عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اخترنا لكم

مطالبة سيد قطب بألا تدرّس الفلسفة الإسلامية في كلية أصول الدين بـ«الأزهر»، وبمنع تدريس الفلسفة الغربية في المدارس الثانوية المصرية، وبألا تدرّس الفلسفة الغربية في قسم الفلسفة بالجامعة المصرية إلا بعد السنتين الأوليين على أقل تقدير، هي شاهد من شواهد كثيرة، تبين «أصالة» التطرف الديني عنده في أول كتاب إسلامي ألّفه، وهو كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» في طبعته الأولى، وذلك قبل أن يقرأ في كتب أبي الأعلى المودودي، وفي كتب أبي الحسن الندوي التي اقترض منها أفكاراً بإفراط، وإن كان يقدح قليلاً في تلك «الأصالة» أنه قطم شيئاً منها من كتاب «الإسلام على مفترق الطرق» لمحمد أسد، ومن كتاب «الإسلام والنظام العالمي الجديد» لمولانا محمد علي.

وفي حلبة السباق في التنظير للأصولية الإسلامية في العالم العربي، عليَّ أن أبرز فكرة سبق بها سيد قطب الإسلاميين العرب. ولأسبقيته في هذه الفكرة ولأسبقيات «أصولية» أخرى عليهم، يسوغ لنا أن نسميهم «ذُرية سيد قطب».

الفكرة هي أن سيد قطب قبل أن يجهر في كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام» في طبعته الأولى، بتلك المطالبة، تحدث عن ضرورة تكوين عقلية مشبعة بالفكرة الإسلامية، فقال: «يجب أن نكوّن فكرة إسلامية في نفوس الأفراد والمجتمعات، بجانب التشريع الإسلامي الذي ينظم الحياة. والثقافة هي الوسيلة الطبيعية لتكوين تلك الفكرة».

هذه الفكرة يسميها تارة الفكرة الكلية للإسلام عن الكون والحياة والإنسان. وقد عاب على «الأزهر» أنه لم يبحث عنها، ولم يعرضها عرضاً كاملاً قوياً بلغة العصر وأسلوبه، موازناً بينها وبين المذاهب الفلسفية الأخرى.

السوري «الإخواني» محمد المبارك، كان قد قرأ «العدالة الاجتماعية في الإسلام» في طبعته الأولى، وقرأ بعده مقالة لأبي الحسن الندوي، نشرها في كتيب صغير عام 1950، كان عنوانه «كيف توجه المعارف في الأقطار الإسلامية». هذه المقالة ليست ككلام سيد قطب العمومي؛ بل تضمنت برنامجاً موجزاً لما تمخضت عنه تلك المادة التدريسية المسماة «الثقافة الإسلامية» في أحد وجوهها.

يقول محمد المبارك -ابن التعليم المدني بدمشق وباريس- عن تاريخ إدخال مادة «الثقافة الإسلامية» في الدراسات الجامعية: «حين أنشئت في جامعة دمشق (الجامعة السورية يومئذ) كلية الشريعة سنة 1954، وكنت أحد أعضاء اللجنة التي وضعت خطة المناهج، اقترحت إدخال هذه المادة في منهج السنة الأولى، لتعطي الطالب منذ البداية الصورة الشاملة للإسلام، قبل أن يدخل في التفصيلات الجزئية لكل مادة من المواد التي تستوعب كل واحدة منها جانباً من جوانب الإسلام، وقبلت اللجنة هذا الاقتراح وأقرَّته، وأخذت منذ ذلك الحين أدرّس هذه المادة فيها».

مما قاله المبارك نستخلص أنه هو أول من نفّذ الفكرة التي دعا سيد قطب إليها بعمومية؛ لكنَّه نَفَّذها في سوريا وليس في مصر. وأنه أول من طبّق برنامج الندوي التعليمي التربوي في بلد عربي. وأن أول جامعة عربية درّست تلك المادة كانت الجامعة السورية -كما كانت تسمى قديماً- وأنه هو أول من درّسها.

العجيب أنه هو الذي سيكون المستدرك على «الأزهر» ما عابه سيد قطب عليه من أنه لم ينهض برسالة «الفكرة الكلية للإسلام»، أو بتعبير آخر: تدريس مادة «الثقافة الإسلامية» في كلياته ومعاهده.

استدركه في فترة حكم من؟ استدركه –وهنا المفارقة والمفاجأة– في فترة حكم جمال عبد الناصر، وكان سيد قطب وقتها لا يزال يقضي مدة الحكم عليه بالسجن.

محمد المبارك في دولة الوحدة بين مصر وسوريا، كان من ضمن المساهمين في كتابة القانون الخاص بتطوير «الأزهر» عام 1961، فأدخل تدريس مادة «الثقافة الإسلامية» في جميع كليات «الأزهر». وأدخل تدريس هذه المادة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وفي كلية الشريعة بمكة المكرمة، وفي جامعة أم درمان الإسلامية. كما أن له دوراً في إدخال تدريسها في جامعة الملك سعود حين كانت تسمى جامعة الرياض.

وثمة تفصيل صغير يجب ذكره في تاريخ تدريس مادة «الثقافة الإسلامية» في هذه الجامعة، وهو قبل أن تدرس فيها هذه المادة –حسب منظور «الإخوان المسلمين» ومنظور «الجماعة الإسلامية» الهندية الباكستانية– عام 1964. هذا التفصيل هو أنه كانت تدرّس مادة تقوم مقامها اسمها «سماحة الإسلام»، يلقي محاضرات فيها أحمد محمد الحوفي، وهو من أساتذة كلية الآداب القدامى في تلك الجامعة. و«سماحة الإسلام» هو عنوان كتاب أصدره عام 1958.

لكن لأن الحوفي ليس «إخوانياً»، ولا هو متأثر بفكرهم، وكتابه «سماحة الإسلام» يقدم الثقافة الإسلامية من منظور إسلامي– ليبرالي، رأى «الإخوان المسلمون» –خصوصاً في سوريا من الذين كان لهم شأن سياسي في بلادهم– أن يدرِّس هذه المادة أستاذ من عشيرتهم الإخوانية، وبمنظورهم نفسه للثقافة الإسلامية. هذا الأستاذ الذي اختاروه ليدرّس هذه المادة كان عبد الكريم عثمان، وهو سوري إخواني. عبد الكريم عثمان هذا توفي في سن الـ43 عام 1972، في أثناء قضائه إجازته الصيفية في بيروت. وكان ممنوعاً عليه دخول بلاده من منتصف الستينات الميلادية.

نعلم من محمد المبارك أنهم اختلفوا في تسمية هذه المادة التدريسية، ما بين من اختار لها اسم «الحضارة الإسلامية» ومن اختار لها اسم «النظم الإسلامية». ونعلم منه أنه هو من اختار لها اسم «نظام الإسلام».

سيد قطب –كما رأينا– لم يطلق اسماً مختصراً على ما نادى به، مع أن الاسم الدقيق لما نادى به هو «فلسفة الإسلام»؛ لكن لِحسِّه المعادي لـ«الفلسفة الإسلامية» ولـ«فلاسفة الإسلام» أصيب بحالة «أرتكاريا» إزاء استعمال كلمة «فلسفة» لما ينادي به.

ومحمد المبارك لم يذكر في جدلهم حول التسمية، أن ما اختلفوا حول اسمه له اسم راسخ هو «الثقافة الإسلامية»، وهو الاسم الشائع في المنتصف الأول من القرن الماضي في العالم العربي وفي العالم الإسلامي، ربما لأنهم تحفظوا على استعماله، وأراد ألا يعلمنا بذلك. وقد يكون سبب التحفظ علمهم بأن الذين سكّوه وسكّوا اسماً آخر رديفاً له هو «الدراسات الإسلامية»، هم جمهرة من المستشرقين.

الاسم الذي اقترحه محمد المبارك «نظام الإسلام» استُخدم قليلاً وعلى نطاق ضيق. واستُخدم كثيراً وعلى نطاق واسع في الجامعات العربية اسم «ثقافة إسلامية» واسم «دراسات إسلامية». وللحديث بقية.

***

علي العميم

....................

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الأحد - 17 ربيع الثاني 1446 هـ - 20 أكتوبر 2024 م

 

مناقشة حول المؤسسة الدينية

لم تنشأ في الإسلام هيئة منظمة من رجال الدين، ذات بنية إدارية مستقلة، وصلاحيات سلطوية مدعمة بالنصوص، على غرار الكنيسة الكاثوليكية. فهل يعني ذلك أن تاريخ الإسلام لم يعرف فكرة “الكهنوت”. أم أن هذه الفكرة، التي تضرب بجذورها في التاريخ العام للتدين، فرضت نفسها داخل السياق الإسلامي في صيغة مغايرة للصيغتين اليهودية والمسيحية؟

إسلاميًّا، لا تتضمن النصوص أي تكليف بإنشاء مؤسسة تمارس الوظائف التاريخية للكهنوت: التواصل مع الإله والتعبير عن إرادته/ خدمة الطقوس والشعائر/ تمثيل الديانة وحراسه اللاهوت.

1- في مرحلة التأسيس الأولى، ظلت هذه الوظائف حكرًا على النبي الذي يختص دون غيره بنقل الوحي، وإملاء التكاليف، والدفاع عن كيان الديانة الناشئة. في هذا السياق المبكر لم تكن “الدولة” قد تبلورت كجهاز سلطة منظم، ولم يكن “الفقه” قد تشكل كقوة نظرية موازية من خلال طبقة الفقهاء التي ستظهر لاحقًا في أواخر عصر التدوين.

2- مع تبلورها الصريح وظهور طابعها الديني (في العصر العباسي)، ستفرض الدولة نفسها -بإسناد فقهي- كحارسه للدين وستسند إلى الفقهاء مهمة القضاء والفتوى وخدمة الطقوس.

3- بامتداد عصر التدوين، الذي استغرق القرون الثلاثة الأولى، كانت جماعة الفقهاء تتشكل طبقة متميزة بالمعنى الثقافي الاجتماعي، وأمكن لها القيام ببعض الأدوار السياسية، وبشكل تدريجي ظل نفوذ هذه الطبقة يتصاعد مع تفاقم حركة التدوين من ناحية، وتراجع قوة الدولة المركزية من ناحية ثانية. وبالنتيجة تطورت إلى مؤسسة معنوية تحتكر تفسير النص، والتحدث باسم الديانة وتحل محل الدولة “المتراجعة” في حراسة اللاهوت. أي صارت تتوفر على سلطة نظرية واسعة على الجمهور في ظل الثقافة الاجتماعية السائدة الخاضعة كليًا لهيمنة الدين.

4- بسقوط النظام التقليدي للدولة الإسلامية (المركزية) وظهور نموذج الدولة الوطنية الحديثة، ستعود الدولة رغم توجهها العلماني إلى تقمص دور حراسة الدين في إطار عصري. كان على الدولة الوطنية الناشئة حديثًا في القرن التاسع عشر تأميم هذه السلطة النظرية التي يتوفر عليها الفقه، وتوظيفها سياسيًّا لاحتواء الفقهاء داخل جهازها الحكومي. ومنذ هذه اللحظة ستكتسب الطبقة الفقهية ربما للمرة الأولى في السياق السني خصائص بيروقراطية ذات طابع مؤسسي.

مع ذلك، وبسبب طبيعة التكوين، لم تندمج الطبقات الفقهية كليًّا داخل البنية المدنية للدولة، وظلت هناك مسافة موضوعية فاصلة بينهما، تضيق أو تتسع وفقًا لقوة الدولة، ودرجة وعيها بدورها المدني التجديدي. وفي هذا السياق كانت “المؤسسة” الفقهية تكشف من وقت لآخر عن نزوعات سلفية لا تتطابق مع الأهداف العلمانية للدولة، وتعبر حيالها عن مواقف استقلالية خصوصًا بعد تصاعد المد الأصولي، وتراجع زخم الحالة المدنية.

5- هذا على المستوى العام السني، أما شيعيًّا، فيلزم التنبه إلى فارق نسبي طفيف، إذ كانت الطبقة الفقهية الشيعية قد توفرت على هذه الخصائص البيروقراطية في وقت أسبق؛ ولأسباب مختلفة أشير الى الظروف السياسية والثقافية التي لابست نشوء وتطور التشيع من مواقع المعارضة: فكرة “الإمامة” التي انتهت سياسيًّا إلى طريق مسدود، أفضت إلى فكرة “الغيبة الكبرى”، ومن ثم إلى فكرة النيابة المنظمة عن الإمام الغائب، من خلال الفقهاء، التي تم تأسيسها على نصوص منسوبة إلى الأئمه وإلى النبي، ما أسفر عن تراكم سلطات تنظيمية وإرشادية مدعمة اقتصاديًّا بموارد تمويل شرعية دائمة يوفرها “الخمس”.

-2-

فيما يلي سيدور النقاش على محورين:

١- الأصول التاريخية للكهنوت، كيف نقرأ التمايز الإسلامي في هذه المسألة بالقياس إلى اليهودية والمسيحيه رغم اشتراكه معهما في خط التدين الإبراهيمي الكتابي.

2- السياق المعاصر: كيف نقرأ السلطة التي تتوفر عليها الطبقة الفقهية في الواقع الإسلامي الراهن؟

سينصب النقاش على نموذجين رئيسيين؛ النموذج المصري الذي تمثله مؤسسة الأزهر، والنموذج السعودي الذي تمثله المؤسسة الوهابية. إلى أي مدى تتوفر كل منهما على خصائص “المؤسسة الدينية” بالمعنى الضيق؟ كيف تشتغل كل منهما كسلطة قابضة في مواجهة المجتمع والدولة؟ كيف تكشف هذه المواجهة عن “إشكاليات” ثقافية وقانونية معقدة في ظل المستوى الراهن للتطور الاقتصادي والاجتماعي؟ أو إلى أي مدى صارت هذه المؤسسة تشير إلى طبقة طفيلية زائدة على حاجات ومشاغل المجتمع الحديث؟ وإلى أي مدى تمثل عبئًا على كاهل الدولة ذات الدستور المدني الصريح، كما في النموذج المصري، أو ذات الطموحات التجديدية كما في النموذج السعودي.

-3-

الأصول التاريخية

يرجع ظهور الكهنة إلى وقت مبكر من تاريخ التدين المعروف، وفي القدر المتيقن كان الكهنوت قد تحول إلى مؤسسة ذات خصائص سلطوية في جميع الأنساق الدينية في الشرق الأدنى وحول المتوسط قبل بدء التجربة العبرية. (في مصر على سبيل المثال؛ نقرأ عن حضور ثابت للكهنوت عند بداية عصر الأسرات 315 ق. م. وعن قوة نفوذ الكهنة في المملكة القديمة 2613 ق. م. وتصاعد هذا النفوذ فيما يعرف بعصر الكهنة من القرن السادس عشر وحتى القرن الرابع عشر ق. م).

في هذه الأنساق ظل الطابع الطقوسي يهيمن على بنية الديانة رغم تبلور اللاهوت النظري. وظلت خدمة المعبد تمثل الوظيفة الأولية للكهنة، إضافة إلى دور التواصل مع الإله، والوساطة بينه وبين الناس، وبينه وبين الملك، فضلاً عن تمثيل الديانة والترويج للاهوتها الخاص ارتبطت فكرة الدين بحضور الكهنوت وبسلطة الملك، وبوجه عام ظلت المؤسسة الدينية قريبة من الدولة، وتداخلت معها لتحقيق مصالح متبادلة، الأمر الذي أسهم في تكريس الطابع “الجماعي” للدين وربطه بالوعي العام كسلطة فوقية ملزمة. ورغم أنها حافظت على نوع من الاستقلال حيال الدولة ولعبت بعض الأدوار السياسية بقيت تشتغل في الغالب كسلطه ثانوية قابلة للتوظيف من قبل الملك.

اليهودية: الكاهن/ النبي

بالتوافق مع نمط التدين السائد، نشأت اليهودية منذ البداية كديانة كهنوتية ذات طابع طقوسي، وبحسب سفر الخروج (35- 40) ولدت مؤسسة الكهنة بأمر إلهي مباشر في عصر موسى، أي قبل دخول كنعان: وجه الرب بتعيين هارون في منصب الكاهن الأكبر وتخصيص المنصب بالوراثة لأبنائه اللاويين. كما وجه بإقامة خيمة مقدسة كمقر دائم (بالمقاييس الصحراوية)، تتم من خلاله عملية التواصل، وخدمة الطقوس. وأبدى الرب اهتمامًا بالتفاصيل، من مواد البناء، وتصميم المبنى، وترتيب محتوياته، إلى صناعة التابوت والمائدة، ومذبح البخور، ومذبح المحرقة، ومرحضة الاغتسال، وبناء دار خارجية حتى الثياب الكهنوتية، وصفيحة الإكليل المقدس التي صنعت من “ذهب خالص نقي، وكتبوا عليها كتابة نقش الخاتم: قدس الرب. وجعلوا عليها خليطًا من الإسمانجوني لتجعل على العمامة من فوق كما امر الرب موسى”

(39/30-31).

الإصحاحات من 25 -40 من سفر الخروج تشرح عملية بناء المعبد الأول: خيمة الاجتماع، الدار الخارجية، التابوت، المائدة. ورغم البيئة الصحراوية الخشنة يجري الحديث عن استخدام كثيف للذهب والفضة والنحاس وخشب السنط، وعن تصميم بناء يقوم على أعمدة مغطاة بقضبان من الفضة والنحاس وألواح مزينة بالذهب، كما يجري الحديث عن ثياب كهنوتية قرمزية وأرجوانية مطعمة بالذهب.

التصميم الهندسي للمبنى والمواد المستخدمة لا يتناسب مع المرحلة الصحراوية المبكرة التي يعالجها سفر الخروج، بل يشير إلى مراحل زمنية متأخرة، حين كانت تأثير الكنعاني كما سنعلم من النصوص والوثائق اللاحقة واضحًا على الكهنوت العبري، في شكل المعبد، والمذبح، والمحارق، كما في ملابس الكهنة، وترتيب وظائفهم، إذ تظهر أيضًا تأثيرات مصرية واضحة (في التأثير الكنعاني على الكهنوت العبري (انظر إلياد، مارسيا، تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية، فقرة 60)، وفي التأثير المصري الكنعاني المشترك انظر ريدفورد، مصر وكنعان وإسرائيل).

-4-

في هذا الشرح يكشف سفر الخروج عن خصائص طقسانية كهنوتية فجة، تنتمي إلى نسق التفكير الديني التقليدي السائد في الشرق الأدنى القديم، ويكشف من ثم عن أصل الديانة العبرية، وهي تصدر عن هذا النسق شبه البدائي وتتطور عنه. نحن حيال تماثلات صريحه مع التقاليد المعروفة في الديانات المصرية والكنعانية و الآشورية البابلية؛ حيث الدين فعل كهنوتي يدار من المعبد كمقر مركزي يسكن فيه الرب، أو يأتي كي يتجلى بالقرب منه.

يحتاج الرب إلى طاقم احترافي ومتخصص لخدمته في مكان محدد خاص. ويقوم هذا الطاقم -الذي عليه ارتداء ملابس بعينها كزي رسمي- بتقديم الخدمات المطلوبة للإله، وفي مقدمتها الأضحيات القربانية، التي بقيت -ضمن شعائر طقوسية أخرى- شاهدًا ينتمي إلى ميراث التدين البدائي القديم. ويختص الطاقم دون غيره بعملية التواصل مع الإله والتوسط بينه وبين الناس.

-5-

تقليديًّا، ظلت العمليات الدينية تدار وتوجه من خلال مؤسسة الكهنة القريبة من السلطة السياسية، وظل الكهنة يمارسون وظائف الرؤية التقليدية القديمة للتواصل مع الإله/ الرب، رغم وجود رؤاه مستقلين ومتنبئين مستقلين. ورغم وجود “أنبياء” ومعارضين تواصل حضورهم الى ما بعد تدمير الهيكل والنفي الى بابل.

لقد أدى الأنبياء المعارضون دورًا ملموسًا في التراث الأدبي الذي سجله العهد القديم، ولكن الدور الأساسي في عملية بناء الديانة يرجع إلى الكهنة. وتم ذلك من خلال الإشراف على عملية “التنصيص” الرئيسية التي كانت تجري على مراحل متعاقبة من مرحلة الملك يوشيا في القرن السابع ق. م، حين تولد سفر التثنية عن سطر الشريعة (أعلن عن اكتشافه في المعبد الكاهن الأكبر حلقيا) حتى مرحلة التأسيس الختامية في المنفى البابلي وفي أعقاب العودة (في التأثير الحاسم لمرحلة النفي والعودة 586- 440 ق. م، انظر فنكلشتاين، التوراة مكشوفة، الفصل 12).

بعد سقوط مملكة يهوذا، في أواخر القرن السادس ق. م، تزايدت أهمية الكهنة كممثل وحيد للهوية العبرية، سواء بين البقية التي استبقاها البابليون في يهوذا أم بين المنفيين في بابل؛ حيث سيتحول “الكاهن” حزقيال إلى “نبي”، ويؤدي بالصفتين معًا دوره التمهيدي المعروف لإعادة تأسيس الهيكل، ومن المنفى سيعود “الكاهن” عزرا الكاتب وسليل عائلة الكاهن الأول هارون، ليضع الصيغة النهائية للديانة اليهودية كما تبلورت في المنفى تحت ضغوط القهر والأمل في الخلاص.

