أوركسترا

عدنان حسين أحمد: نُريد وطنًا.. النزعة الاحتجاجية على القتل والفساد والتبعية (1-2)

لا بدّ من الإقرار أولًا بأنَّ الفيلم الوثائقي الجديد الذي ينضوي تحت عنوان (نُريد وطنًا) للمخرجة السينمائية الدؤوبة إيمان خضيّر هو من الأفلام المميزة التي تهزّ المشاعر الإنسانية وتلامس الضمير البشري عراقيًا وعربيًا وعالميًا. ففي العالم كله هناك الكثيرون الذين يبحثون عن وطن لهم حينما يشعرون بأنَّ وطنهم قد سُرق منهم في رابعة النهار وأنَّ أبنائهم الخُلّص قد هُمِّشوا وأصبحوا طُعمًا للفقر والجوع والمرض ولم يجدوا غير المساكن العشوائية التي لا تتوفر على أبسط الخِدْمات سكنًا لهم، كما لم يجدوا غير (البسْطيات) كعملِ شريف يسكتون به غائلة الجوع لهم ولأطفالهم المحرومين من غالبية متَع الحياة.2501 iman khodayir

لا يسلّط هذا الفيلم الضوءَ على حياة المهمّشين والمحرومين والفقراء من أبناء الشعب العراقي فقط وإنما يُحيل المتلقي بطريقة غير مباشرة إلى المترفين من الطبقة السياسية الجديدة التي جاءت لتنتقم من العراقيين جميعًا ليس لأنهم كانوا ضحايا للنظام الدكتاتوري المقبور وإنما للتنفيس عن عُقد النقص التي كانوا يعانون منها فأشفوا غليلهم من غالبية العراقيين بما فيهم الطبقة المسحوقة التي واجهت اشتراطات الحياة الصعبة بصدور عارية ولم تجد بُدًا من التظاهر والاحتجاج وكشف عورات النظام الجديد الذي جاءت به قوّات الاحتلال الأنگلو - أمريكية التي اعترفت بإخفاقاتها  في نقل الديمقراطية إلى (العراق الجديد)، تمامًا كما اعترف قادة الطبقة السياسية الجديدة بفشلهم الذريع في إنقاذ الشعب العراقي من المصائب والمحن التي تتراكم عليه عامًا بعد عام. الأمر الذي دعاهم إلى التظاهر والاحتجاج المتواصلين اللذين سوف يفضيان إلى المطالبة بإسقاط النظام لاحقًا بوصفه أنجع الحلول للمعضلة العراقية بعد الاحتلال الأمريكي.2502 homeland

بنية التعليقات الصوتية

ما يميّز فيلم (نريد وطنًا) للمخرجة المُبدعة إيمان خضيّر هو بنيته الداخلية من الناحية الفنية أو معماره الفني، إن شئتم، فهو يقوم على ثلاثة بنىً في آنٍ واحد وهي على التوالي: التعليقات الصوتية التي بلغ عددها عشرة تعليقات، والرؤوس المتكلمة Talking heads التي بلغ عددها الثلاثين رأسًا تقريبًا، وبنية الأنشودة العراقية التي اختصرت محنة العراقيين في خمسة مقاطع جميلة  ومُؤثرة ومُعبّرة إلى أبعد الحدود، ولعل المُشاهِد العراقي والعربي، وربما الأجنبي إلى حدٍ ما، سيفهم  ما يعانيه المواطن العراقي من قمع وظلم وضيق ذات اليد اعتمادًا على ما يبوح به المتظاهرون العراقيون في أثناء إجاباتهم على أسئلة المخرجة التي بدأت بطرحها في النصف الثاني من هذا الفيلم الذي يلامس الحقيقة ويقدّمها إلى المتلقين على طبق من ذهب.

تبدو المخرجة إيمان خضيّر معنية بالشأن الثقافي العراقي دائمًا مثل عنايتها بالشأن السياسي الذي ترصده لكن المُدقق جيدًا في تفاصيل هذا الفيلم سيجد أنَّ المعطيات الثقافية والفنية تتقدم على الشأن السياسي ولعلها تحتل مركز الصدارة في طريقة العرض والتناول والمعالجة. فلا غرابة أن تستهل الفيلم باستعراض عددٍ مهم من المنحوتات والنصب والأعمال الفنية مثل تمثال (الرصافي) لاسماعيل فتّاح التُرك، وتمثاليّ (إنقاذ الثقافة) و (كهرمانة)  لمحمد غني حكمت، و (ساعة القشلة) في مبنى المدرسة الموفقية، ونُصب (الحرية) لجواد سليم. وسوف ترد في متن الفيلم تماثيل ونُصب فنية أخرى أبرزها (نصب الشهيد) لاسماعيل فتّاح الترك أيضًا الأمر الذي يكشف عن شغف المخرجة بالجوانب الفنية والثقافية العراقية.2503 homeland

