عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مدارات حوارية

المثقف تحاور الأديبة المبدعة الأستاذة سعاد الراعي في مدارات حوارية

في هذه الحلقة من مدارات حوارية، تستضيف المثقف الأديبة المبدعة سعاد الراعي

وحوار أجره معها الأستاذ مراد غريبي، فأهلا وسهلا بهما في المثقف.

 ***

مقدمة: في فضاءٍ تتلاقى فيه الأرواح قبل أن تتلاقى الأصوات، وفي لحظةٍ يُعيد فيها الحرفُ ترتيبَ العالم، نفتحُ أبوابَ رحلةٍ ليست كالرحلات، وحوارٍ ليس كالحوارات. رحلةٌ نسافر فيها لا عبر المسافات، بل عبر المعنى، حيث تكون الكلمةُ مركباً، والسؤالُ بوصلةً، والصمتُ أحياناً أبلغَ من الجواب.

وها نحن نقف على عتبة لقاءٍ مع الأديبة الرائعة سعاد الراعي، تلك التي لا تكتبُ اللغةَ فحسب، بل تُعيدُ خلقَها؛ لا تصفُ الحياةَ، بل تستنطقُها؛ ولا تطاردُ الحقيقةَ، بل تُقيمُ معها حواراً هادئاً عميقاً، كأنّها تهمسُ للوجود فيُجيبُها نثراً وفكراً.

سعاد الراعي… اسمٌ يفوحُ بعطرِ الحرفِ حين يزهر، وقلمٌ يعرفُ أنّ الجمالَ ليس زينةً تُضاف إلى النص، بل جوهرٌ يسري في عروقه كما يسري النورُ في الفجر. أديبةٌ تجعل من اللغة مرآةً للروح، ومن السرد فضاءً تتقاطع فيه الذاكرةُ بالحلم، والواقعُ بالاحتمال، والذاتُ بالآخر.

في هذه الرحلة الحوارية، لن نكتفي بطرح الأسئلة، بل سنصغي إلى ما وراء الإجابات: إلى تلك الطبقة الرقيقة من الوعي التي تولد فيها النصوص، وإلى ذلك المختبر السري حيث تمتزج التجربةُ بالتأمل، والألمُ بالدهشة، والثقافةُ بالوجدان. سنسير معاً في ممرات الإبداع، نتوقف عند محطات اللغة والحياة والحقيقة، ونسأل: كيف يولد النص؟ وكيف تتشكل الرؤية؟ وما الذي يجعل الكلمة قادرةً على أن تُغيّر شيئاً في هذا العالم؟

فأهلاً بالأديبة سعاد الراعي في فضاءٍ يليق بها.. وأهلاً بالقارئ في رحلةٍ نرجو أن تكون بقدر ما فيها من وعي وإبداع وجد واجتهاد، وبقدر ما فيها من إتقان، فيها من جمال.

***

أ. مراد غريبي: بادئ ذي بدء، في بضع سطور من تكون الأستاذة سعاد الراعي؟

أ. سعاد الراعي: أفتتح هذه النافذة من الحوار بامتنان صادق، متوجهةً بخالص التقدير إلى الأستاذ القدير ماجد الغرباوي، سادن منصة المثقف، لما يبذله من جهدٍ أصيل في توسيع فضاءات الوعي وتحرير الفكر من أسر الموروث. وأثمّن عاليًا ثقته الكريمة ورعايته الدؤوبة لكتّابه، تلك التي تجلّت بمنحي هذه الفرصة الثمينة للحوار التي أعتبرها شهادة تقدير افتخر بها.

كما أتقدم بالشكر العميق لك، أستاذ مراد غريبي، على هذه الصحبة الحوارية الثرية، راجيةً أن يكون هذا اللقاء نافذةً نابضة بالفكر والمعنى، تلامس شغف القارئ وتثري فضاء المعرفة.

***

يصعب على الإنسان أن يُعرّف نفسه بالقدر الذي يسهل فيه على الآخرين أن يقرؤوه من خلال اعماله، لذلك كنتُ أؤمن دائمًا أن الصورة الأكثر إنصافًا لأي كاتب، تلك التي يصوغها قراؤه ونقاده. ومع ذلك، فإن مقتضى السؤال يدعوني إلى أن أرسم ملامحي كما أراها، لا كما أودّ أن ًارى.

