عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

حوارات عامة

عبد الله متقي يحاور الشاعر المغربي عماد بوعزيزي

ديواني صرخة داخلية تنبش في أحشائي

عماد بوعزيزي: شاعر مغربي، يكتب كي ينشر التحاب وكل قيم الجمال، ينتشي حينا بالحزن، وحينا آخر بالفرح، يكتب للمرأة والحب والوطن.. على هامش احتفاء جمعية ناقوس للثقافة والتراث والفن بمدينة تطوان بديوانه “ سمان الليل” كان لنا معه هذا الحوار:

س: ما معنى أن تكون شاعرا والقارئ تبتلعه مباريات البارسا والريال، أو الفايس كل الوقت؟

ج: الكلمات الصادقة والأشياء الجميلة تمور في حضرة الثقافة، وفي دوامة صراعها مع البقاء، وتتناسل صور إثبات الذات وأشكال المقاومة للتردي، وتشيع لغة الابتذال، ويتسيد الغزو الثقافي المشهد بكل تمثلاته، وتنتشر أسباب الاستلاب الهوياتي بمختلف مظاهره، وتجد الفنون الأصيلة نفسها في عزلة فرضتها لغة اللهو التي استأسدتي الوقت الذي تتصارع فيه، الأسئلة الوجودية، وتمور مورا في دوامة صراعها مع البقاء، وتتناسل صور إثبات الذات وأشكال المقاومة للتردي، وتشيع لغة الابتذال، ويتسيد الغزو الثقافي المشهد بكل تمثلاته، وتنتشر أسباب الاستلاب الهوياتي بمختلف مظاهره، وتجد الفنون الأصيلة نفسها في عزلة فرضتها لغة اللهو التي استأسدت مورا في دوامة صراعها مع البقاء، وتتناسل صور إثبات الذات وأشكال المقاومة للتردي، وتشيع لغة الابتذال، ويتسيد الغزو الثقافي المشهد بكل تمثلاته، وتنتشر أسباب الاستلاب الهوياتي بمختلف مظاهره، وتجد الفنون الأصيلة نفسها في عزلة فرضتها لغة اللهو التي استأسدت وأضحت لسان كل حال، وحديث كل شأن، حتى بات فن الشعر غريبا، وأضحى الشاعر يحمل على كتفه مهمة ثقيلة، ومسؤولية جسيمة، تسائله في وجوده وحضوره، وتدعوه أن يعيد رسم خارطة معنى أن تكون شاعرا.

بالنسبة لي، أن أكون شاعرا سيدي، أن أكون مقاوما لذاتي اولا من تردي الواقع، وأكون حصنا بمبادئي، من الانجراف نحو ذلك التيار الذي يهوي بكل الانشغالات خارج اهتماماتك واولوياتك التي نشأت في أحضانها.

أن تكون شاعرا، أن تكون حاملا لرسالة كبرى، في إشاعة الجمال، ونشر قيم الرقي والحب بين الناس.

أن تكون شاعرا، معناه أن تقاوم كل ما يبدد أسباب وجودك، ويقيم حارسا على أفكارك ومبادئك، وان تقيم صرحا بمشاعر الحرية، مناضلا عن قيمتها.

أن تكون شاعرا، أن تبقي على الإنساني فيك، وتكون للٱخرين عند ابتعادهم، قريبا منهم، قصائدك هي جزء من همومهم، تحمل في طياتها أسماءهم ووهوياتهم.

س: الإصدار الأول، شبيه بالمولود الأول، وكلا الولادتين واحدة، فرح وبهجة، فهلا قربتنا من بهجتك وأنت تتسلم النسخة الأولى من ديوانك الأول (سمان الليل) من الناشر؟

ج: إصدار هذا الديوان وولادته، عرف مخاضا عسيرا، قبل أن يرى النور، لذلك كان تلقيه بالنسبة لي وهو على هيئته تلك، شكل لي صدمة في بادئ الأمر، لعدة أسباب تتعلق بظروف النشر والرقن، - لأنه تزامن مع جائحة كورونا- ورغم ذلك كان مجرد إصداره قد شكل لي، حدثا وتحولا في مساري الشعري.

كيف ذاك؟ ربما، الإجابة عن هذا التساؤل، هو في حد ذاته جواب مضمر، لأن المنجز الشعري الأول، باكورة العمل - كما تحب- هي بالنسبة للشاعر تحمل عليه، مسؤولية العبور إلى الضفة الأخرى، أو بتعبير ٱخر، يصبح أكثر حرصا في اختياراته للقصائد التي سينقلها للقارئ، وأكثر دقة في رسالته، وكتابته ونظمه، التي سيستقبلها بلا شك متلق متذوق، وحامل لمرجعيات أدبية وثقافية مختلفة.

لهذا الأمر، فالتأني والتردد مطلوب في هذه المرحلة، حتى ينضج العمل ويأخذ وقته من التأمل والاجتهاد والإخراج.