بعد العودة من المنفى- يشرح فنكلشتاين- “كانت إحدى الوظائف الرئيسية للنخبة الكهنوتية علاوة على إدارة عبادات تقديم القرابين المجددة، وطقوس التطهير، الإنتاج المستمر للأدب والكتاب المقدس للحفاظ على وحدة الجماعة اليهودية وتماسكها في مقابل جميع الغرباء من حولها” (التوراة مكشوفة ص 369). ويلاحظ فنكلشتاين مع عدد من الباحثين: “أن المصدر الكهنوتي في التوراة مدون بعد النفي، وهو يشير الى بروز دور الكهنة وعلو شأنهم في جالية الهيكل في أورشليم.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن التنقيح النهائي للتوراة يرجع أيضًا إلى هذه الفترة، وذهب العالم التوراتي ريتشارد فريدمان إلى أبعد من ذلك؛إذ اقترح أن المنتج الذي أعطى الشكل النهائي “لشريعة موسى” كان عزرا الذي يوصف بشكل محدد ب “كاتب شريعة إله السماء” (عزرا 7/ 12).

في مرحلة ما بعد العودة من المنفى، وفي ظل التسهيلات الفارسية، لم ينقطع حضور الأنبياء “الكبار”، ولكن سلطة المؤسسة ممثلة في الكاهن الأول أو “الكاهن العظيم” كما تسميه الأسفار المتأخرة، ظلت تحتل موقعها المتقدم المكرس من الرب، وظل الأنبياء يقرون لها بهذا الموقع.

التطورات اللاحقة أسهمت في تعزيز السلطة الكهنوتية على اليهود. ومع الضغوط اليونانية والرومانية التي انتهت بتدمير الهيكل الثاني سنة 70م، تشتت كثير من اليهود في أنحاء العالم الروماني. لكن سلطة المؤسسة الكهنوتية ظلت تجاور سلطة الحكم الذاتي الضيقة في يهوذا، وامتدت إلى الجاليات اليهودية في الشتات، مدعمة – في الغالب- بتصريح رسمي من السلطات المحلية، يمنحها صلاحيات واسعة ليست دينية طقوسية فحسب، بل أيضًا ذات طابع اجتماعي تشريعي.

المسيحية

تمثل الكنيسة المسيحية النموذج التاريخي الأبرز لمفهوم “المؤسسة الدينية”، بالنظر إلى اكتمال المفهوم وامتداده الزمني، وحجم نفوذه وتأثيره على المسار  العام للتطور. وهو النموذج الذي لفت الانتباه بأدائه السياسي والثقافي، إلى مساوئ الكهنوت وجنايته الفادحة على تاريخ الوعي، ووضع فكرة الدين برمتها موضع الاتهام بوصفها نقيضًا مباشرًا للطبيعة الإنسانية. تبلورت المسيحية كديانة مستقلة عن النسق اليهودي بعد انتقالها إلى المحيط الروماني الهيليني الأوسع وتخففت نسبيًّا من حمولة التاريخ العبري، فتوجهت بلاهوتها إلى الأمم وأعفتها من إلزامية الشريعة. لكنها لم تقطع جذريًّا مع النسق الديني الثقافي الذي أنتجها (فهي نشأت أصلاً كتطوير لثقافة الأمل في الخلاص التي تفاقمت في القرون العبرية المتأخرة تحت ضغط الإحباط السياسي المتواصل)، لذلك، ورغم التعديل الجسيم الذي أدخلته على مفهوم الألوهية التوراتي، ظلت تحتفظ بالنصوص العبريه كجزء من الكتاب المقدس، ومن ثم بروايتها التاريخية عن الآباء والأنبياء الذي التي سيتعين إعادة تأويلها.

كما ظلت تحتفظ بنظام الكهنوت، أي تشكلت كديانة تقليدية تدار من داخل المعبد، من خلال هيئة متخصصة لها صلاحيات التواصل والنطق مع الإله والنطق باسمه. مع حضور آليات التنظير اليونانية ستطور الكنيسة تأصيلات أكثر تجريدًا وأقل تاريخانية لوجودها ودورها في العملية الدينية، لكن هذه التأصيلات لم تغير من طبيعتها كمؤسسه تختص دون غيرها – كما في الديانات القديمة- بمهمة التواصل واستقبال الوحي الإلهي.

الرب، الذي كان يبدو في العهد القديم قريبًا من البشر، ومنغمسًا في تفاصيل حياتهم (ممثلين في الشعب العبري) وحده قرر النزول بنفسه إلى العالم (في هذا الشعب بالذات)، وكشف عن ذاته في شخص المسيح، فصار المسيح هو “وسيط الوحي بكامله وموضوعه في آن واحد”، (الدستور العقائدي حول الوحي الإلهي “كلمة الله” Die Verbum، المجمع الفاتيكاني الثاني 1962 – 1965)، ومن هنا لم يعد ثمة حاجة إلى الأنبياء، فوظيفتهم كانت تنحصر في تعريف الأمة العبرية بالإله الآب الوحيد الحي تمهيدًا لمجيء المخلص الموعود وبمجيئه تم الوحي واكتمل “فالعهد الجديد نهائي لن يزول أبدًا، ولن يرجى أي وحي قبل الظهور المجيد الثاني للمسيح” (الدستور العقائدي).

لكن الحاجة إلى الكهنوت ظلت قائمة. فقد صار الوحي حاضرًا حضورًا نهائيًّا في الكتاب المقدس بعهديه، وبشكل حصري أوكلت مهمه تفسيره إلى “سلطة الكنيسة”، غير أن سلطه الكنيسة لا تنحصر في التفسير، بل تمتد إلى صلاحيات إنشائية واسعة على مستوى اللاهوت والتشريع: ” فالكنيسة لا تنهل اليقين عن محتويات الوحي كلها من الكتاب المقدس وحده”، بل أيضًا من التقليد المقدس الذي ورثته الكنيسة عن الرسل، وهي في الحالتين مؤيدة “بإلهام الروح القدس”، والمعنى الواضح أن الكنيسة “بما لها من سلطان رسولي من المسيح” صارت أمينة على الوحي، بديلاً عن الأنبياء خلافًا للمؤسسة العبرية التي كانت تشتغل إلى جوار الأنبياء. (انظر الدستور العقائدي).

-7-

كان ظهور هيئة منظمة تمثل الديانة الناشئة واقعة مفهومة في إطار الثقافة الدينية السائدة على المستويين اليهودي والروماني، وكانت الحركة المسيحية تعمل في مناخ جدلي عنيف مقابل أطراف يهودية ووثنية متعددة. وساعدت سياسات الاضطهاد الروماني على شحن وتنشيط حاجاتها التنظيمية المبكرة.

قبل نهاية القرن الثاني كانت الحركة المسيحية في روما قد أفرزت بالفعل كنيسة شبه منظمة بمسميات تراتبية لإدارة النشاط الديني المتفاقم وتمثيل الديانة الجديدة لكن الكنيسة -ولكي تتحول إلى مؤسسة شمولية طاغية- كانت بحاجة الى التطورات السياسية الهائلة التي بدأت بتحول الدولة الرومانية إلى المسيحية في القرن الرابع:

طوال مرحلة الاضطهاد اتخذ الكهنوت -كعادته- موقفًا سلميًّا مهادنًا حيال الدولة، وجرى تسويق النصوص “العلمانية” التي تحض على طاعة السلطات القائمة، وتنفي السعي إلى إنشاء مملكه أرضيه (انظر رومية: 13، ويوحنا 36/ 18).

تحول الدولة إلى المسيحية أنهى مرحلة الاضطهاد، وفرض حالة من التصالح، لكنه سيؤدي إلى خلق نوع جديد من التوتر السياسي والديني، بسبب تصاعد حضور الكنيسة كسلطة موازية لسلطة الدولة.

لم يسفر التحول عن ذوبان الكهنوت في الدولة، أو اندماج الدولة في الكهنوت، بل عن حالة من ازدواجية السلطة تتسع لحضور الطرفين كمؤسستين حاكمتين داخل المجتمع، مما أدى إلى خلق نوع من التداخل ظل يتطور بمرور الزمن لصالح الكهنوت على حساب الدولة.

بوجه عام، ظل هذا التوتر قابلاً للاحتواء في المراحل المبكرة، في ظل نوع من التوازن الهش الذي رسم ملامحه القديس أغسطين بحديثه عن الفصل بين “المدينتين” الروحية والمدنية ترجمة لظروف القرن الخامس. لكن مع تفاقم نفوذ الكنيسة سيجري تجاوز النصوص السلمية والعلمانية لصالح النصوص الناموسية (السياسية والتشريعية) في العهد القديم، ليكشف الكهنوت عن شراهته الكامنة حيال السلطة، وليقدم -كما لاحظ روسّو- “من خلال المملكة الروحية المزعومة، أعنف حكم استبدادي في هذا العالم” (العقد الاجتماعي، الترجمة العربية، دار القلم، بيروت، ص 204).

لقد طور الكهنوت المسيحي نسخته الخاصة من مبدأ “الحاكمية الإلهية” الكامن في صلب التدين الإبراهيمي “الحصري”. وذلك من خلال إجبار الأمراء على محاربة الهرطقة والإلحاد؛ أي بتوظيف سلطة الدولة لفرض صيغة بعينها من صيغ الإيمان كي تسود كلمة الرب على العالم، وهو نفس المعنى الإسلامي المتطرف الذي يوجب استخدام السيف “كي تكون كلمة الله هي العليا”. واعتمد الكهنوت في تأسيس هذا المبدأ على تأويلات مبكرة لآباء الكنيسة، ومن بينهم أغسطين نفسه؛ الذي سمح في القرن الخامس باستعمال القوة ضد “الدوناتيين” المنشقين على الكنيسة الكاثوليكية. لكنه سيحظى بخدمات تنظيرية أوسع على يد توما الإكويني في القرن الثالث عشر، حين سيبلغ نفوذ الكهنوت ذروته في الغرب الكاثوليكي.

في أوائل هذا القرن تولى إنسنت الثالث كرسي البابوية، وبدأت الكنيسة ترسم خطة ممنهجة لفرض العقيدة الكاثوليكية، ونفي أي آخر غير ديني أو ديني يفكر بطريقة مختلفة، وهي الخطة التي ستنتهي بتداعيتها إلى إنشاء “نظام التفتيش” الذي أطلقه البابا جريجوري التاسع، نحو عام 1233، واكتمل إطاره القانوني مع البابا إنسنت الرابع عام 1252.

تراجع الكهنوت

في القرن الرابع عشر، بدأت حركة النهضة في إيطاليا تثير موجة من التحولات الثقافية العقلية، كانت كافية للكشف عن وحشية الكهنوت، ولفت الانتباه إلى دوره المباشر في إفساد الحياة السياسية والاقتصادية (تملك الكنيسة ثلث الملكية الزراعية) وتعطيل حركة العقل والتطور العلمي. ومع تزايد نفوذ الأمراء المحليين وظهور أنظمة ملكية قوية سيتفاقم حضور “الفكرة الوطنية” كأساس جديد للدولة على حساب الإمبراطورية الرومانية “المقدسة”، وستولد حركة الإصلاح البروتستانتي كتيار مسيحي واعٍ “بمشكل” الكهنوت، ومناقض لسلطته التاريخية، وسوف تلعب هذه الحركة- خصوصًا في صيغتها اللوثرية- دورًا في تعزيز التطور المدني العلماني الذي سينتهي إلى النموذج الحديث للدولة الوطنية.

-9-

من داخل نسق التفكير الديني ذاته كانت حركة الإصلاح البروتستانتي قادرة على اكتشاف الزيف والنفاق والتناقض الأخلاقي في أداء الكهنوت، وعلى إثارة الشكوك حول صحة الأسس الكتابية التي بنى نفسه عليها.

وفي أدبيات التنوير المبكرة سيقف التيار العلماني على مساوئ الكهنوت بوصفه سببًا للشرور الناجمة عن ازدواجية السلطة، لكنه لن يهدف إلى إلغاء أو إلى استبعاد الدين كليًا من نطاق الدولة، بل إلى “ضبط” نفوذ الكنيسة، وإخضاعها لسلطة الدولة الزمنية.

كانت الازدواجية هي الهاجس الذي برز كمعضلة بنيوية مزمنة تمنع تطور المجتمع والدولة، ويبدو هذا الهاجس واضحًا في صياغات مختلفة لنظرية العقد الاجتماعي، من هوبز(ت 1679)، الى إسبينوزا (ت 1677)، ولوك (ت 1704)، حتى چان چاك روسّو (ت 1778) “تكلم روسّو عن المسيحية الرومانية، أو “دين الكاهن” الذي يمزق الفرد والمجتمع بين مملكتين روحية وزمنية، فهو يمنح الناس شريعتين ورئيسين ووطنين، ويجعلهم خاضعين لواجبات متناقضة. ولم يصل الناس إلى معرفة نحو من يلتزمون بالطاعة، للسيد أم للكاهن” (العقد الاجتماعي، السابق، الفصل الثامن، الديني المدني).

في القرن الثامن عشر سيتبلور “التنوير” بوصفه موقفًا تفكيريا مناقضًا للسلطة الدينية بالذات، أو في المقام الأول، أي لسلطة الكهنوت من حيث هي السلطة الأكثر رجعية والأوسع هيمنة على المجالين العام والخاص. يشرح كانط: “عصر التنوير هو خروج الإنسان من حالة “القصور” التي يبقى هو المسؤول عن وجوده فيها. والقصور هو دالة العجز عن استخدام الفكر عند الإنسان إلا من خلال إنسان آخر، فالناس قد حررتهم الطبيعة منذ زمن بعيد من “وصاية” غريبة عنهم، لكنهم ظلوا قصرًا طوال حياتهم عن رضا منهم، بحيث يسهل على غيرهم فرض الوصاية عليهم”.

المسؤولية عن هذا القصور، بحسب كانط، تقع -أيضًا- على هؤلاء الأوصياء “الذين صمموا على ممارسة سلطة عليا على الإنسانية، فبعد أن أطبقوا قيود البلاهة على قطعانهم، وعملوا على مراقبة هذه المخلوقات الهادئة مراقبة دقيقة كي لا تسمح لنفسها بالمجاسرة على أدنى خطوة خارج الحقل الذي حشرت فيه، أظهر لها الخطر الذي يهددها إن هي غامرت بالخروج وحدها، ولكن الخطر ليس كبيرًا في حقيقه الأمر، لأنها لو أقدمت عليه فسوف تتعلم السير بعد عثرات قليلة”.

من بين هذه الوصايات القابضة التي كرست قصور الإنسان عبر التاريخ. يشير كانط إلى وصاية الكهنوت بوصفها الوصايه “الأكثر ضررًا والأشد خزيًا” (انظر كانط، ما هو التنوير، 1784).

في القرن الثامن عشر، سيطور التيار التنويري في فرنسا هجومه ضد الكهنوت، فسهام النقد لم تعد موجهة إلى مؤسسة الكنيسة وأدائها السياسي فحسب، بل إلى المسيحية وفكرة الدين الذي اعتبر في ذاته مصدرًا لإثارة التوتر داخل الفضاء الاجتماعي.

وهو التوجه الذي عبر عنه ڤولتير وهولباخ وكلاود هلفتيوس وچوليان دي لا متري.

لكن الهجوم الكاسح على الكهنوت سيبلغ ذروته مع نيتشه، في أواخر القرن التاسع عشر، بعد ما كانت ضغوط الحداثة قد أجبرته على التخلي كليًا عن نفوذه في المجال العام (السياسي التشريعي)، وجزئيًا عن نفوذه في المجال الخاص (الاجتماعي الفردي).

بالنسبة إلى نيتشه، مشكله الكهنوت أكثر “جذرية” مما يبدو عليه: الجناية الكبرى على حياة الإنسان وقعت على يد الكهنوت. المعنى الحقيقي -الذي يمكن الإمساك به- لحياة الإنسان هو كونه حيوانًا بشريًّا حرًا مفطورًا الطبيعة الغريزية على إرادة الاقتدار (انظر جينالوجيا الأخلاق، المقدمة) هذا المعنى صار عرضة للتحريف والتشوه منذ ظهور “الكاهن” الذي اخترع مفهوم “الأخلاق” على نحو يوافق طبيعته وهي طبيعة العبيد (الضعفاء) لا طبيعه السادة (الأقوياء) القادرة على الفعل. قيم السادة هي قيم الروح “الحرة المحاربة”، وقيم العبيد هي قيم “الضغينة” الناجمة عن العجز، وهي قيم تعويضية مؤجلة جرى تكريسها عبر المعجم الديني الذي ابتدعه الكاهن للانتقام من السادة المتغلبين (خير وشر، خطيئة، محبة، ثواب، عقاب، ضمير، واجب، مسؤولية، مثل، آلهة) عبر هذا المعجم يختبئ الكاهن في قاع الوعي الإنساني الراهن.

الأخلاق الدينية -بحسب نيتشه- تقنية ماكرة للسيطرة على إرادة الفعل التي تحرك الحياة، والهدف المعلن هو “تربية” الإرادة و”تهذيبها”، بينما هي في الواقع ترمي إلى “تدجينها” وعقابها بذنب طبيعتها الحيوية. الكهنوت يعتبر الحياة في حد ذاتها ذنبًا لا يغتفر. فيما الحياة هي ببساطة كل ما وجدنا أنفسنا عليه من نزوع حيواني وغرائز وحريات ورغبات وطاقات ولذات وذكاء، وهي جميعًا “سابقة” على النموذج الأخلاقي “المؤنسن” الذي روَّج له الكهنوت تحت اسم المثال الأعلى.

لقد وضع الكهان السم في الدسم، فشوهوا المعنى الحقيقي للحياة، وزرعوا في الوعي الموروث روح العجز والكراهية: “إن الكهان، كما هو معلوم، هم شر الأعداء. ولكن لماذا -لأنهم أكثر الناس عجزًا، ومن العجز يتولد الكره مرعبًا وموحشًا روحيًّا ومسمومًا كأشد ما يكون. لقد كان أشد الناس كرهًا في تاريخ العالم على الدوام كهانًا، وكان هؤلاء الكارهون أيضًا من أشد الأرواح مكرًا- فإزاء روح الثأر التي تسكن الكهان لا يكاد يدخل أي روح آخر في الاعتبار. وما أبلد تاريخ البشر لولا الروح التي تأتت إليه من العاجزين” (انظر جينالوجيا الأخلاق، ترجمة فتحي المسكيني، مؤسسة مؤمنون ومعهد تونس للترجمة، الطبعة الثانية، 2017، المقالة الأولى، فقرة 7).

في قاع العقل الإنساني الراهن يختبئ الكاهن في شكل ثقافه مضمرة تسربت الى نسيج اللغة. ولذلك فإن كل تفكير حقيقي ينطوي على مقاومة أو محاربة لروح الكاهن التي ترسخت في أعماق الوعي الإنساني، واستطاعت أن تتسلل وتعشش حتى داخل الفكر الحداثي النقدي ذاته.

بحسب نيتشه، لم يستطع هذا الفكر الحديث أن يتخلص من التركة القمعية للكهنوت. لقد نجح في إنشاء معجم “جديد” للقيم يقدم نفسه كمعجم صوري حيادي موضوعي وكوني، لكنه في الواقع ظل داخل مفهوم “القيم” الكهنوتي ذاته، وفي هذا السياق اعتبر نيتشه أن جميع “الأفكار الحديثة” كالمساواة والديموقراطية والواجب والاحترام والمهنية، هي تنويعات متنكرة على معجم الكهنوتية، واعتبر أن كانط الذي تكلم عن أخلاق الواجب، ورغم نقده الصريح لوصاية الكهنوت، لم يقدم أكثر من كهنوت عقلي بلا طقوس. وحتى “الإلحاد” الذي يظن نفسه ممثلاً للطور الأعلى من غريزة الحرية، لم يسلم من تقنيات الكهنوت القيمية، فهو لا يقدم تأسيسا “جذريًّا” (من خارج سلم القيم) لقيم الحرية، ولذلك فهو حتى الآن ليس أكثر من إيمان، أو مثال “نسكي مقلوب” استيلاء صفيق على مكان الإله الأخلاقي الذي صار شاغرًا، في خلط مزر بين الإنسان الأعلى الذي استولى على الأسماء الحسنى الإله التوحيدي والإقدام على الذهاب لجسور إلى “ما فوق الإنسان” بوصفه مطلب الحياة الحرة، التي تتمتع بصحة ميتافيزيقية جيدة، لا تطلب أقل من: خلق نمط بشري من نوع جديد” (جينالوجيا الأخلاق، المقالة الثالثة، فقرة 27، انظر المقدمة الشيقة بترجمة فتحي المسكيني).

بحسب نيتشه أيضًا، كرس الكهنوت مقولة أخرى لا تقل خطرًا عن أضلولة الفضيلة، هي مقولة “الحقيقة” التي صارت تهيمن على الفكر بجميع مستوياته، بما في ذلك الفلسفة، وحتى العلم، بوصفها مرجعية مطلقة لا يحتاج وجودها الى تبرير من خارجها. وفقًا لنيتشه ليس ثمة واقع “موضوعي” ثابت أو متفق عليه، وليس ثمة مقولات نهائية مطلقة حياديه أو بريئة؛ ثمة حمولات آيديولوجية كامنة في جوف اللغة التي صنعها تاريخ الكهنوت، ولذلك فإن عملية التفكير الحر تعني دائمًا أننا حيال موقف تأويلي، وهنا يميز نيتشه بحسم بين “التأويل” الحر كغريزة سيميوطيقية خاصة بالحيوان البشري، والتاويل “الديني” كمكر لاهوتي لئيم يقوم على تحريف النصوص واستعمالها كإرادة اقتدار مريضة لا تقوى على مواجهة الحياة فتعوضها بضرب متنكر من إرادة العدم” (جينالوجيا الأخلاق، المقالة الثالثة، فقرة 28، انظر مقدمة الترجمة العربية السابقة).