تنحصر مدة الفيلم زمنيًا بين الأول من تشرين الأول 2019 وتنتهي بـ 30 تشرين الثاني من العام ذاته عندما قدّم رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي استقالته التي تعني استقالة الحكومة برمّتها لإتاحة الفرصة لمجلس النواب البحث عن خيارات جديدة تُنقذ الوضع المستعصي وتفتح نافذة على المستقبل. غير أنَّ هذه المدة الزمنية قد تنفتح على الماضي البعيد لتذكِّرنا بـ (ساعة القشلة) في مبنى المدرسة الموفقية التي بُنيت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر للميلاد.

ولكي نُحيط بالقسم الأكبر من ثيمات الفيلم الرئيسة والفرعية فلا بدّ من التوقف عند البنى الثلاث المُشار إليها سلفًا وأولها التعليقات الصوتية المكتوبة بحرفية عالية يمكن أن يستشفَّ منها المتلقي قصة متكاملة الأركان تكشف في مطلعها الفرق الكبير بين التظاهرات السابقة والحالية حيث كسر المتظاهرون في انتفاضة تشرين 2019 هندسة سياقات التظاهرات السابقة لأن الجيل الجديد لم يعرف المشاركة الحزبية والطاعة التي عرفتها الأجيال السابقة ولم يوجّههم حزب أو قائد كارزمي. وقد توجّه غضب المتظاهرين باتجاهين: الأول يريد الإصلاح من داخل الحكومة ويؤكّد على الطابع السلمي للتظاهرة، أمّا الثاني فرفعَ شعار (نريد وطنًا) وكان يمثِّل ثورة على الفساد، والتبعية، والفشل الإداري وما إلى ذلك.

إهانة المُنقذ والمثال

يُحدد التعليق الثاني المداخل الخمسة التي فُتحت أربعة منها بينما ظلّ مدخل جسر الجمهورية المؤدي إلى المنطقة الخضراء، مقرّ السلطة، مُغلقًا بجدرانٍ إسمنتية عازلة بطول قامتيّ إنسان. أمّا التعليق الثالث فيركز على الخطأ القاتل الذي ارتكبه رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي حينما أقدم في خطوة مفاجئة على نقل العقيد (وقتها) عبدالوهاب الساعدي من منصبه كقائد لجهاز مكافحة الإرهاب إلى عمل إداري في وزارة الدفاع بعد أن تحوّل إلى بطل شعبي في محاربة داعش وكان يتمنى إحالته على التقاعد ويفضِّل السجن على قرار مُجحف يُعدّ إهانة كبيرة لهذا الرجل الشجاع الأمر الذي اعتبره المتظاهرون إهانة للمثال والمُنقِذ.2504 homeland

تنقل التظاهرات سوّاق التُكتك من الهوامش النائية إلى قلب العاصمة بغداد ويتكفل بعض الناشطين بدفع تكاليف الوقود الذي كان يوزع مجانًا على هؤلاء السوّاق الشجعان الذين كانوا يواجهون الدخانيات والرصاص الحي بصدور عارية.

تتحول بناية (المطعم التركي) إلى رمز كبير يتنافس عليه المتظاهرون وقوات الشغب وذلك لأهميتها الإستراتيجية بسبب إطلالتها على المنطقة الخضراء من جهة وساحة التحرير من جهة ثانية.

قطّعت قوات مكافحة الشغب جسر الجمهورية المؤدي إلى المنطقة الخضراء إلى ثلاثة سواتر احتمت وراءها السلطة التي تحكم البلد ولا تراه لكنها تتهجّس ما فيه من مخاطر من خلال ثلاث ركائز، العقيدة والمال والقوّة، وقد تحوّل الجسر إلى مكان نموذجي لتمارين الشجاعة حيث الإرادة في أعلى تجلياتها مقابل الموت.

يعود التعليق السابع إلى ساحة التحرير التي تحوّلت إلى أماكن للتنوير والتثوير من دون خلفيات آيديولوجية مسبقة حيث أُقيمت ندوات وعروض مسرح الفرجة من هواة ومُحترفين على عكس ما أشاعتهُ السلطة من أنهم صغار السن ومُراهقون وطرف ثالث، وكلام بذيء لا أساس له من الصحة.