أنا امرأة جَعلت من المعرفة أسلوبًا للحياة، ومن السؤال طريقًا دائمًا إلى اليقين، لذا كانت رحلتي الى الكتابة قد تشكّلت عند تقاطع حقول معرفية ومهنية متعددة، جمعت بين الإدارة والاقتصاد السياسي، بما يقتضيانه من عقلٍ تحليلي ومنهجية دقيقة، وبين التصميم والخياطة، بما يفتحانه من آفاق الجمال والابتكار والصبر على التفاصيل اللذان رافقني طوال مسيرتي المهنية والتربوية، فأدركت أن ما يجمعهما، فعل التشييد: تشييد الفكرة، وصياغة شكلها.

لكن الكتابة كانت، منذ سنوات مبكرة، الشغف الذي تأخر ظهوره لا حضوره. كنت أنظر إلى النشر بوصفه مسؤولية معرفية وأخلاقية قبل أن يكون وسيلة للظهور، لذا آثرت أن أمنح نفسي الوقت الكافي للنضج، مؤجلة النشر كي أشعر بأن ما سأكتبه جدير بأن يشارك الآخرين أسئلتهم وهمومهم، لا أن يضيف إلى الضجيج كلامًا عابرًا.

كانت القراءة معلّمي الأول، وما تزال رفيقة المسار المعرفي الذي أسلكه. فكل كتاب أطلع عليه يمثل أفقًا يفضي إلى سؤال جديد، وفضولًا متجددًا للبحث والتأمل تمهيدًا لتحولات أعمق في الوعي والفهم. ومن رحم هذا التوق المستمر إلى الفهم تشكّلت صلتي بالكتابة. لهذا أتعامل مع الكتابة بوصفها امتدادًا حيًّا لتجربتي الإنسانية في تعقيدها وحضورها المتعدد بعيدًا عن الصور المسبقة والأحكام الجاهزة.

تحضرني دائمًا مقولة الروائي جنكيز أيتما توف": أصعب ما يواجهه الإنسان هو أن يظل إنسانًا كل يوم."  وأحسب أن هذه العبارة تلخص جانبًا كبيرًا من رحلتي. فما أسعى إليه، في الكتابة كما في الحياة، هو المحافظة على إنسانيتي وسط عالم تتكاثر فيه أسباب القسوة والاغتراب.

إذا اقتضى الأمر تقديم تعريف موجز بسعاد الراعي، فهي امرأة تنطلق من يقينٍ راسخ بأن المعرفة أمانة تفرض وعيًا ومسؤولية، وأن الأدب يحمل دورًا يتجاوز حدود التعبير الجمالي إلى أفق الرسالة الإنسانية. فالكتابة بالنسبة لي: مسار متواصل لاكتشاف الذات وتعميق فهم الإنسان، ومجال للمساهمة في بناء عالم أكثر وعيًا وإنصافًا وقدرة على الاحتفاء بالقيم الإنسانية.

***

س1: أ. مراد غريبي : في النصوص التي استعدتِ فيها مشهد الطفولة، تبدو الذاكرة وكأنها لم تُغادر مكانها الأول. ما الصورة التي لا تزال أكثر حضورًا فيكِ كلما عدتِ إلى تلك السنوات.

ج1: أ. سعاد الراعي: أؤمن بأن الطفولة تمثل العمق الأبعد في تكوين الإنسان، حيث تتشكل البدايات الأولى للمشاعر، وترتسم الخرائط الخفية التي تظل مؤثرة في وعينا ومساراتنا الداخلية حتى بعد أن نظن أننا تجاوزناها.

وبالتالي، فإن الذاكرة لا تستبقي كل تفاصيل التجربة التي نمر بها، وإنما تنتقي منها ما تمنحه مكانة خاصة، فتغدو تلك اللحظات مركزًا تتجمع حوله دلالات العمر، ومنه تُقرأ مسيرته وتُفهم تحوّلاته.

وإذا سُئلت عن الصورة التي لم تغادرني منذ طفولتي، فلن أتردد في استحضار ظهيرة من ظهيرات شباط، ما زالت تفاصيلها ماثلة في وجداني كأنها حدثت بالأمس. يومها وصل إلى بيتنا خبر اعتقال ابن عم والدَيّ، القائد الوطني حسين الرضي (سلام عادل). لم أكن سوى طفلة صغيرة، عاجزة عن فهم معنى الاعتقال أو أبعاده السياسية، لكنني كنت أرى الفاجعة في وجوه الكبار، وأشعر بأن شيئًا جللًا قد أصاب عالمي الذي أعرفه.1698 Salam adil

وسط ذلك الذهول، حملتني أمي بين ذراعيها في توتر من يحمل قربانًا نذريًا، ووسّدتني نحو القبلة، ثم أطلقت قَسَمها نذرًا ما زلت أسمعه في داخلي حتى اليوم: إذا نجا حسين من الإعدام، فستجعلني نذرًا له، والحاضرون شهودًا على قسمها.