والآن سأنتقل إلى السياق الإسلامي المبكر.

يتبع

*** 

عبد الجواد ياسين – قاضي ومفكر مصري

عن منصة تكوين، يوم: 17 / سبتمبر / 2024 م

أنطونيو غرامشي، الأحدب العليل ابن جزيرة سردينيا الفقيرة بالجنوب الإيطالي. مناضل يساري تصدَّى للفاشية في بلاده، وألقى به نظام بينيتو موسوليني في السجن، رغم تمتّعه بالحصانة عندما كان عضواً في البرلمان الإيطالي. تبنى في مطلع شبابه الأفكار الماركسية، وأسس الحزب الشيوعي الإيطالي، لكنَّه انتقد أفكارَ ماركس، التي تقطع بأنَّ الاقتصاد هو المحرك الأساس للتاريخ. بدأ غرامشي مبكراً بالكتابة عن الجزيرة الإيطالية الجنوبية، التي وُلد بها جزيرة سردينيا. جمع أعماله هذه، الكاتب، قويدو ميليس، ونشرها تحت عنوان، «كتابات عن سردينيا». كتب غرامشي عن اللغة السردينية، ومعاناة الجزيرة من الفقر، وطموح أهل الجزيرة، وغيرها من القضايا التي شغلت نخب الجزيرة الفقيرة. انشغل بعد ذلك بالقضايا الوطنية الإيطالية، واندمج في العمل السياسي الوطني. عارض مبكراً السلطة الفاشية، وصار عضواً في البرلمان، ورفع صوتَه في داخله معلناً معارضته التسلط والديكتاتورية الفاشية، ليقدَّم إلى المحكمة التي قضت بسجنه. قضَى غرامشي إحدى عشرة سنة في السجون الفاشية، وهو يعاني المرض، لكنه لم يكن رهين محبسه، بل حوَّل سجنه خندقاً يشع منه الفكر. بعث برسائله إلى أفراد عائلته، وإلى رفاقه، عبَّر فيها عن عواطفه مضمنها أفكاره. جُمعت الرسائل ونُشرت في أربعة مجلدات، بعنوان «كراسات السجن»؛ لأنه كتبها على ورق الكراسات التي يستعملها التلاميذ في المدارس. كتب في مختلف مجالات المعرفة. كان يطلق على نفسه، صفة القارئ. فقد تمكن وهو يعاني العذاب في زنزانته، من قراءة أعمال الفلاسفة والمؤرخين الإيطاليين والألمان والإنجليز والفرنسيين، وتأثر بميكيافللي وهيغل وماركس. انتقد أعمال ماركس، والثورة البلشفية في روسيا، رغم انتمائه للحزب الشيوعي، وتقديره أفكار لينين، واختلف معه فيما يتصل بمفهوم الدولة وتكوينها، والعلاقة بين البرجوازية والطبقة العاملة. لم تكن الدوغما الآيديولوجية، محبسه الثاني، فقد كان أنطونيو غرامشي، مفكراً حراً يضرب بمطرقة ثقافته، ما عملت الفاشية على فرضه على الناس، وآمن بأن الآيديولوجيا المغلقة، هي ضرب من التسلط والتقوقع. آمن بقوة وفاعلية الثقافة. كتب غرامشي كثيراً عن قوة الثقافة، وقدرتها على تحقيق النهوض الشامل في جميع المجالات. ارتبط اسمه بمفهوم «المثقف العضوي»، وأعطى لهذا المفهوم، أبعاداً وتحديدات وفاعليات شملت، كل خيوط النسيج الثقافي في المجتمع. في رأيه، أن المثقف العضوي يوجد في مختلف شرائح المجتمع، وهو يختلف عن المثقف التقليدي، الذي يستلبه الموروث الجامد، والمصلحة الذاتية. الناشطون في المجتمع المدني والأحزاب والنقابات المهنية المختلفة، كل واحد منهم، هو مثقف له تأثير في حلقات مجموعته.

ناقش أنطونيو غرامشي، دور الثقافة الشعبية، وقوتها وقدرتها على الوصول إلى العامة. ركَّز على الوعاء الخطابي ومضمون الخطاب. كذلك ثقافة الفنون والإبداع بكل ألوانه. أفرد مقالات طويلة عن الإنسانية، وقال إن حركة النهضة، جعلت الإنسان يؤمن بأنه مركز الكون، وإن عصر النهضة خلق ثقافة حضارية جديدة. الإنسان قبل عصر النهضة، كان لا شيء وبعدها صار هو كل شيء، وإن عصر النهضة هو أكبر ثورة ثقافية في التاريخ. محور فكر غرامشي هو، أن الثقافة هي محرك الإنسان، وليس كما ذهب كارل ماركس، بأن الاقتصاد هو المحرك للإنسان في مسيرته الطويلة عبر التاريخ. فالثقافة تشعل روح الحرية في الإنسان، وتجعله يفكر ويبدع ويتقدم دون سدود أو حدود. كان لعصر النهضة حضور قوي في فكر أنطونيو غرامشي، فقد كان يحفّز بكتاباته الفاعلين، في المنظومة الاجتماعية على الدفع نحو عصر نهضة جديدة بقوة الثقافة. فقد تأثر بعصر النهضة الإيطالي الذي انطلق في القرن الثالث عشر، وتحرك إلى غرب أوروبا. فقد كان عصر النهضة نقطة الانطلاق إلى مرحلة حضارية جديدة في كل أوروبا، وكان المهد للإنسان الجديد، المتحرر من هيمنة القيود الدينية في العصور الوسطى.

كتب غرامشي في كراساته، عن الإبداع بكل أنماطه، القصة والشعر والرسم والصحافة، وفعلها الثقافي الكبير في تحرير العقل. مارس النقد الأدبي مبكراً وكتب الكثير في هذا المجال. الثقافة الشعبية، شكلت أحد محاور اهتماماته، ودرس الروايات التي يقبل عليها عامة الناس، ليس في إيطاليا فحسب، إنما في بعض بلدان أوروبا الغربية الأخرى، وخصوصاً فرنسا وألمانيا وبريطانيا، ومدى تأثيرها في وعي الوسط الشعبي.

هذا الرجل القصير القامة، الذي تعرض لحادث جعله احدب، وقضى سنوات طويلة في سجون الفاشية الإيطالية، وعاش بعيداً عن زوجته الروسية التي عادت إلى بلادها بعد سجنه، ومعها طفلاه الصغيران، وعانى مرضاً عضالاً لم يرحمه في سجنه، أسس لمسار نهضة متجددة، قوتها الثقافة التي تؤهل الإنسان ليشق طريقه للحرية، وتحقيق التقدم. أشعل أضواء الحرية من عتمة ظلام الزنازين. كُتبت عن أعماله عشرات الدراسات والكتب، وترجمت إلى عدد كبير من اللغات، وتأثر بفكره، مفكرون ومثقفون وكتاب وأكاديميون وأدباء في مختلف أنحاء العالم.

***

عبد الرحمن شلقم

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: السبت - 25 ربيع الأول 1446 هـ - 28 سبتمبر 2024 م

 

بارتل بول يكتب عن خمسة آلاف عام من تاريخه

تبدو فكرة كتابة تاريخ للعراق منذ بدايات الحضارات الأولى في حوض ما يعرف بمنطقة ما بين النهرين إلى اليوم ضمن متن كتاب واحد أقرب إلى مهمّة مستحيلة بحق. فالعراق بصفته دولة في إطار حدوده الحالية قد يكون من وجهة نظر كثيرين صنيعة بريطانيّة - فرنسيّة في سياق توافق القوى الإمبريالية على تقاسم تركة الدّولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. ولقرون عدّة، كانت الأراضي التي تشكل العراق كما نعرفه الآن جزءاً من إمبراطوريات ودول أخرى، ومجرد إقليم يدار من عواصم بعيدة أو قريبة؛ إذ حكمها العثمانيون من إسطنبول لأربعة قرون بداية من القرن السادس عشر الميلاديّ، وفي فترة سابقة حكمها الأمويون من دمشق؛ ما يجعل كتابة تاريخ عراقيّ أمراً شديد التعقيد وربما غير عمليّ بحكم التّداخل مع تقلبات الأحداث في الكثير من الأمم الأخرى. ويستحضر كثير من الكتاب المسلمين مفهوم الجاهلية للفصل الصارم بين تاريخ للعراق قبل الإسلام وبعده. وفوق ذلك، فإن تاريخ هذه المنطقة الجغرافيّة على مدى خمسة آلاف عام شديد التنوع والثراء؛ ما يهدّد من يتصدى لمهمة سرده بالوقوع في شباك عدم تجانس مادته، وخطر الانتهاء إلى ما يشبه (كتالوغ) سياحياً أو موسوعة موجهة لصغار السن.

على أن ثمّة ما يغري دائماً بوضع نص يحاول الإمساك بخيط ذهبي يجمع بين حلقات كثيفة مذهلة أحياناً من النشاط البشري الذي كان مسرحه تلك المساحة الضيقة للأرض بين نهري العراق العظيمين: دجلة والفرات. أقله هذا ما يزعمه بارتل بول، في كتابه الصادر حديثاً بالإنجليزية: «أرض ما بين النهرين: تاريخ العراق في 5000 عام»* والذي يرى أن تلك الأرض - والعراق اسم مستخدم منذ القرن السادس الميلادي على الأقل، حتى قبل ظهور الإسلام - بقيت دائماً محوراً أساسياً للحراك الحضاري، ومقراً أو ممراً لكل إمبراطوريات الشرق، وأن أهم مدينة في العالم في مراحل متعاقبة منذ الخمسة الآلاف عام الماضية كانت مدناً عراقيّة: أور، وأوروك (الوركاء)، وبابل، ونينوى، وطيسفون، وبغداد. وبنى سلوقس، وريث الأجزاء الشرقية من أراضي كورش الفارسي والإسكندر المقدونيّ، عاصمته سلوقية على نهر دجلة، شمال بابل، ومنها استمر العراق الهلنستي لقرنين جسراً بين الشرق والغرب، ونموذجاً أرسطياً توفيقياً متسامحاً في الدين، وفضولياً بلا حدود في العلم - قبل أن يعمد الرومان إلى تدميرها في القرن الثاني للميلاد -.

ولا يجد المؤلف صعوبة تذكر في سوق الأدلة على ما ذهب إليه. ففي هذه الأرض تحديداً نشأت أول مجتمعات البشر الحضريّة المتقدمة - السومريون خلال الألفية الرابعة قبل الميلاد -، ومنها أيضاً جاءت الملكيّة، وبناء المدن، والقانون المكتوب، وسلك الكهنوت، وتجييش الجيوش، والدبلوماسيّة، وأصول المحاسبة، والشعر الملحميّ، والعجلة، والقارب الشراعيّ، وقنوات الريّ، والأدب - الذي استوحى منه كتبة العهد القديم الكثير من قصصهم المركزية كالطوفان -، وبناء القبب، والمعمار الرسميّ، والقوس والنشاب، ومهارات تشكيل المعادن، والنحت البارز والغائر، وأسس الرياضيات الحديثة (بما في ذلك ما نُسب زوراً إلى فيثاغورس اليوناني)، والنظام الستيني لحساب الوقت. وكانت مسرحاً لمواجهات التاريخ الكبرى من أيّام السومريين والآشوريين والآكاديين إلى صدام الإسكندر المقدوني بالفرس، وحروب الرومان والبارثيين، ولاحقاً فضاءً للانقسام الكبير في الإسلام بين الشيعة والسنة، ومركزاً لدولة الخلافة العباسيّة التي بقيت لما يقرب من خمسة قرون (750 – 1258) أهم إمبراطوريات العالم في زمانها، والعصر الذهبيّ لازدهار الحضارة الإسلاميّة.

نص «أرض ما بين النهرين» يبدو في مواجهة هذه القائمة الطويلة من الإنجازات الهائلة والأحداث الفاصلة متماسكاً، وقادراً على تقديم سردية مثيرة للاهتمام يمكن منها التّوصل إلى خلاصات واستنتاجات، على الرغم من هفوات هنا (مثل إهمال الديانة المندائية التي تعطي قيمة عالية لشخصية يوحنا المعمدان عند الحديث عن المساهمات في الفكر العالمي)، أو مبالغات استشراقية هناك (مثل التركيز على قصص المحظيات وصراعات القصور في بغداد الرشيد).

ينسج بول تلك السرديّة الآسرة عبر استدعاء حكايات شخصيات بارزة مرَّت بالعراق ومقاطعتها مع عوامل جغرافية وبيئية تأخذ عادة ببساطة، لكنها شكَّلت المنصة الدائمة للحدث التاريخي العراقي. وهنا تتوالى الحلقات التاريخيّة مستندة إلى أسماء مثل جلجامش (ملك الوركاء في الألفية الثالثة قبل الميلاد)، وهارون الرشيد (الخليفة العباسيّ الأشهر من القرن الثامن الميلاديّ)، وهنري لايارد (الرحالة والدبلوماسي في القرن التاسع عشر الميلادي الذي كان وراء اكتشاف الكثير من الآثار القديمة في نينوى والنمرود) وغيرها من الشخصيات المهمة فيما يبرز أهميّة الطبيعة المسطحة والمفتوحة للبلاد، الذي جعل منها ممراً سهلاً للعابرين، غزاة وتجاراً ومهاجرين، وفي الوقت ذاته بوتقة لتلاقح هائل بين الثقافات واللغات والحضارات والأعراق والأديان، وإن كان ذلك أحياناً نتاج صراعات كانت في بعض الأحيان شديدة العنف..

بول بمشروعه الطموح لتغطية فترة مديدة من التاريخ يترك القارئ المعاصر ودون مبرر ظاهر عند لحظة ثورة يوليو (تموز) 1958

ويشير بول إلى أن هذه الأرض - البوتقة أنتجت بالفعل وعبر المراحل التاريخية ثقافة وأفكاراً شكَّلت جزءاً كبيراً من مسيرة الفكر الإنساني، سواء في مخاطبة تجربة الوجود كما في ملحمة جلجامش، أو في التأثير الحاسم للزرادشتية على الأديان الإبراهيمية خلال مرحلة السبي البابليّ لليهود – مثل مفاهيم الروح والحياة الآخرة والملائكة والقيامة والتركيز العميق على الأخلاق والإرادة الحرة -، وكذلك الصراعات اللاهوتية والسياسيّة في الإسلام المبكّر، ولاحقاً في تجربة المعتزلة في بغداد العباسية حول فكرة خلق القرآن المتأثرة بأفكار مترجمة من اليونانية والفارسية.

ومع ذلك، فإن بول بمشروعه الطموح لتغطية فترة مديدة من التاريخ يترك القارئ المعاصر ودون مبرر ظاهر عند لحظة ثورة يوليو (تموز) 1958 والانقلاب على المملكة العراقية الهاشمية التي كان أسسها الملك فيصل الأول تحت الرعاية البريطانية، ويَقصر، باستثناء موجز متسرع، عن وضع عصر الجمهوريّة والغزو الأميركيّ واحتلال العراق وتغيير نظامه في سياق السردية التاريخية، بينما هي الحلقة الأقرب إلى ذلك القارئ، والأعمق صدى في أجواء الخمسين سنة الأخيرة؛ ما يفقد الكتاب فرصة ربما كانت مثالية لتشبيك التاريخ بالحاضر، وإنهاء الرحلة المثيرة والجديرة بالثناء عبر الأزمنة العراقية في ميناء الواقع الراهن.

***

ندى حطيط

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 16 أكتوبر 2024 م ـ 13 ربيع الثاني 1446 هـ

.........................

LAND BETWEEN THE RIVERS: A 5000 Years History of Iraq | By Bartle Bull | Atlantic Monthly Press, 2024

ناصبَ سيد قطب الفلسفةَ الإسلاميةَ العداءَ في أول كتاب إسلامي له، وهو كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، الصادر عام 1949، وعابَ على جامعِ الأزهر تدريسَها.

الصفحاتُ التي تضمَّنت الفقراتِ التي أعلنَ فيها هذا الموقفَ حذفَها من هذا الكتاب ابتداءً من طبعةٍ من طبعاته الأُول. وهي إمَّا أن تكونَ الطبعة الثالثة (1952) أو الطبعة الرابعة (1954) أو الطبعة الخامسة (1958).

يقول سيد قطب في هذا الكتاب: «ولقد كانت للأزهر بصفة خاصة رسالة لم يقم بها في هذا المجال.. أن يبحث عن هذه الفكرة الكلية للإسلام، وأن يعرضها عرضاً كاملاً قوياً، بلغة العصر وأسلوبه، وأن يوازن بينها وبين المذاهب الفلسفية الأخرى؛ وبدلاً من أن ينهض بهذه الرسالة راح يدرّس في كلية أصول الدين ما يسمى خطأً بالفلسفة الإسلامية، من كتب ابن سينا وابن رشد... هذه الانعكاسات للفلسفة الإغريقية، التي لا صلة لها بحقيقة الفكرة الإسلامية الكلية. فكان هذا إمعاناً في إهمال الرسالة الملقاة على عاتق الأزهر؛ وإعلاناً للهزيمة الروحية والفكرية في المعقل الأول للفكرة الإسلامية!».

ثم يأمر المصريين «لتكوين فكرة إسلامية صحيحة عن الكون والحياة والإنسان، ألّا ندرّس الفلسفة الغربية - وما يتبعها من مبادئ الأخلاق - في القسم الثانوي من مدارسنا إطلاقاً. ولا تدرّس في الجامعة أيضاً إلا بعد السنتين في قسم الفلسفة على أقل تقدير. وبطبيعة الحال لا تدرّس في الكليات الأزهرية إلا أخيراً. ويجب أن تسبقها في كل معهد تدرّس فيه دراسة إسلامية خالصة، تقرر الفكرة الإسلامية الحقة، مبرأة مما يسمى الفلسفة الإسلامية».

في رسالة مفتوحة وليست خاصة كتبها إلى توفيق الحكيم من واشنطن، نشرت في مجلة «الرسالة» في 16 مايو (أيار) 1949، العدد 828، تحت عنوان «إلى الأستاذ توفيق الحكيم» أكد موقفه الرافض للفلسفة الإسلامية ولتدريسها الذي كان قد قاله في كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، وكان هذا الكتاب وقت نشر رسالته المفتوحة حديث الصدور، ولم يحصل سيد قطب بعد على نسخة منه.

حسب صلاح الدين الخالدي، استناداً إلى مجلة «الكتاب»، الكتاب صدر في شهر أبريل (نيسان)، ورسالة سيد قطب المفتوحة إلى توفيق الحكيم نُشرت في الشهر الذي يلي شهر صدور الكتاب. وهذا المرجع الذي استند إليه يحسم جدل المختصين بسيرته حول التاريخ الدقيق من عام 1949 لصدور الكتاب.

وللأسف هذا الكتاب الذي قضى سيد قطب ما لا يقل عن أربع سنوات في تأليفه، عبث به بعد صدور طبعته الأولى، حذفاً وتعديلاً وزيادةً إلى عام 1964. ولو لم يعدم عام 1965 لكان واصل هذا النوع من العبث بهذا الكتاب.

دليلي على أن سيد قطب حين كتب الرسالة المومأ إليها لم يكن بين يديه بعد نسخة من كتابه، أنه وهو يسوق الحيثية التي يستند إليها في رفض الفلسفة الإسلامية في الأزهر ورفض تدريسها، أنه وضع لها هامشاً طلب فيه من القارئ الرجوع إلى فصل من كتابه عنوانه «فكرة الإسلام عن العدالة الاجتماعية».

هذا العنوان غير موجود في الكتاب، وإنما يوجد عنوان قريب منه، وهو عنوان الفصل الثاني «طبيعة العدالة الاجتماعية في الإسلام». والخطأ الثاني أن الفصل المقصود بالمطالبة بالرجوع إليه بدعوى التعرف أكثر على رأيه في الفلسفة الإسلامية وفي تدريسها، عنوانه مختلف جداً عن العنوان الذي ذكره، وهو الفصل الأخير «حاضر الإسلام ومستقبله» الذي تلته خاتمة قصيرة عنوانها «على مفترق الطرق».

مما يعني أنه كان في ذلك الهامش يعتمد على ذاكرته، والذاكرة أحياناً - أو ربما كثيراً - تخون في تذكر بعض الأسماء وبعض العناوين بدقة.

وقد قلت بـ«دعوى» التعرف أكثر على رأيه في الفلسفة الإسلامية وفي تدريسها، لأنه في الرسالة المفتوحة لم يكن مقتضباً في إبداء رأيه فيها وفي تدريسها، بل بسطه على نحو كامل. وهذا ما ستتأكدون منه، حين أورد قسماً كبيراً من رأيه في هذا المقال. السبب الحقيقي هو أنه كان فرحاً بصدور الكتاب الذي يمثل تحولاً حاداً في مجرى كتاباته ومؤلفاته، فوجد في الرسالة المفتوحة فرصةً سانحةً لإخبار قراء مجلة «الرسالة» الأسبوعية في مصر وفي العالم العربي بصدور الكتاب.

