الكرّادة، بالإضافة إلى قربه النسبي من اتحاد الأدباء. ويأسف (غدير) لأنه يعيش وسط شارع صاخب يكثر فيه ضجيج مولدات الطاقة الكهربائية، وهناك مكب للنفايات، والكثير من الصخب في الطريق المُفضية إلى هذا المقهى الثقافي الذي وجد ضالته على رصيف مزدحم في فضاء مفتوح.

لا تقتصر بنية الفيلم على التعليقات الصوتية والشخصيات المُشاركة في الفيلم فقط، فثمة أكثر من عشرين فنانًا وشاعرًا وأديبًا يرد ذكرهم على ألسنة المتحدثين أو تتمّ الإشارة إليهم في التعليقات الصوتية المدروسة بعناية شديدة. وهناك صور عديدة تُظهر العديد من الأدباء والمثقفين والفنانين العراقيين الذين يصل عددهم إلى 35 شخصًا فاعلًا في المَشهدين الثقافي والفني نذكر منهم فاضل العزاوي، عبد الكريم گاصد، هاشم شفيق، فاطمة المحسن، حميد البصري، عواد ناصر، مهدي محمد علي، روناك شوقي، انتشال التميمي، جبر علوان، صادق الصائغ، فيصل لعيبي، كريم دحّام، علي فوزي وآخرين. أمّا صور الأدباء والشعراء والقصاصين والروائيين فهي كثيرة ويصعب حصرها وأبرزهم سركون بولص، عبدالستار ناصر، مؤيد الراوي، فاضل عباس هادي، جان دمّو، فالح عبدالجبار، غائب طعمة فرمان، عبدالرحمن مجيد الربيعي وما سواهم من مبدعين عراقيين يبدؤون من جيل الزهاوي والرصافي والجواهري (المدرسة الكلاسيكية الحديثة) وحتى تسعينات القرن الماضي. ولو تمعّنا في الأغاني والأناشيد العراقية التي وظّفتها المخرجة إيمان خضيّر في هذا الفليم لوجدنا عشر أغانٍ وأناشيد متنوعة وجميلة، بينها أغانٍ عراقية تراثية مثل أغنية (هاجن جنوني لولفي ودّوني) التي غنّاها يوسف عمر وهي من (مقام الحجاز كار) التي تنطوي على قصة عاطفية وإضاءات اجتماعية تُحيل إلى الزمن الجميل. وقد صادف أن تأخذ المخرجة أكثر من مقطع من الأغنية الواحدة وخاصة من أغاني أم كلثوم مثل (ألف ليلة وليلة) كلمات مرسي جميل عزيز، وألحان بليغ حمدي، ومقطع من أغنية (أغدًا ألقاك) للمؤلف السوداني هادي آدم، وألحان محمد عبد الوهاب. ومقاطع عديدة من أغنية (مرة ومرة) من كلمات الشاعر طاهر سلمان، وألحان جعفر الخفّاف، وغناء الفنان الراحل رياض أحمد، إضافة إلى عدد آخر من الأغاني التراثية التي تسكن في طيّات الذاكرة الشعبية العراقية. ولو تأملنا هذه الأغاني والأناشيد والمقامات لوجدناها هي الأخرى تنطوي على بنية درامية ملحوظة ترصد الزمان والمكان والقصص والأحداث التي وقعت منذ أوائل القرن العشرين في أقل تقدير وما زال المواطن العراقي بمختلف أطيافه وخلفياته الثقافية يستمع إلى هذه الأغاني، ويتماهى معها لأنَّ هناك قصة وراء كل أغنية إذا ما وضعناها تحت مشرط الجرّاح وفككنا إلى عناصرها الأولية.

لا بد من الإشارة إلى أنَّ نجاح هذا الفيلم الدكيودرامي يعود في جوانب متعددة منه إلى أشخاص آخرين وهم مدير التصور عمّار جمال المعروف بلمساته الاحترافية، وعينه السينمائية الخبيرة، والمايسترو المُبدع محمد أمين عزت، قائد الفرقة السمفونية العراقية، وقارئ التعليقات الصوتية الشاعر مضر الآلوسي الذي أجاد وتألّق وترك بصمته اللغوية المُرهفة على مَدار الفيلم. أمّا المونتير سلوان كامل فقد قدّم لنا فيلمً سلسًا في خاتمة المطاف لا يغادر ذاكرة المتلقين المُحترفين بسهولة.

***

لندن: عدنان حسين أحمد