لم أكن أفهم آنذاك معنى النذر، لكنني أدركت، بغريزة الطفل، أنني أصبحت جزءًا من مأساة أكبر مني. خوفي لم يكن نابعًا من الكلمات وحدها، انما من رؤية أمي، التي لم أعرفها إلا واحةً للطمأنينة، وقد غلبها الذعر حتى بدت لي امرأة أخرى، أنهكتها الفاجعة قبل أن تبلغ نهايتها.

لم تغادرني تلك الصورة فبعض الوقائع لا يبهتها مرور الزمن، فثمة مشاهد تظل حية لأنها لا تستقر في الذاكرة بوصفها أحداثًا جسامًا، وإنما تتحول إلى جزء من بنية الوجدان. ومع مرور السنوات، تبدلت قراءتي لذلك الموقف، فما كان يملؤني رعبًا وأنا طفلة، أصبح يملؤني اعتزازًا وأنا أعي قيمة الرجل الذي نذرت له، وأدرك مكانته في تاريخ العراق الحديث، وما مثله من نموذج نادر في النزاهة والإيمان بالمبدأ.

من رحم تلك الذكرى وُلد لاحقًا نص "قربان الأم... صرخة في وجه الموت"، الذي ضمه كتابي "الإنسان الذي سبق الثورة... الجوانب الإنسانية في سيرة سلام عادل". لم يكن ذلك الكتاب بما يضمه من نصوص توثيقًا لأحداث عائلية، بقدر ما كان وفاءً لصرخة أمٍ واجهت خوفها بالفداء، وتكريمًا لإنسانٍ واجه الموت بثبات، واعتزازًا بإرثٍ عائلي ما زلت أعدّه جزءًا من هويتي.

ظلّت تلك الصورة راسخة في أعماق ذاكرتي، إذ اقترنت، منذ لحظتها الأولى، باللقاء المبكر بين براءة الطفولة وأسئلة الوطن والفقد والتضحية، حتى غدت حضورًا دائمًا في تجربتي الكتابية، تستمد قيمتها من كونها إحدى الركائز التي أسهمت في تشكيل وعيي، والنبع الخفي الذي انبثقت منه كثير من نصوصي. وهكذا اكتسبت الذاكرة، عبر الكتابة، وظيفةً تتجاوز استحضار الماضي، فأضحت فعلًا يَصون المعنى من التبدد، ويهب التجربة امتدادًا جديدًا على بياض الورق.

***

س2: أ. مراد غريبي: حين تستدعين صورة الطفولة، هل ترينها مجرد استعادة لزمن مضى، أم بنية دلالية ما تزال تُعيد تشكيل وعيكِ؟ وما الرموز أو الإشارات التي تشعرين أنها تختزن طبقات أعمق من مجرد الذكرى؟

ج2: أ. سعاد الراعي: عندما أستدعي الطفولة، أعود إلى المنبع الذي أخذت منه الأشياء أسماءها الأولى ومعانيها الأولى، حيث تغدو الذاكرة فعلًا معرفيًا يتجاوز استحضار ما مضى إلى إعادة قراءة البدايات في ضوء الخبرة المتراكمة. وكل عودة إليها تضعني في حوار متجدد مع ما اختزنته النفس من تجارب، حتى تصبح الطفولة سؤالًا دائمًا عن الكيفية التي تشكّل بها الوعي، وعن الجذور التي ما تزال تمد الحاضر بأسبابه الخفية. ولذلك تحتفظ التفاصيل اليومية بقدرتها على البقاء، فتستقر في الوجدان كعلامات تختزن أكثر مما تُظهر، ويغدو الماضي حاضرًا في طرائق النظر إلى الإنسان والمكان والزمن، وتنبعث من التفاصيل الصغيرة منظومة القيم والمشاعر التي أسهمت في بناء شخصيتي.

كلما أسترجع بيتنا القديم، ينهض في داخلي ذلك المكان بما يحمله من إحساس عميق بالألفة. ما زالت رائحة النظافة التي كانت أمي تحرص عليها تعبق في فضائه، وما زال سطح الدار في أمسيات الصيف يحتفظ بسكونه العذب، عندما كنت أهيئ الفرش لاستقبال نسيم المساء. وما زالت الجرة الفخارية، تستحضر في ذاكرتي برودة الماء ورائحة الفخار، فأشتاق إلى تلك الجرعة التي كنت أرتشفها مباشرة منها، محتفظة بطعمها الأول الذي لم يتكرر. كما تعود إليَّ حكايات الليل التي كنت أقصها على إخوتي، فأستعيد معها دفء العائلة وروح المشاركة التي سكنت تفاصيل الحياة.