مما يجدر ذكره ضمن هذه التفاصيل الصغيرة حول الطبعة الأولى من الكتاب، أن الفصل الأخير مع أنه موجود عنواناً في متن الكتاب إلا أنه سقط ذكره في فهرس المحتويات.

مما قاله سيد قطب في رسالته المفتوحة إلى توفيق الحكيم: «فكرة أريد أن أصححها عن الفلسفة الإسلامية، كما يصورها ابن رشد وابن سينا والفارابي... فقد ألممت بها في بحثك الممتع الطويل. أن هذه الفلسفة قد تصح تسميتها الفلسفة الإسلامية بمعنى أنها قد وجدت في أرض إسلامية على يد أفراد مسلمين. ولكن يكون من الخطأ العميق اعتبارها فلسفة الإسلام. وقد آن أن تصحح هذه الغلطة القديمة الحديثة!

إن فلسفة هؤلاء الفلاسفة إن هي إلّا انعكاسات للفلسفة الإغريقية في ظل إسلامي. وهي لا تبلغ أن تصور الفكرة الكلية للإسلام عن الكون والحياة والإنسان. هذه الفكرة الخالصة الكاملة المتناسقة».

ثم يوجه مباشرة لوماً يبلغ حد التقريع إلى توفيق الحكيم وإلى جيله، قائلاً: «ما أشبه الدور الذي قام به هؤلاء الفلاسفة الإسلاميون بالدور الذي تقومون به أنتم الآن - أنت وجيل التمهيد من الشيوخ - فتنة بالفلسفة الإغريقية، ومحاولة لتفسير الإسلام على ضوء هذه الفلسفة. والإسلام يحمل فكرة مستقلة مختلفة في طبيعتها الأصلية عن طبيعة الفكرة الإغريقية من الأساس! من أذهانهم لا من قلوبهم استمدوا فلسفتهم... وهكذا تعملون!... ومالي ألومكم أنتم، والأزهر ذاته لا يدرّس في كلياته إلّا تلك الفلسفة الإسلامية باعتبارها فلسفة الإسلام!». وللحديث بقية.

***

علي العميم

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الأحد - 10 ربيع الثاني 1446 هـ - 13 أكتوبر 2024 م

 

ينبغي أن نقرأها قراءة مبطنة عميقة لكي نفهمها على حقيقتها

في كتابي الأخير الصادر عن «دار المدى» بعنوان «العباقرة وتنوير الشعوب»، أزعم أني ارتفعت إلى مستوى المعري في رسالة الغفران. صدقوا أو لا تصدقوا، أنتم أحرار. لماذا كل هذه الفخفخة والمنفخة؟ لماذا كل هذه الغطرسة الفارغة؟ هذه ليست من شيمي وعاداتي. بل إن عاداتي العكس تماماً؛ أي التضاؤل والتصاغر إلى درجة الاضمحلال. وقد لامني على ذلك، برفق، سمير عطا الله يوماً ما. عاداتي المزمنة والمتواصلة هي أنني أختبئ وراء أساتذتي الكبار. ولكن هذه المرة أصابتني نوبة مفاجئة من جنون العظمة ولا أعرف لماذا. ولله في خلقه شؤون. وعلى ذكر رسالة الغفران، ينبغي العلم أنها ترجمت إلى الفرنسية عام 1984. وصدرت عن أشهر دار نشر باريسية: «غاليمار» في 320 صفحة. ولكن من يستطيع أن يشتريها: 150 يورو فقط. من يصدق ذلك؟ من يستطيع ترجمتها؟ حتى في العربية يصعب فهمها، فما بالك بالفرنسية. ينبغي أن نترجمها أولاً إلى العربية الحديثة قبل الفرنسية. ولكن لا يسعنا إلا أن نشكر المستشرق الفرنسي فانسان مونتيل على هذا الجهد الكبير والشاق العسير الذي بذله في نقل إحدى روائع أدبنا الكبرى إلى لغة موليير وفولتير. شكراً له وألف شكر. كيف استطاع تحقيق ذلك؟ معجزة حقيقية. والباحث المذكور أصبح اسمه الكامل فانسان منصور مونتيل عندما اعتنق الإسلام بعد أن أعجب به كل الإعجاب: ديناً وفلسفة وحضارة.

كان ديكارت يقول هذه العبارة اللافتة: الفيلسوف يتقدم مقنّعاً على مسرح التاريخ. بمعنى أنه لا يستطيع أن يكشف كل أوراقه دفعة واحدة، وإلا لكانوا قد ذبحوه حتى قبل أن يفتح فمه. إنه مجبر على أن يضع قناعاً على وجهه لكي يستطيع أن يُكمل مهمته على أفضل وجه ممكن، لكي يستطيع أن ينجز مؤلفاته وكشوفاته الكبرى قبل أن يقتلوه. وما هي مهمته في الحياة؟ تفكيك الأفكار التراثية الشعبوية الطاغية التي تتخذ صفة اليقينيات المطلقة التي لا تقبل النقاش. هل نعلم بأن المعري طبق هذه القاعدة حرفياً قبل ديكارت بسبعة قرون؟ وراء كل صفحة من صفحات رسالة الغفران تقريباً تبدو شخصية المعري مقنعة وماكرة إلى أقصى الحدود. إنه مجبر على الظهور بمظهر الإنسان المتدين التراثي التقليدي الذي لا تشوبه شائبة. ولكن خلف ذلك تكمن شخصيته الحقيقية. يكفي أن نقرأ ما بين السطور أو ما خلف السطور لكي ندرك ذلك. إنه يحلف بأغلظ الأيمان أنه مخلص كل الإخلاص للتصورات التراثية وملتزم بها كلياً. ولذلك ينبغي أن نقرأ رسالة الغفران قراءة مبطنة عميقة لكي نفهمها على حقيقتها. المعري أكثر مكراً مما نظن. تكاد تموت من الفرح والابتهاج، تكاد تنفجر من الضحك والانشراح، عندما تقرأ رسالة الغفران. لست بحاجة لأن تذهب إلى المسرح أو السينما لكي ترفّه عن نفسك. يكفي أن تقرأها. مسرحها أعظم وأكبر من كل المسارح العالمية. مسرحها العالم الآخر وجنة عرضها السماوات والأرض. إنك تسرح وتمرح في فضاءات شاسعة واسعة منتشرة على مد النظر. من هنا الطابع التحريري الهائل والإبداعي الخارق لرسالة الغفران.

تشعر بأنك أصبحت أكثر ذكاء عندما تقرأها، هذا إذا ما استطعت أن تصبر عليها حتى النهاية. ولهذا السبب قال عنها عباس محمود العقاد: «إن رسالة الغفران نمط وحدها في آدابنا العربية، وأسلوب شائق، ونسق ظريف في النقد والرواية. إنها فكرة لبقة لا نعلم أن أحداً سبق المعري إليها». هذا أقل ما يمكن أن يقال يا عملاق الفكر العربي. كان بإمكانك أن تقول أكثر بل كان يجب أن تقول أكثر. تأمل جيداً كيف يوزع المعري بكل مهارة واستمتاع، وأكاد أقول بكل خبث ودهاء، مشاهير العرب على الجنة والنار. يقول مثلاً:

«وينظر الشيخ في رياض الجنة فيرى قصرين منيفين فيقول في نفسه: لأبلغن هذين القصرين فأسأل لمن هما؟ فإذا قُرب إليهما رأى على أحدهما مكتوباً: هذا القصر لزُهير بن أبي سُلمى المُزني، وعلى الآخر: هذا القصر لعَبيد بن الأبرص الأسديّ، فيعجب من ذلك ويقول: هذان ماتا في الجاهلية ولكن رحمة ربنا وسعت كل شيء. فيسأل زهير: بم غُفر لك وقد كنت في زمان الفترة والناس هَمَلٌ لا يحسن منهم العمل؟ فيقول: كانت نفسي من الباطل نفوراً، فصادفت ملكاً غفوراً...

ثم ينصرف إلى عبيد فإذا هو قد أُعطي بقاء التأبيد، فيقول: السلام عليك يا أخا بني أسد. فيقول: وعليك السلام، وأهل الجنة أذكياء لا يخالطهم الأغبياء، لعلك تريد أن تسألني بم غُفر لي؟ فيقول: أجل وإن في ذلك لعجباً، أألفيت حُكماً للمغفرة موجباً، ولم يكن عن الرحمة محجباً؟ فيقول عبيد: أُخبرك أني دخلت الهاوية، وكنت قد قلت في الحياة:

من يسأل الناس يحرموه

وسائل الله لا يخيبُ

وسار هذا البيت في آفاق البلاد، فلم يزل يُنشَد ويخف عني العذاب حتى أطلقت من القيود والأصفاد، ثم كُرر إلى أن شملَتني الرحمة ببركة ذلك البيت، وإن الله لغفور رحيم.

فإذا سمع الشيخ - ثبت الله وطأته - ما قال ذانك الرجلان، طمع في سلامة كثير من أصناف الشعراء».

صفحات خالدة

أخيراً، ماذا نستنتج من كل هذه المهزلة، من كل هذه الفضيحة، من كل هذه التحفة العبقرية؟ نستنتج أن المعري استمتع كل الاستمتاع بتوزيع بعض المشاهير على الجنة وبعضهم الآخر على النار. ونستنتج أنه على الرغم من كل تظاهره بالوقار وصحة الاعتقاد لم يسلم من القيل والقال. على العكس، لقد شكوا فيه وكفّروه وزندقوه ومسحوا به الأرض مسحاً كما هو معلوم. وهذا يعني أن القناع الذي وضعه على وجهه لم يَدُم طويلاً ولم ينفعه شيئاً في نهاية المطاف. وهكذا حصل له ما سيحصل لديكارت من بعده بسبعة قرون. فهو الآخر كشف الأصوليون المسيحيون القناع اللاهوتي الكاثوليكي عن وجهه وكفّروه ووضعوا كتبه على لائحة الكتب المحرّمة أو الممنوع قراءتها. بل وقتله أحد الكهنة اللاهوتيين في السويد عن طريق دس السمّ له في القربان المقدّس، كما كشف أحد الباحثين الألمان. وهو اكتشاف انفجر مؤخراً كالقنبلة الموقوتة. ولكن بالله عليكم قولوا لي: من يستطيع أن يستشهد بمقولات شيوخنا القروسطيين التكفيريين في أي مؤتمر عالمي يُعقد عن الإسلام والفكر العربي؟ أتحدى أي مثقف عربي أن يتجرأ على ذلك. ولكن بإمكانك أن تُفحم الغرب كل الغرب بعبقرية شخص كأبي العلاء المعري. بإمكانك أن تفاخر العالم كله برسالة الغفران.

***

د. هاشم صالح

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 13 أكتوبر 2024 م ـ 10 ربيع الثاني 1446 هـ

سليمان بشير ديان الفيلسوف السنغالي البارز، أصدر هذه الأيام كتاباً مهماً بعنوان «نشر الكونية: الإنسانية عن طريق وسائل الإنسانية»، بلور فيه مقاربة جديدة لحوار ثقافات في عالم مفكك الأوصال، تتزايد فيه الجدران والحيطان العازلة. «ديان» يرى أن العالَمَ كلَّه تحول إلى وضع آبارتايد واسع على طريقة جنوب أفريقيا أيام نظام التمييز العنصري فيها، بما يستوجب إعادة الاعتبار لمقولة «إبونتو» التي تعني بلغة البونتو «العمل سوياً على تحقيق إنسانيتنا»، وهي العبارة التي اعتمدها الزعيمان مانديلا وديزموند توتو شعاراً لنضالهما السياسي ضد الفصل العنصري.

وكان الرئيس السنغالي الأول، الشاعر سنغور، يقول إن «زهو الاختلاف يجب ألا يحول دون سعادة الائتلاف»، وهو ما يعني بالنسبة للمؤلف السعيَ الحثيث من أجل تفعيل الرابطة الكونية الإنسانية في ما وراء التباين الجوهري في القيم والثقافات والمعتقدات.

وفي هذا السياق، يميز ديان بين نوعين من الكونية: الكونية العمودية الاستعلائية المفروضة بالقوة والهيمنة التي طبعت السياسات الاستعمارية في تصورها الأحادي للحضارة الكونية والمركزية الرسالية، والكونية الأفقية التفاعلية وفق تعبير الفيلسوف الفرنسي ميرلو بونتي الذي يعني به العملَ الفلسفي على بناء معايير التعددية والتنوع، مستنتجاً من هذا التمييز أن نهاية الكونية الأوروبية هي البداية الفعلية لكونية إنسانية حقيقية. والمطلوب هنا هو العمل على بناء مجتمع مفتوح كسمبولوتي مترابط في اختلافاته وتعدديته، عبر الخروج مما أطلق عليه محمد إقبال «وثنية العرق والقبيلة».

ولا يخفي ديان امتعاضه من أزمة الكونية في الفكر الغربي المعاصر، رغم أن الغرب الحديث هو الذي أبدع مقولة الكونية في مقوماتها وأبعادها الإنسانية الرحبة. لقد تأسست مقولة الكونية على مرجعيات ثلاث كبرى، أولاها فكرة الوعي من حيث هي تعبير عن الهوية الذاتية المشتركة بين البشر، وهي الإطار التصوري الشامل لحركية الفكر والبناء الاجتماعي للعصور الحديثة، وثانيتها التاريخانية، أي استكشاف آفاق التاريخ بصفته مدار الحركية الإيجابية التطورية للزمن وفق مسار تتابعي تخضع له كل المجتمعات والثقافات.

أما المرجعية الثالثة والأخيرة فهي العلم الوضعي التجريبي، منظوراً إليه بوصفه مسلكاً أوحد للحقيقة والمعنى، ونهجاً قابلاً للتعميم على مختلف الظواهر الطبيعية والإنسانية. لقد تعرضت هذه المرجعيات في العقود الأخيرة لانتقادات محورية، تركت أثرها السلبي على الوعي الإنساني بمسألة الكونية. وعلى مستوى فكرة الوعي، شهدت الفلسفة المعاصرة ظهور اتجاهات عديدة للخروج من براديغم الذاتية، وذلك بالتركيز على مقتضيات الاعتراف والتنوع والاختلاف.

وقد شكّل ما أطلق عليه البعضُ «المنعرج اللغوي» نقطةَ تحول كبرى في الفكر الغربي، بما دشنه من مسارات التأويل والتفكيك في ما وراء قصدية الذات المفكرة ومقاييس الإنسانية النظرية. وبالنسبة للنزعة التاريخانية، قامت العلوم الإنسانية منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، على تقويض المسلمات الغائية التتابعية في تصور الزمن الكوني الموحد، بما نلمسه في القول بتعددية الزمن التاريخي، وبالقطائع والانفصالات في موجة التغييرات التي تمس المجتمعات والثقافات.

وهكذا كان إعلان «نهاية التاريخ» (وفق عبارة الكسندر كوجيف التي اشتهرت مع فرانسيس فوكوياما) إعلاناً لنهاية الإنسان (حسب مقولة ميشال فوكو الشهيرة). أما النزعة الوضعية التي اعتبرت القوانين العلمية مفاتيح فهم الطبيعة والمجتمع، فقد تعرضت لانتكاسة قوية مع الإبستمولوجيات النقدية التي قوضت مفهوم «الحقيقة الموضوعية»، مظهِرةً أن النظريات العلمية ليست سوى مقاربات تجريبية محدودة بمجالها المخبري، تخضع للنفي الدائم والتفنيد المستمر، ولا تكون أبداً يقينية بل ملائمة مقبولة فقط، كما أن محاولة تمديدها إلى الظواهر الإنسانية ممتنعة، ومن ثم فإن ما يدعى بالعلوم الإنسانية هي مجرد معارف تأويلية لسانية تخضع لمسلك الفهم لا منطق التفسير الموضوعي الدقيق.

وبالرجوع إلى أطروحة ديان، ندرك أنه لا يدعو إلى النكوص نحو الضرب السابق من الكونية الذي يعبِّر عن تجربة فكرية ومجتمعية محدودة هي تجربة الحداثة الغربية في تصورها للطبيعة والتاريخ والعقل، وهي تجربة في طور التجاوز كما بينا في الملاحظات السابقة.

إنه يدعونا إلى إعادة بناء الكونية الإنسانية، لا الخروج من هذا الأفق المرجعي الذي هو مكسب كبير للبشرية الراشدة، وكل تنكر له يفضي إما إلى القول بتراتب وتفاوت الثقافات أو إلى اعتبارها جزراً متقطعة معزولة عن بعضها بعضاً. الكونية التي يدعو إليها ديان هي الكونية الكسمبولوتية التي تعد المثال الإنساني «فكرة موجهة» بالمفهوم الكانطي وليس واقعاً قائماً يفرض بالقوة أو بمنطق الاستنساخ. إنها كونية متقاسمة تبنى بمنطق الحوار والتفاعل الإيجابي والتضامن بين بني الإنسانية دون وصاية أو هيمنة أو مركزية ثقافية.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 13 أكتوبر 2024 23:45

«أنت فاشل»، هذا الخطاب «النووي» القصير الذي لا يتجاوز مركَّباً لغوي من كلمتين، إلا أنه كفيل بأن يحدِث دماراً نفسياً يوازي أثرَ زلزال قوي على غابة مطيرة، هشة التربة، خضراء يانعة تتوق للتمدد عالياً، راقصةً مع خيوط الشمس، وتظل هكذا حتى تأتي عاصفة السلبية محطِّمةً لأغصانها الغضة، وفارشةً حصيرةً صفراء بائسةً، بدلاً من ذلك الوشاح الأخضر الذي ينعش الروح بمنظره، ويطرب الآذان بحفيفه الناعم إذا ما حان وقت مرحه المعتاد مع نسمات الهواء العليلة.

إن الإنسان الذي يعيش في هذه الحياة يتنفس في كل دقيقة هواءً مجبولاً بـ «المحاولة» و«التحدي»، فيقوم جسدُه - على سبيل المثال - بكل ما أوتي من قوة بالتكاتف من أجل ديمومة الحياة، فتجذب الرئتين ما استطاعت من الهواء العليل وبطرد نقيضه، ويحتضن القلبُ قطرات الدم الصافي بقوة، ثم ينتفض مرسلاً مع كل قطرة رسائلَ في المحبة والحياة المتجددة لكافة زوايا وأجزاء وخلايا ذلك البدن.

وفي اتجاه موازٍ، يسعى الإنسان في رحلته المعرفية كلَّ لحظة لبناء هيكل تصميمي محكم مِن أجل الوصول للجديد والمبتكر، فإما أن تتكلل تلك المساعي بما نسميه «النجاح» أو أن تنتهي لما نصفه بـ «الفشل»، وقد آثرت التعبير عن هذين المصطلحين بصورة غير مطلقة بالكامل لما يترتب عليهما من تأثيرات تضرب في عصب الهمة والإرادة الإنسانية الباحثة عن الاستزادة المعرفية وتكوينها.

وحيث إن النجاح في أي خطوة أو مرحلة معرفية لا يعني البتة إعلان الوصول إلى القمة أو الاكتفاء المعرفي أو امتلاك الأدوات في إصدارها الأخير وهيئتها المثلى، فإنه تجب الإشارة إلى ضرورة ملحة في رحلة التجميع والحصاد والتكوين المعرفي، مما يقتضي إعادة قراءة النجاح والفشل، وإحاطة كل منهما بإيضاحات موازية، لا سيما أن الحديث عن الفشل بشكل خاص يمثل عقدةً فكريةً وثقافيةً ونفسيةً ذات أبعاد متعددة، حيث إن الفشل مظلوم بهذه التسمية، في حين من الأجدى اعتباره محاولة أولى على طريق النجاح وليس انكساراً أو تحطماً للفكرة والأداء والمهارات.. إلخ.

وليس أدل على ذلك من ما ورد في السنة الشريفة من نصوص دلت على احتواء الإنسان بكل احتمالات سلوكياته الصائبة والخاطئة، حيث تتجلى عظمة الخالق سبحانه وتعالى، حين اقتضت حكمته «عدم إجازة الخطأ»، وإنما الاعتراف بأنه جزء من شخصية وتكوين الإنسان، وبالتالي فهو معرَّض للوقوع في الخطأ، سواء بقصد أو بلا قصد، وهذا بحد ذاته أكبر محفِّز للحث على الإمعان والانتباه لكافة القرارات والسلوكيات والتخطيط المسبق والمحكم لها، وفي الوقت ذاته عدم الاستسلام أو الوقوف عند مجرد وقوع الخطأ.

وفي الإجابة على كل ذلك، فإن الصياغة الدقيقة لا بد أن تؤكد على أن كل إنسان يحاول ويصابر ذاته ويحتفظ بقوته النفسية الكامنة في محور مواجهة الصعوبات والتحديات، فهو إنسان ناجح يتجه إلى مستوى أكثر تطوراً وارتقاءً، سواء تكللت تجربته الحالية بالخروج بنتيجة ملموسة جديدة أم لا، أما الحديث عن الإنسان ونعته بـ «الفاشل» فذلك لا يكون إلا وصفاً قاسياً يعبر عن الإنسان الذي أفلت يديه وأرخاهما وأراحهما من عناء المحاولة، دون أن يدرك أن عناء الاستسلام أدهى وأَمَرّ.