تُذكِّر انتفاضة تشرين بالموجة الأولى من الربيع العربي، فگرافيتي ساحة التحرير ببغداد يشبه گرافيتي ميدان التحرير بالقاهرة غير أنَّ فكرة الميادين تكشف عن نمط جديد من الانقلابات خلافًا لما كان يحدث  في القصور الرئاسية ومباني الإذاعة حيث تحوّل نفق التحرير إلى ورشة عمل ثقافية شاملة ترافقَ مع صوت الدخانيات فأعيد تأهيله بعد إهماله ستة عشر عامًا بالرسوم والجداريات التي أبدعها طلبة معهد وأكاديمية الفنون الجميلة. ويخلص التعليق الصوتي الأخير إلى أنَّ المنتفضين قد أعادوا الحياة للنفق تحت قنابل الغاز لتحقيق فعل جمالي بفن الشارع الگرافيتي من دون تخطيطات مسبقة حيث رسموا أمام المارّة موضوعات تعبيرية مباشرة يغلب عليها الطابع التحريضي الوطني الذي يُوحي بأنّ الفن لم يكن هامشيًا في حياة الشعوب ذات يوم سواء المتحضرة منها أو البدائية.2505 homeland

خدش القيم السائدة

تقوم بنية الرؤوس المتكلمة على قرابة ثلاثين رأسًا من مختلف الأعمار والمناصب والخلفيات الثقافية. وعلى الرغم من أنَّ غالبية المتحدثين من الثوّار والمنتفضين والمُحتجين هم من الشباب من كلا الجنسين أبرزهم من المتظاهرين، والمُسعفين، وسوّاق التُكتك، والمُنظِّفين، والطُهاة، والحلّاقين، والفنانين التشكيليين، والعاطلين عن العمل، ومكافحي القنابل المُسيّلة للدموع إلّا أنَّ الشخصيات الأربع الرئيسة التي انتقتها المخرجة إيمان خضيّر بالغة الأهمية من حيث بوحها، واعترافها، وملامستها للحقيقة من دون رتوش. ولعلّ اختيار المخرجة إيمان خضير للصحفي والروائي زهير الجزائري كأنموذج للمثقف العراقي هو اختيار مناسب جدًا لأنّه منغمس في العمل الصحفي والسياسي منذ ستين عامًا أو يزيد كما يمتلك القدرة على التحليل السياسي والاجتماعي والفكري حيث اختصر لنا في إطلالتين لا غير الأسباب التي أفضت إلى إنطلاقة انتفاضة تشرين ويمكننا إيجازها بثلاثة أسباب أو أحداث رئيسة وهي: تهديم البيوت العشوائية، ومطاردة أصحاب (البسْطيات)، والطريقة المُذلّة التي تعاملت فيها السلطة مع أصحاب الشهادات العليا. وبحسب تقرير وزارة التخطيط العراقية فإنَّ سكنة العشوائيات يشكّلون ثلث سُكّان العراق، وهي نسبة كبيرة جدًا تحتاج إلى حلول فورية لا تقبل التأخير. أمّا السبب الثاني فهو (البسْطيات) العشوائية أيضًا التي ارتفعت نسبتها بشكل مُخيف حتى أنها فاقَت نسبة المحلات والمتاجر الرسمية في العديد من مناطق التبضّع منذ عام 2003 ولحد الآن. وفي كلا الحالتين فقد تمّ المَساس وإلحاق الضرر بالطبقات الدُنيا الأكثر فقرًا في المجتمع العراقي التي تُرقِب بعين الحسرة والغضب الطبقة السياسية الجديدة وأحزابها التي أثرت ثراءً فاحشًا وامتصت ثروات البلد الظاهرة منها والمطمورة على حدٍ سواء. أمّا السبب الثالث بحسب الجزائري فيتمثّل بالضربة القاضية التي وُجِّهت لحَمَلة الشهادات العليا الذين كانوا يتظاهرون أمام رئاسة مجلس الوزراء حيث تعرّضوا إلى رشّاشّات الماء الساخن بطريقة مهينة. ويرى الجزائري بأنَّ المنظر الأكثر حسّاسية الذي هزّ المشاعر الجمعية للمواطنين العراقيين حينما شاهدوا امرأة من حَمَلة الشهادات العليا تتدحرج أمام قوّة رشاشات المياه الساخنة التي أفضت إلى ارتفاع ملابسها إلى الأعلى أمام كاميرات التصوير الأمر الذي مسّ الشرف العام، وخدش القيم السائدة، وأهان الأمثولة التربوية بطريقة تفتقر إلى الذوق والحكمة وتنتهك منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية المُتعارف عليها في المجتمع العراقي المحافظ. وقد استعانت المخرجة بمقتطفات منشورة في بعض الصحف ووسائل الإعلام العراقية التي تُعزِّز آراء الكاتب زهير الجزائري وتؤشر على مصداقيته في ملامسة الحقائق الدامغة التي وردت في إطلالتيه المُعبِّرتين اللتين تصلان إلى مستوى الوثيقة ولا تندرجان ضمن الكلام العابر.

***

لندن: عدنان حسين أحمد

في المثقف اليوم