ويحضر أبي في تلك الذكريات بوصفه أحد منابع التكوين الثقافي والوجداني. كنت أنتظر عودته كل مساء، وبعد أن يخلد الجميع إلى النوم أجلس إليه، فنمضي في حديث يمتد إلى واجباتي المدرسية، ويقرأ عليَّ ما كتبه من جديد شعره الشعبي. وكانت أشد لحظات فرحي حين يهديني كتابًا أنهي قراءته، فأضمه إلى صدري وأستنشق رائحته. وما زلت، كلما اقتنيت كتابًا جديدًا، أبحث في رائحته عن ذلك الأثر الأول الذي ربط الكتاب بمحبة الأب، وجعل القراءة امتدادًا لعلاقة إنسانية عميقة.

أما تنور أمي في باحة الدار، فما زال يتقد في الذاكرة بما يحمله من دلالات تتجاوز إعداد الخبز. كانت رائحة الخشب تمتزج برائحة الأرغفة الخارجة لتوها، ويظل ثوبها محتفظًا ببقع العجين الشاهدة على تعب الأيام. كنت أتلقى الرغيف الساخن من يدها، ألفُّ به أعواد البقدونس وأوراق النعناع الطري، فتضحك وتداعبني بقولها: إنك بالفعل ابنة الراعي "في تورية على اسم عائلتنا: الراعي". وما تزال تلك اللحظات تستقر في داخلي تعبيرًا عن البساطة المقترنة بالكرامة، والمحبة التي تجلت في أبسط الأفعال اليومية.

لذلك غدت هذه الصور رموزًا تتجاوز حدودها المادية، فالبيت غدا مرادفًا للأمان، وامتزجت رائحة الخبز بالعطاء، فيما ظل الكتاب حاملاً لمعنى المحبة والمعرفة معًا، والأيدي التي احتضنت البدايات أصبحت مرجعًا أخلاقيًا أعود إليه كلما اتسعت تجربتي في الحياة. ومع تعاقب السنين تواصل هذه الرموز إنضاج قراءتي للوجود، إذ تكتسب دلالات جديدة من غير أن تفقد جوهرها الأول، فتغدو الكتابة الفضاء الذي تلتقي فيه الذاكرة بالتأمل، ويتحول فيه الخاص إلى معنى يشارك الآخرين أسئلتهم ومشاعرهم.2066 soad

س3: أ. مراد غريبي: طيب أستاذة سعاد، للأم حضورٌ لافت في كتاباتكِ، حضورٌ يتجاوز الشخصية إلى المعنى. كيف تصفين أثرها في تكوينكِ الإنساني والكتابي؟

ج3: أ. سعاد الراعي: أظن أن توصيفك يلامس حقيقة حضور الأم في كتاباتي، فقد غدت الإطار الوجداني الذي تتشكل في ضوئه رؤيتي للإنسان والحياة. ويستقر حضورها بوصفها المرجع الذي أحتكم إليه في استكناه صدق الشخصية وتقويم المواقف والنفاذ إلى دلالات الأحداث. فهي البوابة الأولى التي يطل منها الإنسان على العالم، وفي رحابها تتكون خبراته الأولى بالأمان والثقة، وتبقى فاعلة في تشكيل بنيته النفسية والفكرية وطريقته في فهم الحياة وقراءة الناس.

امتد أثر أمي عميقًا في حياتي الوجدانية والتكوينية، فأورثتني إحساسًا مبكرًا بالمسؤولية، واستقلالية القرار، والصبر على الشدائد، والإيمان بأن الكرامة تُبنى بالمواقف والأفعال. وانتقلت إليّ بعض حدّة انفعالها، وما أزال أروضها بالحكمة والتأمل حتى تبلغ الاتزان. وقد بقيت صورتها في وجداني إنسانةً تجمع بين القوة والهشاشة، والحنان والحزم، فغدا حضورها شاهدًا على عمق التجربة الإنسانية وصدق الأثر الذي تركته في نفسي ورسّخ قيم الكرامة والاستقلال والثبات داخلي. فهي، فوق ذلك كله، ذاكرة حية تختزل معنى الوفاء.