***

د. محمد البشاري

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 25 سبتمبر 2024

في كتابه «أزمة العقل المسلم» الصادر عام 1986، قال عبد الحميد أبو سليمان: «والسبب الذي أدَّى إلى الفتنة وسقوط الخلافة الراشدة هو التغيير الذي حدث دون التفات كافٍ إليه، أو قدرة على تلافيه، ألا وهو تغير القاعدة السياسية التي ارتكزت إليها القيادة والخلافة الإسلامية الراشدة، فبعد أن كان الأصحاب و(كوادر) الأصحاب هم قاعدة دولة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقامت على أكتافهم دولة الخلافة الراشدة بكل ما يمثله الأصحاب من نوعية وتوجه وإعداد ونضج وتربية، وفي زحمة الأحداث وتدافعها... فإننا نجد أن المجال قد أفسح واسعاً لتدفق رجال القبائل من الأعراب، وعلى ما كانوا عليه في ذلك الوقت من عصبية وجهالة من مضاربهم في أطراف البوادي للانضمام إلى جيش الفتح مع تقلص دور الأصحاب المتضائل بسبب السن والاستشهاد. لقد مكّن هذا في النهاية للأعراب من جيش الدولة بكل ما حملوه معهم إلى جانب معالم الإسلام العامة من المفاهيم القبلية والعصبيات، والذين لم تخضع نفوسهم لما خضع له الأصحاب من تربية وتدريب وتوعية على مدى سني الدعوة والمعاناة، وعبر عقود بناء الدعوة والمجتمع المسلم بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوائل الخلفاء الراشدين...».

ووفقاً لتفسيره «كان لا بد أن تنشب الفتنة وأن تسقط الخلافة ليقوم مقامها سلطان القبلية والعصبية والاستئثار والاستبداد، وكان طبيعياً أن لا تدوم على مدار أكثر من قرن من الزمان قائمة للجماعة القليلة من رجال الالتزام الإسلامي في مكة والمدينة، وأن تدمر صفوف الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير ومحمد ذي النفس الزكية وزيد بن علي وسواهم في حروب أهلية طاحنة، كانت الغلبة فيها للقاعدة القبلية الواسعة لتزداد تمكناً بتقدم الأزمان مع جموع الأمم الوافدة على الإسلام من فرس وروم وهند وترك، وسواهم من الأمم التي انضوت تحت لواء الإسلام دون أن تتاح لها الفرصة للتربية والتدريب كي يصهروا نفوسهم في بوتقة الإسلام الخاصة الخالية من شوائب الجاهليات والعصبيات والباطنيات».

ومع أنَّ الأعراب والقبلية العربية هما في تفسيره كانا «بداية الانحراف والتباعد عن غايات الإسلام ومفاهيمه الخاصة ومنهجه السليم»، فإنهما في تفسيره بداية ليس لهما نهاية، كما نرى ذلك في المقتبس السالف. فهما في هذا المقتبس ازدادا تمكنّاً بتقدم الأزمان وبتوالي العصور في تاريخ الإسلام مع جموع الأمم الوافدة على الإسلام من فرس وروم وهند وترك وسواهم من الأمم. عبد الحميد أبو سليمان في مقتبساتي منه في هذا المقال، وفي المقال السابق، يفرد الجيش الإسلامي بالذكر. وعليه نفهم أنه مع إنشاء جيش محترف في الخلافة العباسية وقيامه على عناصر غير عربية إلى جوار العرب، أن القاعدة القبلية العربية كانت تزداد تمكنّاً!.

وفي بلاد السند والهند ابتداء من الدولة الغزنوية التي توغلت في شبه القارة الهندية، كانت الدول الإسلامية التي توالت على حكمها إما فارسية وإما تركية، فما محل القاعدة القبلية العربية في جيوشها من الإعراب؟!

وهذا السؤال أكرر طرحه مع الدولة العثمانية من بدايتها إلى نهايتها، ومع دولة المغول في الهند من بدايتها إلى نهايتها، بحكم أنها آخر دولة إسلامية في هذه البلاد.

وأسأل أين الأفارقة، كالأحباش والبربر في «جموع الأمم الوافدة على الإسلام» التي عدّدها؟ قد تقولون إنهم يدخلون في عبارة «وسواهم من الأمم». سنرى إن كان ذلك صحيحاً في مقتبس آخر منه.

في بحثه «الأسباب التاريخية لانحراف المجتمعات المسلمة والمنطلقات الإسلامية لتصحيح البنية الحضارية المعاصرة»، الذي ألقاه في اللقاء الرابع للندوة العالمية للشباب الإسلامي المعقود بالرياض عام 1979، قال: «وكان ذلك التحول وما يتبعه من تحولات من دولة المدينة إلى دولة دمشق، ثم بغداد وما وراء دمشق وبغداد، وبكل ما أضافت تلك التحولات من ضباب الرؤية وعماوات جاهلية قبلية عربية وفارسية وهندوكية ورومية وغربية، بداية الانحراف الذي أرسى وعمّق عزلة القيادة الفكرية الإسلامية عن القيادة السياسية الاجتماعية».

لندع الآن جانباً العزلة أو ما يسميه بـ«حال الانفصام والمواجهة بين فكر المدينة (يقصد دولة المدينة أو يثرب) ومنطلقاتها، وبين السلطات السياسية في الدولة الجديدة» لأني سأعرض له في مقال من مقالاتي الختامية عنه، ولنتوقف عند «الجاهلية القبلية» التي لم يقصرها على حياة العرب قبل إسلامهم، بل شمل بها «جموع الأمم الوافدة الإسلام».

كان الجديد في «جاهلية» أبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي وسيد قطب ومحمد قطب أنهم أخرجوا حالة «الجاهلية» من نطاق زمني محدد، ومن كونها خاصة بحياة العرب قبل البعثة المحمدية إلى حالة ذات ماهية لا زمنية أو أبدية استمرت مع العرب وغير العرب بعد أن دانوا للإسلام وتدينوا بالإسلام، وشملت وتشمل كل من عليها من بشر وحضارات، بما فيها حضارة القرن العشرين. وما من شك أن المودودي والندوي والأخوين قطب في تنظيرهم «للجاهلية» أنها عندهم قائمة على «عماوات» لكنهم لم يحصروها بـ«القبلية».

وهذا ما خالف فيه عبد الحميد أبو سليمان هذا التنظير وخرج عليه، فهو مدّ «القبلية» ومطّها إلى الحد الذي انقلبت فيه «القبلية» على يديه إلى «كوزموبوليتانية»، فيها عرب وفرس وروم وهنود وترك، وفيها «غربيون»!

مع أن «الكوزموبوليتانية» على الضد من «القبلية» وعلى الضد مما هو أكبر منها، وهي «القومية».

هل عرفتم الآن من هم الأقوام الذين يدخلون في عبارته «وسواهم من الأمم»؟

إنهم «الغربيون» فقط!

مع أن «الغربيين» أو «الفرنجة» لم يكونوا ولا كانوا في عصر ما من «قوميات» الإسلام - أو حسب تنظيره - من «قبائل» الإسلام. وللحديث بقية.

***

علي العميم

عن صحيفة الشرق الاوسط اللندنية، يوم: الأحد - 26 ربيع الأول 1446 هـ - 29 سبتمبر 2024 م

 

دانيال دينيكولا في محاولة لفهمه

سرد الفيلسوف اليوناني أفلاطون في كتابه «الجمهوريّة» حكاية الكهف الرمزيّة، التي ما لبثت أن أصبحت الصورة الأكثر شهرة عن «الجهل» في مجمل تاريخ الفلسفة. وفي الحكاية، فإن الجهل مثل مجموعة من البشر تقطن في ظلام كهف تحت الأرض، مقيدة من الساقين والرقبة حتى تتعذر عليهم الحركة حتى لإدارة رؤوسهم، ولا تتوفر لديهم ذاكرة أخرى للحياة؛ لأنهم سُجنوا بهذه الطريقة منذ الطفولة. أمامهم، لا يرون سوى الظلال المتحركة التي تُلقيها أشياء غير معروفة لهم، مضاءة بنار متراقصة يخبرنا أفلاطون أنها تقع في مكانٍ ما خلفهم لا يمكنهم رؤيته. هذه المجموعة من البشر التعساء لا تعرف شيئاً عن هذا العالم سوى تلك الظلال، ولا تسمع سوى أصداء من أصوات الحراس، الذين لم يسبق لهم أن رأوهم قط. وعلى هذه الحال يقضون أيامهم.

«الجهل» في هذا التمثيل المروّع ليس مجرد كهف مظلم فحسب، بل مأزق شديد ومحنة تامة عدّها أفلاطون أسوأ من السجن، وأبشع من العبودية، وأقرب إلى الموت، فيقول، مستعيراً من «الأوديسة» لهوميروس عند إشارته إلى الموتى الذين يقطنون في جحيم الآخرة، حيث يظلّ «من الأفضل أن تكون خادماً متواضعاً لسيد فقير، وأن تتحمل أي شيء في هذه الدنيا، بدلاً من أن تعيش وترى ما يرون». وبينما نتأمل هذا المأزق الأفلاطونيّ المحكم، ندرك أن غياب الحريّة - وفي الصورة هنا حجز الحركة الجسديّة - يحصر عالم تجربة البشر في لُجة الجهل العميق، ويمنع عنهم خوض تجارب جديدة تتيح لهم التعلم وتفتح أمامهم آفاقاً مغايرة لما عهدوه، فيعجزون عن فهم الأشياء، أو الانشغال بأمور ذات قيمة، أو تذوق أي قيمة من قيم الجمال. إن الجهل يبدو، وفق أفلاطون، وكأنه نتاج العجز، على أن الجهلة، في حكايته، لا يدركون ولا يمكنهم أن يستوعبوا طبيعة محنتهم التي فيها يرزحون، إذ سيؤمنون في كل وقت بأن الحقيقة ليست سوى تلك الظلال المتراقصة أمامهم على جدار الكهف، وستكون تجارب حياتهم مزيجاً من خيالات مختلطة برجع صدى أصوات حرّاسهم.

كهف أفلاطون بالطبع محض خيال، وسرعان ما يشعر قارئ «الجمهوريّة» بالامتنان، لبُعدنا عن ذلك المكان القاسي والخانق بسجنائه المساكين، لكن بعد ذلك، وبشكل مرتجل تقريباً، يأتي بيان أفلاطون الصارخ والمخيف: «إنهم مثلنا، وتلك صورتنا». ومن هذه النقطة تحديداً ينطلق دانيال دينيكولا، أستاذ الفلسفة في كلية جيتيسبيرغ بولاية بنسلفانيا، في كتابه الصادر عن مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا؛ «فهم للجهل: التأثير الصادم لما قد لا نعرفه*»، في رحلة لاكتشاف أبعاد بحر الجهل، والتدليل على أنّه أبعد ما يكون عن مجرّد نقص في المعرفة.

يأتي هذا الكتاب في وقت من تاريخ العالم يُعرَف بعصر المعلومات، حيث لم تعد المعارف نخبوية الطابع بعيدة عن متناول الأكثرية، كما ظلّت عبر آلاف السنين، ومع ذلك يرى دينيكولا أننا قد لا نكون في كثير من الأحايين على دراية كافية، ناهيك عن تفشي المعارف الخاطئة، والاعتقادات الباطلة، والتعامي الاختياريّ، والأخبار المزيفة.

يبدو هدف دينيكولا هنا أبعد من تقديم مطارحة فلسفيّة في الأبستمولوجيا (علم المعرفة)، إذ يصرّ، في غالب الوقت على الأقل، أن يُبقي الجدل قريباً من خبرة القارئ غير المتخصص، فيبدّد من أمامه المفاهيم الخاطئة الشائعة فيما يتعلق بظاهرة الجهل بوصفه أكثر من مجرد نقص أو غياب للمعلومات، بل نتاج تفاعلات ديناميكية ومعقدة مع المعرفة، مستعيداً التمييز - الشهير الآن بفضل خطاب لدونالد رامسفيلد (وزير دفاع الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش) - بين معلوم معلوم، ومجهول معلوم، ومجهول مجهول وكذلك معلوم مجهول، مستعيناً باستعارات مجازية لمقاربة الجهل: بصفته مكاناً، وحدوداً، وسدّاً، وتوجهاً.

يمكن للجهل أن يصوّر أقرب ما يكون إلى مكان/ زمان نسكن فيه: كهف أفلاطون - حيث الجهلة لا يدركون جهلهم ويركنون إلى اعتيادهم إياه ويعادون مَن قد يحاول لفت انتباههم إلى ما سواه فيحسبونه مُهَرطِقاً أو ضحية نظرية مؤامرة عليهم، مقابل فردوس «دانتي» مثلاً، نقيض الجحيم، حيث الجهل حالة سعادة يكتنفها انعدام للوعي.

الجهل ليس مجرد كهف مظلم فحسب، بل مأزق شديد ومحنة تامة عدّها أفلاطون أسوأ من السجن

أيضاً يمكن تصوّر الجهل بوصفه حدوداً فاصلة تُوقف تمدد معرفتنا، سواء الفرديّة أم الجماعيّة، لكن المساحة خارج تلك الحدود هائلة ومليئة بالوعود، والحدود نفسها ليست نهائيّة، ويمكن دائماً تحريكها من خلال التعلّم، لكن المسافة التي يمكن لبشريٍّ قطعها يومياً في استكشاف المعرفة؛ دونها سقوف، إذ لو قرأ المرء كتاباً في كل يوم من حياته فإن ذلك يبقى أقل من مجموع الكتب التي تُنشر سنوياً في الولايات المتحدة وحدها.

يمكن فهم الجهل كذلك بوصفه سداً نُشيّده باختيارنا عندما ننتخب ألا نعرف شيئاً، لاعتقادنا أنّه لا يستحق تكلفة المعرفة، أو لأنه لا يتناسب مع يقينياتنا الأيديولوجيّة، أو دوافعنا السيكولوجيّة العميقة.

وأخيراً، تخلق هذه الأماكن/ الحالات التي نخلد إليها، والحدود التي نقف أمامها، والسدود التي نختار تعليتها ما يمكن عدُّه أفقاً وتوجهاً لمقاربة الإنسان - والمجتمع - أيضاً علاقته بالعالم.

ومع توضيحه أشكال الجهل، يستعرض دينيكولا عدداً من مظاهره في مجتمعاتنا المعاصرة، ويطرح أيضاً تناقضات أخلاقية تتعلق به، إذ بينما يجري التعامل مع تجريد الجهل على أنه شيء مريع ينبغي القضاء عليه، يرى أيضاً أن بناء الثقة يتطلب أحياناً تقبُّل درجة معينة من الجهل، ثم يقترح منهجيات ممكنة لإدارة جهلنا من خلال الفضول، والسعي للمعرفة، وإلزامية التعليم، وتوظيف علوم الإحصاء والاحتمالات، وكذلك تنظيم العلاقات الاجتماعيّة من خلال الوعود، والعقود، والاتفاقيات، والالتزامات المتبادلة.

ولعلَّ أثمن ما ينتهي إليه دينيكولا في محاولته هذه القبض على الجهل هو تحذيره من الهدر على المستويين الفردي والجماعيّ الملازم للثقافة المجتمعية التي يصبح فيها الجهل مكوناً من التوجه الأيديولوجيّ، ومن ثمّ زعمه أن «الاعتراف بإمكانية جهلنا - حيث قد لا ندرك حدود فهمنا - هو باب الحكمة الذي وحده يفضي إلى مجال معرفي يسمح لنا بأن ندَع عنّا المعارف الخاطئة، ونقلل مساحة جهلنا العنيد بطلب المعارف؛ ولو بتعب وألم يرافق عملية التعلم».

***

ندى حطيط

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 5 أكتوبر 2024 م ـ 02 ربيع الثاني 1446 هـ

الحقيقة تلك الضالة التي ركضت خلفها العقولُ على مدى وجودِ الإنسان في هذا الكون. العلماء والباحثون والمفكرون والفلاسفة والأدباء، كلٌ قضى عمرَه بين الكتب، والمختبرات والمعامل، من أجل الوصول أو الاقتراب من إجابة عن أسئلة، نمت في عقله، حول أسئلة فكرية أو علمية.

المفكر والروائي والفيلسوف الإيطالي أومبيرتو إيكو، أحد الذين قضوا أعمارهم يجوبون طيات الزمن، وخطوات الإنسان الطويلة، بحثاً عن الحقيقة.

صدر مؤخراً كتاب باللغة الإيطالية بعنوان، «أية حقيقة؟» ضمَّ محاضرات ومقالات ونقاشات وندوات للمفكر الروائي أومبيرتو إيكو. الكتاب في 168 صفحة من الحجم المتوسط، لكنَّه يحتوي على عصارة مركزة، لفكر الرجل الذي يعدّ من رموز القرنين العشرين والحادي والعشرين، في الأدب والفلسفة والتعليم.

وُلد إيكو في مدينة ألكساندريا بشمال إيطاليا سنة 1932، في عائلة كبيرة. درس بكلية الآداب، وتخصص في فكر وفلسفة توما الإكويني، الذي يعدّ من كبار اللاهوتيين والفلاسفة في الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى، ورفعته الكنيسة إلى درجة القديس. درس الفلسفة اليونانية، وكذلك الدين والفلسفة الإسلامية عبر فكر ابن رشد. في تلك العصور ربطت الكنيسة الفلسفة بالهرطقة، وتعرّض الإكويني للملاحقة. اهتم أومبيرتو إيكو مبكراً بفلسفة الجمال في العصور الوسطى، على الرغم من أنها لم تحمل هذا العنوان آنذاك، لكنه وجدها في فكر الإكويني، وكانت أطروحته للدكتوراه عن توما الإكويني. انطلق إيكو في رحلته الطويلة وراء الحقيقة. اهتم بالسيميائية ودرسها وعلمها، وأضاف الكثير إلى مفهوم الهيرمونيطيقا، أو ما يمكن أن يطلق عليه التأويل. كتب الكثير عمَّا سمَّاه النص المفتوح، أي أن يكون القارئ شريكاً في النص المكتوب.

كتب إيكو الرواية، ونشر مؤلفات في الفكر والفلسفة، وكتب المقالات الصحافية، وقدم برامجَ في التلفزيون الإيطالي، وخاض الكثير من المعارك السياسية عبر وسائل الإعلام المختلفة.

في كل تلك الأعمال، كان سؤال الحقيقة، هو الحاضر دائماً.

روايته التي عبرت الآفاق، وتُرجمت إلى عشرات اللغات، وباعت ملايين النسخ في مختلف أنحاء العالم «اسم الوردة»، كانت الرحلة الطويلة في كهوف الزمن، وفي تضاريس العقول، والصراع البشري الممتد بلا حدود.

كتب إيكو، كل الأشياء تندثر، ولا يبقى منها إلا الأسماء. تلك الرواية التي جرى تحويلها فيلماً، تحركت في دوائر العصور الوسطى، مكتوبة بلغته. عجّت بالطلاسم والجرائم والغرائب، والحضور البوليسي، ولم تغب عن صفحاتها أنفاس السخرية. تحاور الديني مع الدنيوي في الدير الكاثوليكي الذي يعج بالغموض والصراع. الحقيقة كانت الميدان السري الغامض، الذي تدور فيه وحوله معركة، سلاحها الطمع والطموح.

في روايته التي حملت عنوان «العدد الصفر» اقترب إيكو إلى الأسلوب المباشر إلى حد كبير. العدد الصفر، هو النسخة التجريبية من الصحيفة، قبل صدورها، وعلى صفحاته تنشر أخبار عن أحداث لم تقع، وهنا تغيب الحقيقة، بفعل فاعل ومع سبق الإصرار. رواية أخرى لأومبيرتو إيكو «مقبرة براغ»، أطلق فيها العنان للخيال السياسي، وحشد فيها أحداثاً تاريخية، وبها اصطفاف لا يخلو من العنصرية والأحكام الضبابية. التجسس وبروتوكولات حكماء صهيون والخيانة والسامية. صارت الحقيقة قشة في غرفة مظلمة. بعد ذلك تطرف إيكو في الانحياز لإسرائيل والدفاع عنها بالقلم والصوت. هل كان ذلك تكفيراً عمَّا ساقه في روايته، «مقبرة براغ». زميله في الدراسة، وصديقه جاني إديتمو، كان من أشد المدافعين عن القضية الفلسطينية، وواجه إيكو في أكثر من مناظرة على وسائل الإعلام، ووضعه في موقف شديد الإحراج. قد تكون الحقيقة أحياناً، التي قضى إيكو عمره راكضاً خلفها، عصارة لزجة مراوغة، تفرّ من اليدين واللسان. في روايته «بندول فوكو»، يصب إيكو في الرواية، بأسلوب متحرك، رؤيته الفلسفية في المعرفة، التي تعبّر عن عدم الاكتمال في أي شيء. يتحرك البندول دون أن يصل إلى نهاية ما. إذ لا شيء يكتمل.