س: ما سبب اختيارك للسمان والليل عنوانا، وجملة اسمية علقتها في سقف هذه المدونة الشعرية؟

ج: إذا تأملت معي نصوص الديوان، فستألفها قصائد للحب وللمرأة وللوطن، تناثرت تيماتها من ذاكرتي بهذا الشكل، ولم أختر ما أكتبه من شعر، بل هو من سقط الأحاسيس التي توقظ مشاعري، وانتشائي بالحزن والأسى والفرح أحيانا،

وهي عناوين كبرى، تجد في طائر السمان والليل حضنا لها، ورمزا تلتئم فيه إعصاراتها، وتهدأ قرب هذا السمان الذي كنت ألازمه ليلا في منفاي.

واختياري للسمان ولليل، نابع من تجربة مرت معي، وأحببت أن تتقاسمها جميع القصائد والومضات التي حواها الديوان. السمان بالنسبة لي هو النهار /الأمل الذي ابحث عنه، والنور الذي قد يتلألأ في جوف وعتمة ليل غربة كنت أكابدها، وأبحث عن منجا لعزلتي وغربتي، بعد أن بارحت موطني كهذا الطائر. وهذا الطائر هو من الطيور المهاجرة، التي تريد البحث عن وطن آمن لها يؤمن لها حريتها، ويمنح لها الكرامة والطمأنينة في عيشها. وهذا إحساس مجرب لدي عشته اضطراريا خلال فترة أثناء مزاولتي للعمل في البادية وعند قمم الجبال. إحساس بالاغتراب والعزلة وهجرة الأحباب والحبيبة، بعيدا من أجل لقمة العيش، والليل أعتبره أكثر الأوقات دلالة على الحزن، وأنسبها ميلا للإنسان للتعبير عن المرارة والوجع... السمان والليل، وجع صرخة للحب وللوطن.. يعج تجارب حياتية شخصية ومواقف إنسانية قد يتقاسم معي مرارتها أناس كثيرون طالما أننا نحتسي من نفس الكاس التي تروى كل نفس تعيش الحياة وتقاسي التجارب وتكابر الواقع. وتحاول معاندة الأقدار الحزينة. طبعا، نحن نؤمن بالقدر ولا نجاريه بل نحاول تغييره ونناضل من أجل كرامة العيش وننعم بالحرية في كل شيء. وهو حلم كل إنسان على وجه هذه الأرض دون اعتبار لجنسية أو دين.، أو انتماء...  أتمنى صديقي، أن أكون قد اقتربت من وصف عتبة الديوان.

س: تحضر المرأة في أكثر من قصيدة، فهل هي امرأة حقيقية؟ إم لا تعدو أن تكون امرأة شعرية ومتخيلة؟

ج: أصدقك القول سيدي، إنها امرأة شعرية متخيلة، إنها المرأة التي أجد فيها ذاتي، وأحمل معها أحلامي وأفكاري، وأتصورها شبيهة لروحي، لا أبتغي غيرها بديلا، مهما تقدمت في السن، أو ظللت وحيدا في حياتي، أحبها امرأة مناضلة على كل الجبهات، رفيقة وحبيبة. وليس معنى هذا أنني أريدها امرأة مثالية، فمدينة افلاطون الفاضلة والمثالية لا وجود لها في عالم الواقع، فذاك عالم المثل.

أريدها، كما تريدني، وسوف أفتش عنها بين دروب الزمن- كما قلت في إحدى قصائد ديواني سمان الليل- وستفتش هي الأخرى عني، وقد نلتقي وقد لا نلتقي.

س: ما رأيك إن قلت لها إنها امرأة حقيقية، إنها (دونا) التي حرفت اسمها؟

ج: ٱه، يا صديقي، انت تشاغب ذكرياتي، وتحفر في ذاتي حفرا عميقا، وتبحث في اسرار هذه المرأة الشعرية عندي، وهي دونا، الحقيقية عندك في مرٱة شعري.

دونا، حاضرة في هذا الديوان، وستكون حاضرة في أعمال مقبلة - إن شاء الله- وهي كانت حاضرة وموجودة، بل قد ولدت قبل وجودي، لغز كما ترى أليس كذلك؟!

دونا، قصة طويلة قد اختصرها لك في كلمات قليلة، انظر معي: الوالدة ـ يحفظه الله- وقد كانت صغيرة، كانت كمثيلاتها من بنات جيلها - المحظوظات طبعا منهن- بعد أن يفرغن من الدراسة، يتوجهن إلى بعض دور ما يسمى بالمعلمات، لتلقي تعليم الطرز وغيره، وقد كانت "مْعَلْمة" أمي تدعى دونا، وهي يهودية الديانة، وقد كانت بارعة في صناعتها، بشهادة الجميع.

وهكذا، ولدت دونا، في مخيلتي، ونقش اسمها في قلبي وذاكرتي، كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟

فارتضيتها، حبيبة، وارتضيتها رمزا حاضرا في ذهني وشعري وحياتي. فهي كما ترى امرأة شعرية متخيلة، وامرأة حقيقية، وكفى.!