ولعل هذا يفسر حضورها المتواصل في كتاباتي، فقد كانت البذرة الأولى لشغفي بالكتابة، ثم تحول أثرها مع الزمن إلى معين خفي تستمد منه شخصياتي النسائية ملامحها الإنسانية. تفرقت خصالها بين تلك الشخصيات في صور متعددة، فتظهر رحمتها في إحداهن، وشجاعتها في أخرى، وصلابتها في ثالثة، وصبرها وتضحياتها في رابعة، حتى امتد حضورها في النصوص بروحها وقيمها، أكثر من حضور ملامحها وسيرتها.2292 soad alraei

ولهذا يمكن للقارئ أن يلمح شيئًا منها في شخصية الممرضة إيفا في رواية "الحرز" بما تمثله من عطاء إنساني وتفانٍ في رعاية الآخرين، وأن يجد صدىً لشجاعتها في شخصية الخبازة جدعة في "الخنافس"، كما يلمس روحها المتمردة والساعية إلى الحرية في شخصية الفتاة عفراء في "خلع الخاتم". هذه الشخصيات وغيرها في نصوصي ليست صورًا لأمي، وإنما امتدادات لبعض القيم التي جسدتها في حياتها، وأصبحت جزءًا من رؤيتي للمرأة والإنسان.

سعيت في كتاباتي عنها إلى تقديمها كما استقرت في ذاكرتي ووعيي، بعيدًا عن الصورة النمطية للأم في الأدب، لتظهر بإنسانيتها الكاملة بما تحمله من قسوة ولين، وقوة وضعف، وفرح وانكسار، وشجاعة وتردد. فقد منحها هذا التكوين المركب عمقًا حقيقيًا وصدقًا يلامس الحياة. وأستطيع القول إن أمي كانت أحد جذور تجربتي الإنسانية والأدبية، إذ تحول أثرها مع الزمن إلى جزء من رؤيتي للعالم والإنسان والأدب، وغدا حضورها معنىً ممتدًا وروحًا خفية تسري في كتاباتي، حتى عندما لا يرد اسمها صراحة.3017 soad alraei

س4: أ. مراد غريبي: اسمحي لي أن أظل مع حضور الأم داخل نصوصكِ، ما الدلالات التي تحملها في تشكيل عالمكِ الكتابي؟

ج4: أ. سعاد الراعي: حين أتأمل أثر أمي في نصوصي، يتكشف لي أن حضورها تجاوز حدود الشخصية بمعناها السردي المحدود، صورة ذات مغزى تتوزع وظائفها على مستويات متعددة في عالمي الكتابي، وتتجلى في أبعاد متكاملة يُفضي بعضها إلى بعض.

فأول هذه الأبعاد يكمن في كونها مرجعًا معياريًا أحتكم إليه كلما احتجت إلى تمحيص صدق شخصية أو تقويم موقف إنساني، إذ يسبق حضورها فعل الكتابة نفسه، وأحيانًا يرافقها، فتغدو الأداة التي أميّز بها بين الصادق والمصطنع في كل شخصية أصوغها.

ويتجلى الوجه الثاني في كونها مصدرًا توليديًا تتفرع منه شخصيات متعددة، حيث انتقلت إليّ خصالها مبعثرة بين شخصيات متفرقة، تتفرع منها شخصيات نسائية في رواياتي، كما سبق واشرت. وهذا يكشف عن معنى قيمي تسري به روحها في نصوصي أكثر مما تتكرر به ملامحها، فتغدو جذرًا تتفرع منه صور شتى.

أما الملمح الثالث فيتصل بموقف نقدي واعٍ تجاه الصورة النمطية التي دأب الأدب على إسباغها على شخصية الأم بشكل عام، وهذا ما سبق أن أشرت إليه في نقدي للصورة المتوارثة للأمومة.

ويتعمق البعد الرابع في أن حضورها يبقى فاعلًا حتى عند غيابها عن النص بالاسم، فقد انتقلت من كونها موضوعًا محتملًا للكتابة إلى كونها شرطًا كامنًا في طريقة رؤيتي للعالم والإنسان والأدب، فتجاوزت حدود الشخصية الروائية لتستحيل عندي معنى دائمًا وروحًا خفية، يُقاس حضورها بعمق تشرّب النص كله لمنطقها القيمي أكثر من قياسه بتواتر ذكرها فيه.

وأخيرًا، تتجلى الدلالة الخامسة في التحام الأثر الإنساني بالأثر الكتابي التحامًا لا ينفصم، وهو ذاته ما تسرّب في نظرتي إلى شخصياتي ومواقفها والتي يرى فيها النقاد شخصية المرأة القوية.

يمكنني ان أقول انها غدت مفهومًا كامنًا يُقاس بامتصاص النص لمنطقها القيمي لا بتواتر اسمها.

يأتي

***

حاورها عن صحيفة المثقف

 الأستاذ: مراد غريبي

3/8/2026

 

في المثقف اليوم