في كتاب «أية حقيقة؟» Quale Verita، يتحدث إيكو عن الكذب والتعالي، وفن إخفاء الحقيقة. في بعض وسائل الإعلام، وفي الخطابات التي يلقيها السياسيون، تسيطر الفاشية النفسية، ويصب التخويف والبطولة والحروب، في آنية الكلام والحروف، وتستحضر عقيدة ماني التي تضع النور في مواجهة الظلام، أي الخير في مواجهة الشر. تلعب الآيديولوجيا بالحقيقة، حيث تصبح الكلمات أقوى من الوقائع. استحضر إيكو دراسة الأستاذ الروسي فلاديمير بروب عن البنية الشكلية للحكايات الخرافية، واقترح صياغة بنية شكلية للكذب. وقف عند ما صدر عن بعض الزعماء السياسيين في العالم، مثل الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، في قضية ووترغيت، وما صدر عن رئيس الوزراء الإيطالي السابق بيرلسكوني في كثير من المواقف، وغيرهما. وتحدث عن السرقات الأدبية، وعما سمَّاه حروب الإنترنت على الحقيقة.

حصل أومبيرتو إيكو، على أربعين شهادة دكتوراه فخرية، وباعت روايته «اسم الوردة» أكثر من أربعين مليون نسخة. ضمت مكتبته خمسين ألف كتاب. قال في آخر أيام حياته، لم أقرأ ولم أتعلم شيئاً.

سئل أحد أصدقائه: لماذا لم يحصل إيكو على جائزة نوبل للآداب؟ أجاب: ربما كان يستحق جائزة أعلى منها. هل كان يقصد جائزة «الحقيقة»؟

***

عبد الرحمن شلقم

عن صحيفة الشرق الاوسط اللندنية، يوم: السبت - 02 ربيع الثاني 1446 هـ - 5 أكتوبر 2024 م

 

في كتابه الأخير «المعركة من أجل سياسة مقبولة: الليبرالي من حيث هو صفة»، يقدم الفيلسوف الأميركي مايكل والزر تمييزاً مهماً بين التصورات الفكرية والمجتمعية لقضايا السياسة والتغيير الاجتماعي ونمط الممارسة الليبرالية التي تستوعب أشكالاً عديدة ومتباينة من الرؤى والمواقف الفكرية والأيديولوجية.

أهمية هذا التمييز تكمن في كون الليبرالية قدّمت نفسَها في سياقات عديدة بصفتها مرادفةً للتنوير والتحديث والديمقراطية، مع أن العبارة لم تكتس دلالةً إيجابية إلا بصفة متأخرة وما تزال إلى اليوم تفتقر إلى التدقيق والتمحيص.

وفي كتابه الجديد ينطلق والزر من خلفيتين متمايزتين: النقاش الفلسفي الذي عرفته أميركا الشمالية منذ سبعينيات القرن الماضي حول معايير العدالة التوزيعية في مجتمع تعددي حر، وقد تمحور حول الجدل الليبرالي المجموعاتي بعد صدور نظرية جون رولز في العدالة، والنقاش السياسي الراهن حول علاقة الديمقراطية والليبرالية إثر تنامي الحركات الشعبوية في الغرب، والتي لا يتردد بعض رموزها في اعتماد «الديمقراطية غير الليبرالية».

وفي هذا السياق المزدوج، تغدو إشكالية الليبرالية مطروحة بقوة، مع العلم بأن المقولة تحيل في المعجم الدلالي الأميركي إلى الديمقراطية الاشتراكية بالمعنى الأوروبي، في حين تحيل في النطاق الأوروبي إلى ما هو أقرب للنزعة الرأسمالية الفردية حسب المنظور الأميركي. لا بد هنا من التذكير بأن التعددية السياسية في المجتمعات الديمقراطية الغربية تتجسد في مقاربات متنوعة أهمها: الفردانية الذاتية التي تدعو إلى تقليص سلطة الدولة إلى الحد الأدنى، والنزعة المحافظة التي تحافظ على تركة التقليد والاعتقادات المؤسسية الجماعية، والأطروحة المجموعاتية التي تتأسس على معايير الاعتراف والتعددية الثقافية.

«والزر» يرى أن كل هذه الاتجاهات لا تتعارض مع الليبرالية التي ليست بالنسبة له فلسفة كلية أو رؤية للعالم، بل هي طريقة في ممارسة السياسة تقوم على الانفتاح والتسامح وقبول التعددية ورفض العنف والتسلط والإكراه.

ولا يهم بالنسبة له التباينُ حول التصورات الجوهرية للخير المشترك، ولا يرى -على طريقة رولز- أنه يمكن تجاوزها من خلال مقاربة إجرائية صورية للعدالة، فالاعتبارات الأخلاقية العقدية تظل دوماً حاضرة مهما حاولنا التحرر منها، بل إنها مطلوبة ومفيدة لما تقدمه من دوافع فاعلة لممارسة العدالة وتوجيه سلوكيات الأفراد والمجموعات.إلا أن ما يميز الليبرالي هو ما سماه آخرون «الحياد الأبستمي» في الممارسة السياسية العملية، أي قبول التعددية والتنوع والتسامح مع الآراء المغايرة، وعدم السعي لفرض الرأي الخاص بالقوة والتحكم.

المشكل مع الشعبويات الجديدة ليس إذاً في توجهاتها اليمينية القومية أو المحافظة، بل في ميولها التسلطية الأحادية، وفي زعمها أنها تجسد روح الأمة أو الإجماع الشعبي، والحال أنها تعبر عن خيارات سياسية ظرفية مشروعة لكنها ليست مطلقة ولا نهائية.

وكما أن المشكل في الأيديولوجيات الاشتراكية الراديكالية، التي سيطرت بعد الحرب العالمية الثانية على مناطق واسعة في العالم، ليس توجهها الأيديولوجي في ذاته، والذي هو أحد أوجه التصور والرأي المتولدة عن المعادلة الصناعية الطبقية، بل الممارسة السياسية المغلقة والدوغمائية.. فإن الديناميكية الشعبوية التي أفرزتها تحولات الديمقراطية التعددية تشكل اليوم خطراً جديداً على المنظومة الليبرالية التي هي روح الديمقراطية نفسها.

وفي كثير من الساحات، كما هو شأن بلدان الجنوب بما فيها دول عالمنا العربي الإسلامي، ينظر إلى الديمقراطية كمجرد مسطرة إجرائية انتخابية لحسم الصراع السياسي، بمنأى عن العقل الليبرالي التعددي، بما أفضى في حالات كثيرة إلى نجاح وتحكم قوى سياسية وأيديولوجية متزمتة ومنغلقة رافضة لقيم التعددية والتسامح التي هي جوهر الليبرالية.

وكان فيلسوف الليبرالية الأهم في العصر الحاضر جون رولز قد تحدث، في كتابه «قانون الشعوب»، عن ما سماه «المجتمعات المقبولة» descent society التي وإن كانت تراتبية وغير ليبرالية، إلا أنها تشترك مع المجتمعات الليبرالية في خاصيتين محوريتين: جودة التنظيم والعقلانية، مما يسمح لها بأن تكون مكوناً فاعلا في نظام العلاقات الدولية.

والسؤال المطروح اليوم في بلداننا التي عرف بعضُها في السنوات الأخيرة أزمات حادة في نمط الانتقال السياسي، دون أن تتمكن من العبور الآمن إلى الديمقراطية التعددية، هو: هل نحتاج إلى ليبرالية المؤسسات والنظم أم إلى العقل الليبرالي نفسه بصفته الشرط الذي لا غنى عنه في ممارسة سياسية منفتحة ومتسامحة؟

بدون العقل الليبرالي، تتحول الإجراءات الانتخابية إلى ممارسة شكلية تفضي إلى نمط من الهيمنة «الشرعية» التي تقضي على تعددية الأفكار والآراء وتفرض باسم الإرادة الشعبية الموهومة مقاربةً أيديولوجية تقسِّم المجتمع وتؤدي به إلى العنف والتناحر.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

6 أكتوبر 2024 23:45

هل يعيد التاريخ نفسه؟ قال كار ل ماركس ساخراً: لا يعيد التاريخُ نفسَه، لكنه إن فعل يكون في المرة الأولى مأساة، وفي الثانية ملهاة أو كوميديا! ولستُ أذهب لذلك، فقد جرت من قبل أحداثٌ مشابهة لما يحدث الآن بين إسرائيل والعرب، أو بينها وبين إيران، وكانت مأساوية، وما يحدث منذ عام أش دّ مأساوية من كل المرات السابقة.

لكنّ ماركس كان يسخر، فالتاريخ لا يعيد نفسَه، بل كان يقصد أنّ المنتصر والخائب كليهما يصبح مضحكاً إن لم يتعلم من الدرس الأول، وحاول الإعادة بالطريقة نفسها. لدى الإسرائيليين وهمٌ أو أوهامٌ في هذه الفترة على الأقلّ بأنه يمكن من خلال التفوق العسكري والأمني والدعم الأميركي القضاء على حلم الدولة الفلسطينية.

وتقع القضية الفلسطينية منذ ثمانينيات القرن الماضي بين مأزقين: مأزق عدم القدرة العربية والفلسطينية على بلوغ هدف استعادة الأرض، ومأزق إصرار الإسرائيليين على إلغاء حقوق أكثر من سبعة ملايين فلسطيني من أجل بقاء دولتهم يهودية نقية فيما بين النهر والبحر. وبمقتضى أوسلو (1993) تخلّى كلٌّ من الطرفين عن بعض الحُلُم أو حدوده القصوى. لكنّ بعضهم الآخر غير الموافق من الطرفين تمكن من إنهاء الاتفاق، فانصبّ الجهد من جانب الدولة العبرية العميقة على إبعاد العرب عن فلسطين وعلى قسمة الفلسطينيين.

أما العرب، ومعهم السلطة الفلسطينية الضعيفة (حتى في نظر رعاياها)، فقد ظلُّوا على الإيمان باتفاقيات أوسلو، وضرورة تطويرها كما كان مخطَّطاً باعتبارها الحلَّ الوحيد السلمي والممكن. لكن الفلسطينيين الرافضين للحلّ السلمي استعانوا بإيران لتدعمهم في مواجهة الاحتلال.

ولأنّ الإيرانيين كان لديهم مشروع استراتيجي في المنطقة العربية، فقد رأوا أن حمْل راية فلسطين كان ملائماً. لقد ملأوا الفراغ الذي أحدثه غياب السلام بدعم حركات التحرير المذهبية والدينية، وتصدوا في الوقت نفسه لأميركا التي يساومونها عبر التحرش بإسرائيل من خلال الميليشيات التي نشروها في بعض الدول العربية المجاورة لها.

وما حققوا مكاسب في مواجهة إسرائيل، لكنهم نجحوا في السيطرة على بعض الدول العربية، وفي التنازلات التي منحتهم إياها الولايات المتحدة في فترة الإعراض عن العرب، وشن الحرب العالمية على الإرهاب. تعددت الأهداف الاستراتيجية لإيران، ومن ضمنها النووي، وظلت على الاعتقاد الذي غذاه الجنرال سليماني بأن الميليشيات المنشورة، وبخاصةٍ «حزب الله»، قادرة على أن تظل أداة صالحة لإحقاق الأهداف القديمة والمستجدة.

كان هجوم «طوفان الأقصى»، بعد نداءات «وحدة الساحات» من حسن نصر الله، خطأً مأساوياً في التقدير. فقد ردَّت حكومة نتنياهو، وبدعم أميركي مطلق، بتدمير غزة خلال عام، ثم ارتأت ليس تدمير منطقة الليطاني اللبنانية لإبعاد الحزب، بل تدمير الحزب نفسه، ودائماً بدعم أميركي هائل.

قضية فلسطين وشعبها لن تزول، فقد حضرت قبل «حماس» وستبقى بعدها. والشعب اللبناني ذو الخمسة ملايين نسمة لا يمكنه البقاء دولة ذات سيادة إلا بزوال السلاح والمسلحين من على أرضه، ومعهم الاستخدامات الإيرانية. وثمة حاجة إلى مراجعةٍ جذرية للتقديرات والسياسات التي خالطتها أوهام كثيرة.. فهل يحدث ذلك؟

***

د. رضوان السيد

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 6 أكتوبر 2024 00:24

 

يبدو من اللافت تبدل السياقات والمفاهيم والدلالات في المنظور الإنساني والفلسفي والثقافي، بحيث تبدو أكثر جدوى في استثمارها وطبيعة فهمها، وبخاصة حين تتعلق بالمفاهيم التي لطالما تعرفنا عليها وبنينا في ذهنيتنا الباطنة، الواعية واللاواعية، وصفاً «سلبياً» بحقها.

ومن الأمور التي تدعو للفخر ضِمن التغير الملحوظ في الإدراك الإنساني، فيما يتعلق بمفهوم الخطأ (أي الفشل أو الإخفاق) أنه يقوم بإعادة تدوير ذلك لاستخراج معدن ثمين من قلب المفارقات التي لا تبدو شبيهة به.

ولولا الأخطاء لما وجدت التوبة وفضلها وانعكاسها على تربية النفس وتقويتها، ولما كانت هناك إشارات واسعة في مصادر التشريع، من قرآن كريم وسنّة نبوية شريفة، إلى الخطأ الإنساني وضرورة الانطلاق من تلك الأرضية نحو تغيير الواقع بشكل أكثر إيجابية ونفعاً. ويبدو ذلك جلياً في الحكمة الربانية التي اقتضت أن يكون ما يقارب ثلث القرآن الكريم من القصص الذي يضم سيّر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بالإضافة إلى قصص الأمم والأحداث الغابرة، إلى جانب مختلف القصص التي ضمت صوراً ومواقفَ من السيرة النبوية المطهرة، مما يعزز فكرة التغيير والتشجيع على ذلك استفادةً من التجارب والعبر السابقة.

ومن زاوية موازية، فإن مرور الإنسان بالتجارب السلبية في حياته، بجميع صورها، يعتبر محطة انطلاق جديدة من الارتقاء بمستوى التفكير والانتقال به من الجمود المعتاد والتلقين الرتيب، نحو فسحة واسعة من التفكير والتدبر، بما يفتح المجالات المختلفة للإبحار في أصناف وألوان عديدة من العلوم ومسارات التطور.

وقد بات الصعيد الأخلاقي يمثل الأساس المفقود في كل ملمح من ملامح الواقع الذي نعيشه عالمياً، والذي شهد اضطرابات مختلفة في هذا المجال، جعلت الوجود الإنساني يمر مرغماً بالعديد من التحديات والأزمات التي أعادته للوقوف مرة أخرى أمام المنظومة الأخلاقية كخيار أمثل وأكثر دقة عند اتخاذ قرار الازدهار والاستمرارية والاستدامة الإيجابية بين بني البشر. ففي هذا المستوى نجد أنه لولا مرور الإنسان بمرحلة من التعامل الخاطئ مع الأخلاق، وسوء المواءمة فيما بينها وبين إملاءات المسارات الأخرى، ومعاينته النتائجَ الوخيمة لذلك، لما وصل بعد كل هذا إلى اتفاق ضمني عالمي يعترف بالمشترك الإنساني الأخلاقي وينادي بضرورة الاتحاد في قيم التسامح والتعارف وبناء الخبرة القيمية في المعاملات والمشاريع والاستراتيجيات.

وأخيراً، نجد أن المقولات التي دائماً تشجعنا على النجاح باعتباره طرف الخيط في «سلسلة من النجاحات» اللامتناهية، لا تعتبر خاطئةً وإنما مفتقرةً للوضوح. وبمعنى آخر، فإن إحراز النجاح المخطط له يقود الإنسانَ بطريقة منطقية وسلسة لإعادة التجربة المبنية على الملاحظة والتنظيم والاختبار ليحظى بنجاح آخر. لكن، وفي الوقت ذاته، تجب موازنة هذه الفكرة بفكرة أخرى تفيد بأن عدم تحقيق النجاح المأمول لا يعد فشلاً، بل يعد المفتاح «السحري» للحصول على مخطط ممنهج ومنسق من الأخطاء المتتالية التي يجب الرجوع إليها ومعالجتها واحدةً تلو الأخرى، مما يحقق النجاح في المرة المقبلة ويجعلنا أكثر كفاءةً للحصول على «نجاح متزن وناضج». وكما يقول المفكر والكاتب إبراهيم الفقي فإن «الفشل ضروري للنجاح المتزن، ولولا وجود الفشل لما كان للنجاح قيمة».

***

د. محمد البشاري

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 2 أكتوبر 2024

 

خبراتنا في الحياة لم تعُدْ تُستَحْصلُ إلا بمشقّة مع تعقّد الحياة وتطوّرها

كنتُ أحسبُ أنّ العبارة الأيقونية الشائعة التي سادتْ في عقود سابقة بصيغة تساؤل: هل الفن للفن أم الفن للحياة؟ قد ماتت وتلاشى ذكرُها في لجج هذا العصر الذي تعاظمت فيه الفردانية بدفعٍ مباشر من المنجزات التقنية غير المسبوقة؛ لكنْ يحصل أحياناً أن تقرأ في بعض وسائل التواصل نقاشات قد تستحيلُ معارك سجالية يبدو أطرافها وكأنّهم لم يغادروا بعدُ أجواء الحرب الثقافية الباردة التي كانت جزءاً فاعلاً في الحرب بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي. ربما من المهم الإشارةُ إلى أنّ مفردة «الفن» في التساؤل الإشكالي تعني كلّ الضروب الإبداعية المتصوّرة من كتابة (تخييلية أو غير تخييلية) وشعر وفنون تشكيلية. أعتقدُ أنّ التساؤل السابق فاسدٌ في أساسه المفاهيمي لأنّه يُخفي رغبة مضمرة في تأكيد قناعة مسبقة سعى المعسكر الاشتراكي إلى ترسيخها ومفادُها أنّ الشيوعية تتناغم مع تطلعات الإنسان على العكس من الرأسمالية التي تعظّم فردانيته وجشعه ونزوعه الشخصي. علّمتْنا تجاربُ كثيرة أنّ التبنّي الآيديولوجي لأمثولة والترويج لها في سياق مقاسات محدّدة لنتاج أدبي هو وصفة مضمونة للرداءة الأدبية، ولستُ في حاجة إلى إيراد أمثلة عن أعمال كُتِبت في ظلّ «الواقعية الاشتراكية»، وكانت غاية في السخف والرداءة. ما سأسعى إليه في الفقرات التالية هو محاولة تفكيك الأساس الفلسفي الدافع للإبداع في حقل الأدب على وجه التخصيص رغم أنّ المقايسة يمكن تعميمها على جميع ضروب الإبداع الفني.

الحياة مشقّة رغم كلّ اللذّات الممكنة والمتاحة فيها، وخبراتنا في الحياة لم تعُدْ تُستَحْصلُ إلا بمشقّة باتت تتزايد مناسيبها مع تعقّد الحياة وتطوّرها. قارن نفسك مع أفلاطون مثلاً: بوسعك اليوم أن تحوز خبرات تقنية أعظم ممّا عرفها أفلاطون وكلّ فلاسفة الإغريق؛ لكنْ هل بمستطاعنا كتابة «مأدبة» حوارية فلسفية تتناغم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين؟ أشكّ في ذلك كثيراً؛ فهذا جهد أقرب إلى الاستحالة لأنّ الإلهاءات (Distractions) في حياتنا باتت كثيرة، وجعلت ملاحقة القضايا الوجودية الأساسية ووضعها في مقايسة فلسفية مناسبة - مثلما فعل أفلاطون - مهمّة مستعصية. ربما سيتساءل سائل: ولماذا لا نكبحُ هذه الإلهاءات من حياتنا ونعيش بعيداً عنها لكي نكون قادرين على امتلاك الإحساس الفلسفي اللازم لكتابة أفلاطونية بثياب معاصرة؟ لا يمكننا هذا لأنّه يعني - بالضرورة - العيش في جزيرة مهجورة. دعونا نتذكّر ما كتبه الشاعر اللاهوتي الإنجليزي جون دَنْ (John Donne): «ما مِنْ إنسانٍ جزيرةٌ لوحده». من غير هذه الإلهاءات تبدو الحياة وكأنّها تفكّرٌ طويل لا ينقطع في موضوعات الموت والشيخوخة والمآلات النهائية للوجود البشري المقترن بحسّ مأساوي. لا حياة بشرية تسودها متعة كاملة. الإلهاءات تتّخذ في العادة شكليْن: شكل اختياري، نحن من يختاره (لعب، مشي، سفر، تجوال ليلي في الشوارع المضاءة...)، وشكل يتخذ صفة المواضعات القانونية (دراسة، عمل...). نفهم من هذا أنّ الإلهاءات مفيدة لأنها تبعدُنا عن الجلوس المستكين والتفكّر في ثنائيات الموت والحياة، والبدايات والنهايات، والطفولة والشيخوخة... إلى جانب تمكيننا من إدامة زخم متطلبات عيشنا اليومي.

الغوص في لجّة الإلهاءات اليومية حدّ الغرق فيها ليس بالأمر الطيب متى ما صار ممارسة روتينية نفعلها من غير تدبّر أو مساءلة. أظنّ أنّ أسباباً كثيرة تدفعنا لخرق هذه الممارسة أحياناً:

أولاً: الغرق في بحر إلهاءات المعيش اليومي يحيلُنا إلى الشعور البديهي بأنّنا كائناتٌ محلية مآلها الفناء، وقتية الوجود، محكومة بقوانين المحدودية الزمانية والمكانية. قد نكون كذلك في التوصيفات الواقعية؛ لكنّ أحد شروط العيش الطيب هو الطَرْقُ على هذه المحدودية بمطرقة ثقيلة بغية تكسير قشرتها السميكة التي تحيط بنا حتى لو تمّ الأمر في النطاق الذهني. أظنّ أنّ المسعى الكلكامشي حاضرٌ في كلّ منّا بقدر صَغُرَ أم كَبُرَ. العيش بغير ملامسة المثال الكلكامشي يبدو عيشاً باعثاً على أعلى أشكال الملل والشعور بخسارة الزمن والعبثية المطلقة لتجربة العيش البشري.