س: الرحيل، الغياب، الحنين، الخيبة... ما حكاية هذا القاموس الجارح؟

ج: ديواني المتواضع، أعتبره صرخة داخلية، تنبش في أحشائي، كل إعصار مؤرق، وتسعر كل إحساس يجيش فيَ بوحا وانتفاضا ضد كل ما تعتصره مشاعري ودواخلي، وما تحمله ذاتي وذاكرتي من ومضات تشوبها جروحا ومواقفا،

ديوان للمرأة وللوطن، وهما دلالاتان لا تنفصلان ولا تتناقضان، بل في فهمي البسيط تتكاملان وتتحدان. لأنه متى يذكر الوطن، ارتبط ذكره بالحب/ المرأة، والمرأة هي الوطن.

ومتى تحدثنا عن الحب نبحث عن القلب/ المكان/ الوطن، فإن لكل محب موطنا ومكانا يرتبط به. وفي موروثنا الشعري الجاهلي قصائد عدة تحفل بذكر الديار. دلالة على الأمكنة، واعتبرها دلالة على الأوطان، وكل رموز للحب.. إذا لاحظت معي تلك القصائد، ستلحظ كيف أن الشعراء لا يمكن لهم أن يتحدثوا عن الحبيب وعن الحب دون أن تذكر الأوطان ويستحضرون الغياب، والغربة، والحنين، والأمانة الشاهدة على هذا الحب، وقد أنشد الشاعر الجاهلي امرؤ القيس في هذا الصدد، في بيت من معلقته المشهورة، وهو يقدم للحديث عن حبيبته:

قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل

يسقط اللوى بين الدخول فحومل

وذكر الغياب والحنين والخيبة هي مرارات الشاعر، وديدنه في الإفصاح عن أحاسيسه، التي يحملها شعره غالبا، ولن أبالغ إذا قلت أنه قلّ أن تجد شعرا لم يتضمن هذه التيمات، ربما كل شاعر قد يغلب على شعره تيمة دون أخرى، ولكني أستاذي عبد الله، أميل من بداياتي في اختياراتي الفنية والأدبية إلى كل ما هو حزين، وهذه قصة أخرى لي سواء مع تدرجي منذ صباي في درس الموسيقا، حيث كنت أهوى كل أغاني اللحن الحزين، أي الموسيقار فريد الأطرش، والشعر بعده وجدتني أكتب الحزن والجراج وكل الخيبات.

والحزن هو شعور إنساني يمنحنا إنسانيتنا ويثبتها، وشاعرنا الكبير نزار قباني جعل الحزن هو الإنسان، وقد أنشد في إحدى قصائده المغناة: لم أعرف أبداً أن الدمع هو الإنسان،

أن الإنسان بلا حزنٍ ذكرى إنسان".

أتعتقد ان غير دونا هو سبب حزني، والجرح العميق الذي يملأ جوارحي بعد هذا الذي ذكرته لك؟!

أربع سنوات والقارئ ينتظر (كتاب لظى الحروف) ورواية (دونا) والكتاب النقدي في الإبداع .

وعليه، ما مصير هذا الذي أعلنت عنه خلف الدفة الثانية من غلاف ديوانك (سمان الليل)؟

قد ذكرت لك عند بداية حديثنا، أنني عند ما تلقيت خبر ولادة السمان والليل، بذاك المخاض العسير، بدأت أتردد في الإقبال على النشر، لعدة أسباب من أهمها: التريث في إخراج العمل، فلا أتسرع في ذلك إلا إذا كان يليق مضمونا وشكلا، أحترم فيه ذوق المتلقي أولا، ثم العمل على تجويد المنجز الإبداعي أو النقدي، وإخراجه في حلة تكون إضافة المكتبة العربية.

سبب ٱخر، يرجع إلى التزامات علمية، وانشغالات أخرى، وأعد القارئ بقرب انتهائي من طبع ونشر الديوان الثاني، وعمل شعري ٱخر قريبا.

أما رواية دونا، فهي تعيش مخاضا، بعد أن رغبت في ترك الوقت الكافي لإخراجها، أما الكتب النقدية فهناك مشروعان جاهزان، لا ينتظر ان سوى مراجعات وتحقيقات وتدقيق علمي.

س: بم يتهم عماد بو عزيزي؛ عماد بو عزيزي؟

ج: سؤال مشاغب جدا، ولا يصدر إلا عن ناقد جهبذ مثلك، بكل اختصار عماد بوعزيزي، يتهم عماد بوعزيزي عند محكمة الحياة، أنه مقصر من ناحيته، أعطى الحيز المهم من عمره لأشياء وأشياء، نسي عماد بوعزيزي، نسي ذاته، حتى تاهت عنه دونا، وضاع من عمره ليس قليلا.

ربما لأنه قد نسي، وربما لأنه لم يك محظوظا، وربما قد يكون قد ظلمته وخانته الكلمات.

س: أمامك مجموعة من الكلمات، أجبني بكلمة

الحب: مستحيل

البحر: حلم

الحرب: مأساة

الحبر: نضال

***

حاوره: عبد الله المتقي

في المثقف اليوم