ثانياً: تقترن الإلهاءات اليومية للعيش بمناسيب متصاعدة من الضوضاء حتى بات الكائن البشري يوصف بالكائن الصانع للضوضاء. نتحدثُ اليوم عن بصمة كاربونية لكلّ فرد منّا، وهي مؤشر عن مدى ما يطرحه الواحد منّا في الجو من غازات مؤذية للبيئة. أظنُّ أنّ من المناسب أيضاً الحديث عن بصمة ضوضائية للفرد: كم تعملُ من ضوضاء في محيطك؟

نحنُ كائنات ضوضائية بدافع الحاجة أو التسلية أو الضجر. نصنع الضوضاء بشكل أو بآخر وبمناسيب متفاوتة. ثمة دراسات متخصصة ومعمّقة في علم النفس التطوري تؤكدُ أنّ البصمة الضوضائية يمكنُ أن تكون مقياساً تطورياً للأفراد. كلّما تعاظمت البصمة الضوضائية للفرد كانت قدراته العقلية والتخييلية أدنى من نظرائه ذوي البصمة الضوضائية الأدنى. ربما التسويغ الأقرب لهذه النتيجة أنّ مَنْ يتكلمُ أكثر يفكرُ أقل.

ثالثاً: هذا التسويغ يعتمد مقاربة غريبة توظّفُ ما يسمّى مبرهنة غودل في اللااكتمال (Godel's Incompleteness Theorem)، وهي مبرهنة معروفة في علوم الحاسوب والرياضيات، وأقرب إلى أن تكون رؤية فلسفية قابلة للتعميم، وهو ما سأفعله هنا. جوهرُ هذه المبرهنة أنك لن تستطيع البرهنة على صحة نظام شكلي (Formal System) باللجوء إلى عبارات من داخل نطاق النظام دوماً. لا بدّ أن يحصل خطأ ما في مكان ما. يبدو لي التعميم على نطاق العيش اليومي البشري ممكناً: لن تستطيع عيش حياة طيبة إذا ما اكتفيت بالقوانين السائدة والمعروفة للعيش. لا بدّ من نوافذ إضافية تتيحُ لك الارتقاء بنمط عيشك، وهذه النوافذ هي بالضرورة ميتافيزيقية الطابع تتعالى على الواقع اليومي.

رابعاً: العيش اليومي فعالية شهدت نمواً مضطرداً في مناسيب العقلنة حتى لامست تخوم العقلنة الصارمة المحكومة بخوارزميات حاسوبية. العقلنة مطلوبة في الحياة بالتأكيد؛ لكننا نتوق إلى كبح سطوة قوانين هذه العقلنة والتفكير في نطاقات غير معقلنة. اللاعقلنة هنا تعني عدم التأكّد اليقيني المسبق ممّا سيحصل انتظاراً لمكافأة الدهشة والمفاجأة بدلاً من الحدس الرتيب بالإمكانية الوحيدة للتحقق.

خامساً: العيش اليومي يقترن في العادة مع مناسيب عالية من المأزومية العقلية والنفسية. عندما لا تعيش بحكم الضرورة وحدك فأنت تتفاعل مع آخرين، وهذا التفاعل قد يكون هادئاً أو مشحوناً بقدر من الصراع الوجودي. لا ترياق لهذا النمط الصراعي المحتوم إلّا بكتابته وتحويله إلى مغذيات إبداعية أولية للكاتب. تحدّث كثيرٌ من الكتّاب عن أنّ الكتابة أضحت لهم مثل تناول حبة الضغط اليومية اللازمة لعلاج ارتفاع الضغط الدموي لديهم. إنّهم صادقون تماماً. من غير الكتابة يصبحون أقرب لكائنات شيزوفرينية يكاد يقتلها الألم والعذاب.

***

الأدب الجيّد بكلّ تلاوينه، مثلما كلّ فعالية إبداعية أخرى، ترياقٌ ناجع للتعامل مع الإفرازات السيئة المتلازمة مع وجودنا البشري. يخرجُنا الفن المبدع غير المأسور بمحدّدات الآيديولوجيا من محليتنا الضيقة ومحدّدات الزمان والمكان، ويؤجج جذوة المسعى الكلكامشي فينا طلباً لخلود افتراضي نعرف أنه لن يتحقق، ويكبح سطوة الإلهاءات في حياتنا ولو إلى أمد محدود كلّ يوم، مثلما يكبحُ مفاعيل الضوضاء البشرية فينا ويجعلنا نصغي بشهوة وتلذّذ إلى أصوات أعماقنا التي تقمعها الانشغالات البديهية والروتينية، ويفتح أمامنا نوافذ ميتافيزيقية تتيحُ لنا رؤية عوالم تخييلية ليس بمستطاعنا بلوغها من غير معونة الإبداع الفني. بعد كل هذا يجعلنا الإبداع الفني كائناتٍ تدركُ قيمة الموازنة الدقيقة بين مناسيب العقلنة واللاعقلنة في الحياة.

تترتب على هذه المقايسات نتائج مدهشة أحياناً وغير متوقعة، يمكن أن تجيب عن بعض تساؤلاتنا الممضّة. منها مثلاً: لماذا تمتلك الأعمال الأدبية والفلسفية الإغريقية خاصية الراهنية والاستمرارية في التأثير والتفوق على كثير من نظيراتها المعاصرة؟ يبدو لي أنّ الفلاسفة والأدباء الإغريق كانوا عرضة لتشتت أقلّ من حيث طبيعة وحجم الإلهاءات؛ لذا جاءت مقارباتهم أقرب للتناغم مع تطلعات الإنسان وقلقه الوجودي؛ في حين تغرق الأعمال المعاصرة في التفاصيل الجزئية ذات الطبيعة التقنية، وهي في عمومها تقدّمُ المعرفة التقنية في فرعيات دقيقة عوضاً عن التأكيد على الرؤية الإنسانية الشاملة.

أظنها متعة كبيرة لو دقّقنا في الأعمال الأدبية العظيمة، ورأينا كم تتفق سياقاتها مع معايير الوظيفة الإبداعية كما ذكرتها أعلاه. أظننا سنكتشف أنّ هذه الأعمال لم تكن مستعبدة لنسق آيديولوجي باستثناء إذا أردنا وضع الإنسان في مرتبة الاهتمام الآيديولوجي الأعلى مقاماً من كلّ ما سواه. ثمّ إنها أبعدتنا عن الإلهاءات اليومية الروتينية، وفتحت لنا نافذة في قشرة الوجود البشري الصلبة، وأنقذتنا من تسونامي الصراعات اليومية.

***

الفن للفرد الذي يعرف كيف يجعل الفن وسيلة للارتقاء بمعيشه اليومي، ومن ثمّ تحويله لخبرة جمعية منتجة. ربما قد يكون حاسوبٌ، وكوبُ شاي أو قهوة، وشيءٌ من طعام بسيط في مكان بعيد عن ضوضاء العالم لبعض الوقت الذي نستقطعه من زحمة انشغالاتنا اليومية هو كلّ ما نحتاجه لنصنع أدباً جيداً، وقبل هذا لنعيش حياة طيبة يبدو أنّ كثيرين يغادرون هذه الحياة وهم لم يتذوّقوا ولو القليل من لذّتها الكبرى.

***

لطفية الدليمي

عن صحيفة الشرق الاوسط اللندنية، يوم: 30 سبتمبر 2024 م ـ 27 ربيع الأول 1446 هـ

بين جون ستيوارت ميل وهيغل

في خريف عام 1826، عانى الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل، من انهيار عصبي مفاجئ. الذين يعرفون ميل وسيرته ونضاله القانوني وكتبه الفلسفية يعرفون أنه من أبرز الفلاسفة الإنجليز إلى جوار راسل وهيوم وهوبز وبيكون، ولعلّي لا أكون واهماً إن قلتُ إن مساهمته في التأسيس لمذهب «المنفعة» كانت أهم من مساهمة مؤسس المذهب جيريمي بنتام. هذا المذهب الذي ترجع أصوله إلى الإغريق، خصوصاً الفيلسوف المنسيّ أرسطبوس، تلميذ سقراط، وأبيقور، ثم حوّله الإنجليز من كونه مجرد مذهب للَّذة الفردية يدعو لِلعَبِّ من الملذَّات وتحاشي الألم إلى مذهب للمنفعة العامة، على مستوى الدول وتطورها. لقد ساهم ميل في صناعة مذهب يقول إن كل عمل بشري لا بد أن يهدف إلى تعزيز أعظم قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس، وكرَّس قدراً كبيراً من طاقته عبر العقود المتتالية لتقوية هذا المذهب وتحرير مخطوطات بنتام الشاقة. وأدخل في نطاق النفعية الدعوة إلى إصلاحات اجتماعية مختلفة تراوح بين تحسين العلاقات بين الجنسين وأجور العمال وحماية حرية التعبير وتوسيع دائرة الناخبين البريطانيين وحق المرأة في التصويت.

حدث الانهيار العصبي كان شائعاً بالنسبة إلى المشغولين بالفلسفة والفلاسفة ويبدو أنه كان ناجماً عن إرهاق ذهني تراكمي. لكنك حين تقرأ وصف ميل لتلك الحالة وما دار حولها من أيام، قد تصل إلى شيء مختلف. يبدو أنه قد فقد البوصلة وصار يشعر بأنه لم يقل شيئاً ذا بال، وأن كل مطالباته لو تحققت فإنها لن توصله إلى حالة الرضا التي عاش حياته ينشدها. لقد اكتشف فجأة أنْ لا جدوى من تحقيق أحلامه، لأن تحقيق الأحلام وإشباع الرغبات سيؤدي إلى السآمة والملل، كما حذّر آرثر شوبنهاور من قبل، وبالتالي سنبقى مثل البندول نتراقص بين الألم والملل.

في أعقاب هذا الاكتشاف، انزلق الفيلسوف إلى حالة من الاكتئاب استمرت ستة أشهر، ويبدو أن الأزمة كانت نتيجة طبيعية لقلقه بشأن إمكانية السعادة في العالم المثالي الذي سعى إلى تحقيقه؛ عالم بلا صراع.

رغم عظمة ميل فإنه كان حالماً أكثر من اللازم. في تصوري أن الفيلسوف الذي فهم حقاً حقيقة الوجود وسر الحياة هو هيغل من خلال منهجه الجدلي (الديالكتيك). ميزة فكر هيغل هي أنه يرحب دائماً بعالم تجتمع فيه المتناقضات، عالم صراع لا ينفك حتى يبدأ من جديد، عالم الأحزان والأفراح، عالم الفوز والهزيمة. بل عندما يأتي الحديث عن الحرب فإنه يرحب بها، متابعاً أستاذه البعيد هيراقليطس الذي قال «الحرب أُم الجميع». ليس حباً في سفك الدماء وإنما ينطلق هذا الموقف من عقلانيتهما الواقعية الصارمة. أولاً: لأن الحرب لا انفكاك عنها وأنها ستبقى تقع بين البشر على المصالح بغضّ النظر عما نقوله ونفعله، ولو تحول نصف سكان الكوكب إلى البوذية المسالمة لغزاهم النصف الآخر أو هيمنوا عليهم. ثانياً: أن الحرب نافعة وتؤدي إلى التقدم الحضاري.

إذا تصورنا كيف قَبِلَ هيغل الحرب، فلا شك أنه يقبل الحياة بمرّها وحلوها بنفس الطريقة. إنه لمن العقل أن نرحِّب بالتناقض، فالتناقض سر الوجود، وصراع الأضداد هو الحقيقة الأولى. هذا الصراع هو سبب كل تغير يحدث في العالم، وينبغي ألا نخاف من التغير. ثمة غاية سامية تكمن وراء التغير، هي قيادة الوعي المشترك بين كل البشر صوب المعرفة الفلسفية. فالوعي الحقيقي لا يحدث إلا بالخروج من دائرة الوعي الفردي المحبوس في ذاته، المعزول عن العالم، والارتفاع به إلى مستوى الصراعات الفكرية والشراكة العقلية والروحية، من خلال عيش الفلسفة بوصفها خبرة نرى فيها التاريخ كله، وبحيث تبدو الأحداث التاريخية كتحقق للفلسفة ينقلها إلى الواقع.

نحن نبصر التناقض وهو يسري في الطبيعة والفكر والإنسان في كل لحظة، نراه في حركة الكواكب، في تغير الظواهر الطبيعية، في تقلبات الأجواء، مثلما نراه في حياتنا الشخصية، في تناقضاتنا وانقلابنا على ذواتنا. في ذلك يقول هيغل: «إن التناقض مبدأ كل حركة وكل حياة وكل تأثير فعّال في عالم الواقع».

لا يوجد عالَم ساكن كعالم دعاة تطوير الذات وفلاسفة الزن، لأن العالم دائماً في حركة وتطور وتغير، وبالتالي فكل تصور سكوني مرفوض، وكل فصل بين المحسوسات والتصور العقلي مرفوض.

ولو أمعنَّا النظر لوجدنا أن عملية الصراع ليست مجرد نشاط ذهني ترفي، بل هي كل ما يحيط بنا من هذا العالم، من الثلج الذي يُنفى فيصير ماءً، والماء الذي يُنفى فيصير بخاراً، والحيتان التي تموت فيتحول بعض أجزائها عبر الزمن إلى نفط، كل ذلك يسير على نفس الخطة. وعندما ننظر إلى نظامنا الشمسي، سندرك أن هذا الكوكب الذي يوجد الآن في مكان، يُعلن أيضاً أن من طبيعته أن ينتقل إلى مكان آخر، لأنه لا مناص له من الحركة التي ستنقله إلى وجود مغاير. وعندما تنظر في نفسك، في أمسِك، فترى أنك كنت تسير في طريق ما، فتنزع نفسك اليوم إلى معارضة ما كنت عليه بالأمس ومسيرتك تلك، فينشأ صراع شديد بين الأمس واليوم وتُمزَّق، ثم يكون هناك مُركّب يتجلى في الغد. كل هؤلاء شهود عدول على صدق الديالكتيك وأنه واقع نعيشه في كل لحظة؛ في الطبيعة وفي الإنسان وفي الفكر. وكما قال هيغل: الفرح يظهر من خلال الدموع، والحزن الشديد يتجلّى في ابتسامة.

***

خالد الغنامي - كاتب سعودي

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 30 سبتمبر 2024 م ـ 27 ربيع الأول 1446 هـ

في إطار دراساته الهامة حول أزمة المجتمعات الليبرالية المعاصرة، يصدر هذه الأيام المفكر الاجتماعي الفرنسي «بيار روزنفالون» كتاباً جديداً بعنوان «المؤسسات الخفية»، يتجاوز فيه الجدل التقليدي حول الأشكال الإجرائية للديمقراطية التعددية وأثرها العملي على أهداف الحرية والعدالة التي هي المضمون القيمي للنظام الديمقراطي الحقيقي. النقطة المرجعية التي ينطلق منها روزنفالون هي ما أكده الكثيرون من أن الديمقراطية الانتخابية غدت مجرد ممارسة شكلية لا روح لها في المجتمعات الغربية، كما أن محاولات تصديرها إلى الخارج فشلت حيث كانت في غالب الأحيان واجهة صورية للتسلط والاستبداد.

ومن هنا يبين روزنفالون أن الديمقراطية الحقيقية ليست مجرد مسطرة إجرائية أو شكلا تنظيمياً محضاً، بل تقوم على مؤسسات خفية هي: السلطة والمشروعية والثقة، إذا تحققت كان النظام الديمقراطي متحققاً، وإذا غابت لا عبرة بالتنظيمات والإجراءات المستخدمة ولو كانت صارمة ودقيقة. المشكل في هذه المؤسسات الخفية أنها لا يمكن أن تتجسد في نُظم شكلية أو إجرائية، بل هي حصيلة تفاعلات اجتماعية وتجارب عملية ونتاج مشاعر وتقويمات حية. السلطة، على عكس الاعتقاد الرائج، شرط أساسي في الممارسة الديمقراطية الصحيحة التي تقتضي دولة قوية وقوانين فاعلة ونظاماً متماسكاً مطاعاً. منذ الخطيب والقانوني الروماني سيشرون إلى الفيلسوفة المعاصرة حنة ارندت، وضع المفكرون في الشأن السياسي تمييزاً دقيقاً بين الهيمنة والسلطة.

الهيمنة تحيل إلى التسلط والتحكم والاستبداد، والسلطة تحمل معنى الانقياد الطوعي الناجم عن الاحترام والتقدير، ولذا ربطتها ارندت وفق النموذج الروماني بالتقليد ومرجعية الماضي والموروث.ومع أن عالم الاجتماع الشهير ماكس فيبر ربط عضوياً بين السلطة والشرعية، معتبراً أن ما يميز المجتمعات الليبرالية الحديثة هو قيام شرعية السلطة فيها على المقومات القانونية البيروقراطية، فإن المفهومين متمايزين في الواقع، كما أنه من التعسف التفريق نظرياً بين مفهومي الشرعية والمشروعية على غرار نظرية فيبر التي انتقدها كثيرون في مقدمتهم الفيلسوف الألماني كارل شميت.

لقد ذهب الفكر السياسي الحديث إلى أن المشروعية مفهوم أخلاقي لا سبيل لضبطه وقياسه، ومن هنا ضرورة الاكتفاء بمعايير الشرعية التي هي أدوات إجرائية تنظيمية بحتة. ما يبينه روزنفالون هو أن الديمقراطية الحقيقية تقاس بالمشروعية في أبعادها الأخلاقية القصوى التي تمنح السلطةَ الهيبةَ والجلال، أما الشرعية الصورية فلا يتوقف عليها قبول مجتمعي بالضرورة بل قد تكون مجرد أداة للهيمنة.

أما الثقة كما يعرفها روزنفالون فهي التجسيد الحي لفكرة المصلحة المشتركة والإجماع العام، وهي شعور يبرز وينمو في إطار التفاعل الحي بين الحاكم والمحكومين. ولعل المشكل الأساسي الذي تعاني منه المجتمعات الليبرالية الحالية هو انحسار الثقة في السلطات الحاكمة، وإن كانت شرعيةً ومنتخبةً، كما ما يظهر في عزوف قطاع واسع من القاعدة الشعبية عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية وخروج الشارع المتكرر على الأنظمة الحاكمة.

وبتنزيل أطروحة روزنفالون على الواقع العربي، يظهر أن الأزمات الحادة التي مرت بها بلدان عديدة تكمن في العجز عن استيعاب متطلبات السلطة والمشروعية والثقة في أنظمتها السياسية. والأمر هنا يتعلق بالأنظمة العسكرية القائمة على الأحادية الحزبية، وبتجارب الانتقال الديمقراطي المتعثرة التي مرَّت بها دولٌ حاولت استنباتَ أشكال التعددية الليبرالية والآليات التنظيمية الانتخابية المتبعة في الغرب. وفي الجمهوريات الثورية، فشلت إجمالا الأنظمة الحاكمة في تحقيق مقتضيات المشروعية السياسية وفي الحصول على الثقة والقبول لدى القاعدة الاجتماعية العريضة، وأخذت في المقابل شكل التسلطيات الأحادية التي هي النقيض الحقيقي للسلطة بالمفهوم الأخلاقي الحقيقي.

ولقد أدت هذه الثغرات إلى تعريض السلم الأهلي والاستقرار الداخلي إلى الخطر، كما حدث في بلدان عديدة ما زالت تعاني مصاعبَ الانتقال السياسي ومن استشراء العنف والحروب الأهلية. و في بلدان أخرى، حاولت تطبيق مقاييس التعددية الحزبية والديمقراطية الانتخابية، غابت «المؤسسات الخفية» التي تحدث عنها روزنفالون، ولم تفلح الهياكل السياسية القائمة في ضمان التناغم الإيجابي بين السلطة والمجتمع، ذلك التناغم الذي هو مقياس صحة الحالة الديمقراطية في أي بلد.

وخلاصة الأمر، أن البلدان العربية التي نجحت في بناء أواصر الثقة بين الحكام والمحكومين على أساس شرعية الإنجاز وبنت دولا ناجعة بمؤسسات تنفيذية مستقرة، هي التي استطاعت تكريس وتجسيد الحكم الرشيد بدلالاته الثلاث المذكورة، أما أشكال البناء السياسي ذاتها فلا عبرة بها إن لم تفض إلى سلطة مطاعة وموثوقة ينقاد لها الناس بإجلال وإخلاص.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 29 سبتمبر 2024 23:45

 

"عجزت الفلسفات التقليدية عن تقديم منظومات أخلاقية قابلة للتنفيذ؛ فهي لم تقدم توضيحا للوسائل الواقعية والآليات العملية التي يمكن أن توصل لتحقيق الخير، والتي يمكن أن تساعد الإنسان على صناعة مجتمع متقدم.

لقد نجحت الفلسفات التقليدية في بناء أنظمة أخلاقية نظرية متماسكة، لكنها غالبًا ما افتقرت إلى أدوات عملية أو آليات واضحة لتطبيق تلك الأخلاق في الواقع العملي، خاصة في ظل التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

ولعل من أسباب عجزها أنها استغرقت في المفاهيم الأخلاقية المثالية، وغالبًا ما تكون بعيدة عن الواقع العملي. مثلًا، الفلسفات الكلاسيكية لأفلاطون وأرسطو قدّمت رؤية مثالية للأخلاق تقوم على الفضائل الفردية، لكن كيفية تطبيق هذه الفضائل في الحياة اليومية يظل غامضًا وغير ملموس.

ويعتمد كثير من الفلسفات التقليديةعلى النوايا المثالية وحدها كأساس للسلوك الأخلاقي، ولم تقدم أدوات واضحة للتعامل مع التحديات العملية المتجددة في الحياة اليومية. مثلًا، هي تدعو إلى الصدق والإحسان بشكل مثالي وعام، لكنها لا توضح كيفية تحقيق هذه القيم في سياقات معقدة مثل الاقتصاد أو السياسة.

وركزت الفلسفات التقليدية على الأخلاق الخاصة والفردية لكنها لم تبين كيف يمكن بناء أنظمة مجتمعية عامة ومؤسسية تدعم تطبيق تلك الأخلاق في المجتمعات. وهذا يؤدي إلى صعوبة تحقيق العدالة والفضيلة على نطاق واسع من دون دعم مؤسساتي وتنظيمي.

كما أن الفلسفات التقليدية جاءت في سياقات تاريخية وثقافية قديمة، ولم تكن مجهزة لمواجهة التحديات المتجددة سواء على مستوى عصرها أو على مستوى العصور التالية. ولذا كان من الطبيعي أن تبدو عاجزة أمام تحديات العصور الحديثة مثل: تحديات الذكاء الاصطناعي، وحقوق الإنسان، واقتصاد العولمة، والتكنولوجيا الجديدة، والحراك الاجتماعي، وتغير نمط العلاقات الدولية. وترتب على هذا أننا لم نجد في الفلسفات التقليدية إجابات واضحة عن كيفية التعامل مع القضايا الأخلاقية الجديدة التي فرضتها تلك التحديات. لا سيما وأنه توجد فجوة بين المبادئ الأخلاقية التي تدعو إليها الفلسفات التقليدية وبين تطبيقها الفعلي في الحياة اليومية. ويؤدي هذا إلى التناقض بين ما هو مثالي وما هو واقعي، مما يحد من فعالية هذه الفلسفات في توجيه السلوك الإنساني في الواقع.

ولم توضح فلسفات الأخلاق التقليدية حتى الآن الشروط الأولية لأخلاق التقدم، أي الشروط التي لابد من توافرها والتي بدونها لا يمكن ممارسة أخلاقيات التقدم، فمثلما لا يمكن الزراعة الجيدة بدون مناخ وأرض خصبة، فكذلك لا يمكن ممارسة أخلاقيات التقدم بدون الشروط القبلية. فبدون الشروط القبلية لا يمكن أن تكون هناك إمكانية لأن تكون فاضلا، وبدون هذه الشروط لن تكون هناك إمكانية لممارسة أخلاق التقدم.

وفضلا عن هذا فإن فلسفات الأخلاق التقليدية لم تقدم الضمانات الدنيوية التي تكفل تطابق السعادة مع الفضيلة في حياة الناس اليومية، أي أنها لم تقدم أنظمة تجعل الفضلاء سعداء في حياتهم، وتجعل الأشرار تعساء في المقابل. فكثيرا ما ترى الفضلاء - للأسف - تعساء، وترى الأشرار سعداء! فهذه الفلسفات تركت مهمة إحداث التطابق إلى قوى غيبية تحققها في العالم الآخر وليس في العالم المعاش، وبعض تلك الفلسفات لم تعبأ بهذه المسألة أساسا أو لم تتنبه إليها من الأساس.

وإذا كانت الفلسفات القديمة استغرقت في بيان كيفية التمييز بين الخير والشر؛ فهذه مشكلة شكلية أكثر من اللازم من وجهة نظرنا، لأن الخير واضح بذاته والشر واضح بذاته، ويمكن معرفتهما بالعقل المنطقي.

ومن جهة أخرى، انحرف كثير من الفقهاء ورجال اللاهوت عن طبيعة الدين الأخلاقية النقية وغيبوا مقصده الكلى؛ حيث حولوا الدين إلى سلطة ومؤسسة وكهانة، وحولوا الشرائع الأخلاقية للعمران إلى شرائع للنصف الأسفل من الجسد.

وانعكست الأولويات في التعامل مع الدين، مما أدى هذا إلى ما يسميه الفيلسوف الألماني «كانتKant» بالعبادة الزائفة التي تسعى لنوال اللطف الإلهي بطرق لا علاقة لها بالفضيلة الأخلاقية، لأنها تقوم على الالتزام الشكلي الصوري، وعلى مجرد الأداء الجسدي للطقوس والشعائر اعتمادا على أعمال الجوارح وليس أعمال القلوب، التي لا تتجاوز دائرة الحركة الجسمية إلى دائرة ارتقاء الروح، بينما يجب أن تجمع العبادات بين أعمال الجوارح وأعمال القلوب على حد تعبير الإمام الحارث المحاسبي في كتاب له يحمل هذا العنوان «المسائل في أعمال القلوب والجوارح».

ولا شك فى أن الأخلاق تعارض الدين المزيف، لكنها لا تعارض الدين النقي؛ لأن الخلاص في الدين المزيف يتم من خلال الطقوس والشعائر الجسدية وحدها، وليس من خلال الالتزام الخلقي والروحي، حيث يكون سبيل الخلاص في الالتزام الصوري المظهري بالعبادات وحدها دون المعاملات ودون ممارسة الأخلاق والفضيلة.

وفي الخطاب الديني الجديد، تكمن أهمية الدين النقي في أنه يقدم لنا «الأمل» في أن جهودنا النازعة إلى إقامة ملكوت الإنصاف والسعادة لن تضيع عبثاً. وتكمن أهمية العقلانية الروحية بالنسبة إلى الدين في أنها تساهم في تنقية الدين من التفسيرات المشبوهة التي يقدمها له أهل الكهنوت، كما تساهم العقلانية الروحية في إعادة تأكيد الوظيفة الأخلاقية للدين، وأن العبادة الحق تكمن في السلوك الأخلاقي؛ فالدين الحق فى جوهره عمل بالقانون الأخلاقي، والسلوك الأخلاقي النابع من الضمير وأداء الواجب هو العبادة الحقيقة"

***

د. محمد عثمان الخشت

عن صحيفة الاهرام المصرية، يوم: 29/9/2024م

 

أمضى حياته كلها في مكافحة التعصب الديني وتحليله وتفكيكه

أكبر خطيئة نرتكبها نحن المثقفين العرب هي إقامة المقارنة بين مجتمعاتنا العربية الإسلامية الحالية ومجتمعات الغرب المتطورة التي تجاوزت كلياً مشكلة الأصولية الدينية الطائفية. هذا ما يدعوه المؤرخون بالمغالطة التاريخية. ينبغي أن نقارن ما تمكن مقارنته، لا ما تستحيل مقارنته. بمعنى آخر، وبالعربي الفصيح، ينبغي أن نقارن أوضاعنا الحالية بأوضاعهم قبل 300 سنة حتى 400 سنة عندما كانوا لا يزالون يتخبطون في صراعاتهم الطائفية والمذهبية... عندئذ تصبح المقارنة ممكنة ومشروعة. ففي القرن السادس عشر أو السابع عشر، كانوا يعانون مما نعاني منه نحن حالياً؛ أي الحروب الطائفية والأحقاد المذهبية والذبح على الهوية. وأكبر دليل على ذلك سيرة حياة المفكر الفرنسي البروتستانتي بيير بايل الذي عاش في نهاية القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر (1647 - 1706). في ذلك الوقت كانت فرنسا كاثوليكية في غالبيتها الكبرى. ولكنها كانت تحتوي على أقلية بروتستانتية لا يستهان بها وتحاذي 20 بالمائة. وقد شاء له الحظ العاثر أن يولد في أحضان الأقلية لا الأكثرية. ولذلك هرب من الاضطهاد الطائفي من بلد إلى بلد حتى استقرت به الأمور في بلاد بروتستانتية مثله، هي هولندا. لقد عانى هذا المفكر الكبير من التعصب الديني إلى درجة أنه أمضى حياته كلها في مكافحته وتحليله وتفكيكه بغية الخلاص منه. فمن هو بيير بايل يا ترى؟ إنه الرائد الأول الذي سبق فلاسفة التنوير الكبار وأرهص بهم. فقد جاء قبلهم بقرن من الزمن. لقد مات عام 1706 في حين أن فولتير ولد عام 1694، أي قبل 10 سنوات من وفاته أو أكثر قليلاً. ومعلوم أنه كان يحبه كثيراً ويستشهد به كمرجعية فكرية كبرى بالنسبة له. ولكن الشهرة ذهبت لفولتير، لا إلى بيير بايل. فمن يعرف اسم بيير بايل في العالم العربي؟ لا أحد تقريباً. لقد كان بيير بايل مع الفيلسوف الإنجليزي جون لوك أحد المفكرين الكبار الذين ساهموا في انبثاق فكرة التسامح الديني وتجاوز الطائفية والمذهبية في أوروبا. وكان ذلك إبان احتدام الصراعات المذهبية بين البروتستانتيين والكاثوليكيين. وكان أول منظر يدعو إلى التسامح مع الجميع، بل كان يدعو إلى التسامح مع غير المتدينين، أي الأشخاص الذين لا يلتزمون بالطقوس والشعائر المسيحية. وبالتالي، فقد كان سابقاً عصره كثيراً. ومعلوم أن الرواد يجيئون قبل الأوان لكي يشقوا للآخرين الطريق. ولكنهم يعانون كثيراً بسبب ذلك ويدفعون الثمن غالياً.

كان بيير بايل ينتمي إلى الأقلية البروتستانتية الفرنسية. بل كان أبوه رجل دين، أي قساً بروتستانتياً. ولكن بايل الشاب غيّر مذهبه عام 1669 عندما أصبح طالباً في المعهد اليسوعي الكاثوليكي بمدينة تولوز. وذلك لكي يلتحم بالأغلبية الكاثوليكية وينجو من الاضطهاد والاحتقار الطائفي الذي تمارسه عادة الأغلبية على الأقلية. ثم اكتشف بعدئذ أنه أخطأ، لأن المذهب البروتستانتي كان أكثر تقدمية واستنارة من المذهب الكاثوليكي آنذاك. فعاد إلى مذهبه الأصلي بعد 18 شهراً فقط من اعتناقه للكاثوليكية البابوية. وهكذا خاطر بنفسه، لأن الملك لويس الرابع عشر كان يرفض أي ارتداد عن الكاثوليكية التي تشكل المذهب الرسمي للبلاد. وبالتالي، فقد أصبح الرجل مرتداً لأنه عاد إلى حضن «الهرطقة والزندقة» من جديد. وويلٌ لمن يفعل ذلك في فرنسا الكاثوليكية. سوف يباح دمه مباشرة.

ينبغي العلم أن صاحب المذهب البروتستانتي كان يعدّ زنديقاً مهرطقاً في ذلك الزمان، على الرغم من إيمانه بالمسيح والإنجيل كالكاثوليك. ولكن كانت هناك بعض الخلافات اللاهوتية التفصيلية الهامة مع الكاثوليك. علاوة على ذلك، فقد كان تفسيره للدين المسيحي أكثر عقلانية واستنارة، كما ذكرنا. ولذلك كانوا يكفرونه ويكفرون أتباعه ويحلّون دمهم. وقد عانوا من المجازر ما عانوه، ثم اضطروا إلى الفرار بمئات الألوف إلى الدول البروتستانتية المجاورة كإنجلترا وألمانيا وهولندا... ينبغي العلم أن جميع ملوك فرنسا كانوا يعتلون العرش، ويتم تنصيبهم الرسمي والشرعي في كاتدرائية مدينة «رانس» الشهيرة، التي طالما مررت أمامها وتأملت بمعانيها وشموخها، عندما كنت أقيم في تلك المدينة الصغيرة الوديعة التي تبعد عن باريس مسافة 45 دقيقة بالقطار. كانوا جميعاً يحلفون القسم التالي أمام الجمهور الكبير المحتشد داخل الكاتدرائية: «أقسم بالله العظيم سوف أستأصل الأقلية البروتستانتية المهرطقة الكافرة عن بكرة أبيها. سوف أنظف أرض المملكة الفرنسية الكاثوليكية الطاهرة من رجسهم وضلالهم». بهذا المعنى. كان آخر من أقسم هذا اليمين هو لويس السادس عشر، الذي أطاحت به الثورة الفرنسية عام 1789. وعندئذ أخذ البروتستانتيون حقوقهم كمواطنين لأول مرة في التاريخ الفرنسي. عندئذ نصّ الإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطن على ما يلي: ممنوع بعد اليوم منعاً باتاً أي تمييز بين إنسان وآخر على أساس طائفي. ممنوع إقلاق أي شخص أو إرعابه بسبب انتماءاته الدينية أو المذهبية. ممنوع تعييره واحتقاره لأنه لم يولد كاثوليكياً. الجميع أصبحوا مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، بمن فيهم البروتستانتيون، حتى اليهود. هذا ربيع حقيقي، هذا ربيع أنواري وتنويري. هذه ثورات حقيقية تقذف بك إلى الأمام، لا كذلك الربيع العربي القرضاوي التكفيري، الذي أوشك أن يعيدنا قروناً إلى الوراء.

لكن لنعد إلى بيير بايل وقصته. بعد أن تراجع عن المذهب الكاثوليكي وعاد إلى مذهبه الأصلي البروتستانتي عرف أنه أصبح مهدداً بالقتل فهرب إلى هولندا البروتستانتية مثله، واستقر في مدينة روتردام. وهناك وجد وظيفة كمدرس لمادتي الفلسفة والتاريخ. وراح ينشر مجلة أيضاً تحت عنوان «أخبار جمهورية الآداب». ومعلوم أن هولندا كانت في ذلك الزمان أكثر بلدان أوروبا تسامحاً وحرية، بالإضافة إلى إنجلترا. وإليها كان يلجأ الفلاسفة لكي يعبروا عن أفكارهم وينشروا كتبهم، كما فعل ديكارت مثلاً. نقول ذلك على الرغم من أنه كان كاثوليكياً ينتمي إلى مذهب الأغلبية، ولا يعاني في فرنسا من الاضطهاد الطائفي الذي أصاب بيير بايل وبقية أبناء الأقليات. ولكن ما كان يستطيع أن يتنفس بحرية ويبلور فلسفته الجديدة داخل جدران المملكة الفرنسية الكاثوليكية البابوية، التي كانت ظلامية متزمتة جداً في ذلك الزمان.

إن تجربة بيير بايل الشخصية في تغيير مذهبه واعتناق المذهب المعادي ثم العودة إلى مذهبه من جديد برهنت له على عبثية الإكراه في الدين. فالإنسان يعتقد أن دينه أو مذهبه هو وحده الصحيح، ولكنه لو ولد في الدين الآخر أو المذهب الآخر لاعتقد ذات الشيء أيضاً. المسيحي لو ولد في الهند لكان بوذياً أو هندوسياً براهمانياً، ولو ولد في الصين لكان كونفشيوساً... إلخ. ولهذا السبب عدّ بيير بايل أن الأمور نسبية وراح يتبنى مبدأ التعددية وحرية الضمير فيما يخص المعتقد الديني.

لقد ألف بيير بايل عدة كتب، شهرته وجعلته مقروءاً بكثرة طيلة القرن الثامن عشر، أي عصر التنوير الكبير. فقد راح فلاسفة التنوير من أمثال فولتير وديدرو وجان جاك روسو والموسوعيين يستشهدون بها لدعم مواقفهم المضادة للتعصب الديني والأصولية الكاثوليكية البابوية. نذكر من بين مؤلفاته كتاباً بعنوان «ما معنى فرنسا الكاثوليكية المتعصبة في عهد لويس الكبير؟» أي لويس الرابع عشر أعظم ملوك فرنسا وباني قصر فرساي الشهير. وفي هذا الكتاب يشنّ بيير بايل حملة شعواء على هذا الملك الجبار، الذي حاول استئصال البروتستانتيين عن بكرة أبيهم... كما انتقد بعنف التعصب المذهبي الذي كان سائداً في فرنسا آنذاك. وصبّ جام غضبه على الإخوان المسيحيين الكاثوليكيين الذين كانوا يكفرون الآخرين في كل أرجاء المملكة الفرنسية التوتاليتارية الإرهابية، التي تجبر الناس كلهم على اعتناق مذهب واحد غصباً عنهم. ثم نشر كتاباً آخر بعنوان «مرافعة من أجل الدفاع عن حقوق الضمير التائه» أي الضمير الحرّ في الواقع... إلخ. ولا ننسى كتابه الأكبر والأهم «القاموس التاريخي والنقدي» الذي فكّك فيه كل العصبيات الطائفية والفتاوى التكفيرية بشكل فلسفي دقيق ومقنع. وقد مارس هذا الكتاب الضخم تأثيراً كبيراً على جميع فلاسفة الأنوار اللاحقين.

كل هذه الكتب أزعجت الملك الكاثوليكي والسلطات الكنسية أيما إزعاج. فانتقموا منه عن طريق قتل أخيه «يعقوب بايل» في السجن، لأنهم كانوا عاجزين عن الوصول إليه هو شخصياً بسبب التجائه إلى المنفى الهولندي البعيد الخارج عن إرادتهم. والواقع أنهم عرضوا على أخيه اعتناق المذهب الكاثوليكي في آخر لحظة قبل تصفيته لكي ينجو بجلده، ولكنه رفض وعندئذ قتلوه. كانت الحزازات المذهبية على أشدّها آنذاك في فرنسا. ولكنها اختفت الآن نهائياً، ولم يعد لها أي وجود. وكل ذلك تم بفضل جهود الأنوار وفلاسفة الأنوار، وعلى رأسهم بيير بايل الذي سيستلم فولتير الشعلة منه، ويشنّ حرباً ضارية على الأصولية الكاثوليكية والتعصب الطائفي الأعمى كما هو معلوم.

***

د. هاشم صالح

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 29 سبتمبر 2024 م ـ 26 ربيع الأول 1446 هـ

مع ازدهار العلوم الاجتماعية وبروز المستعرب شريكاً ثقافياً

أثار المفكر المرموق أنور عبد الملك في حينه (1962) موضوعاً مهماً، وهو يعرض لأزمة الاستشراق. لم يتحدث أنور عبد الملك عن استشراقين، معرفي وسياسي، كما فعلت في كتاب «الاستشراق في الفكر العربي - 1993»، كان معنياً بالأزمة التي رافقت ظهور الحركة بصفتها المعرفية التي سرعان ما اختلطت بمصالح الاستعمار. ونبّه الدارس والعالم الاجتماعي المصري المقيم في باريس في حينه إلى العوائل الفلولوجية التي ساهمت المدارس الاستشراقية في ترسيخها على أساس انقسام العالم إلى آري، وآخر سامي يشتمل العرب، واليهود، والملونين، وغيرهم. كان التوزيع بمثابة تبرير استيطاني يشتغل بوجهين: فإذا أراد نابليون مثلاً الاستحواذ على مصر قبل إنجلترا فعليه ادعاء أمرين: أنه مسلم، وأسلم بحضور علماء مسلمين في القاهرة؛ ولكن أيضاً على أساس أن مصر شرق متوسطية، وبالتالي فهي تعود لفرنسا، لا إلى إنجلترا في التوزيع الاستعماري للمعمورة. ولذا كان فريقه من العلماء والباحثين يكتب «وصف مصر»، المجلد الواسع الذي تصدرته مقدمة تقول إن على مصر أن تتجاوز قروناً من «إسلاميتها» لتعود إلى الحضن المتوسطي - الفرنسي. هكذا تأتي المقدمة التي استدرجت مثقفين عرباً، من بينهم طه حسين. لم يذهب عبد الملك إلى هذه المساحة، ولم يذهب إليها الراحل المرموق المفكر إدوارد سعيد. كان إدوارد سعيد معنياً بالمكونات المعرفية لحركة تمايزية تمييزية تدعي المعرفة بالشرق، أي بالشرق الأوسط، والعرب والمسلمين تحديداً، قبل أن ينتقل مفهوم «الشرق» إلى جنوب شرقي آسيا. الشرق الأوسط التقليدي يصر «الدارس التقليدي» ورحالة الإمبراطوريات الناهضة هو الذي يعنيه سعيد؛ أي أنه مجموعة الانطباعات السطحية العائمة التي تعرض لسكان كتل بشرية عظيمة على أنهم كسالى مخدرون ثابتون على فكرة واحدة، لا أمل في تغييرهم إلا بنابض وحاضر أوروبي يديره الرجل الأبيض. من المفارقات التي لم يذكرها الراحل العظيم أن الدارس الإنجليزي المعروف صاموئيل جونسن، صاحب أول قاموس إنجليزي متكامل، كتب على لسان شخصيته المركزية «عملاق» الشاعر أن «إيثوبيا» الشرقية شأنها شأن مجاوريها تحتاج إلى رعاية «استعمار» أوروبي «شمالي» يتيح لها الخروج من وحدتها وجنوبيتها. إذ العالم منذ القرون الوسطى ينقسم إلى شمال وجنوب، ويسقط التوزيع الجغرافي سطوته على الديانات والأقوام، وكان أن عرض لهم بعض «تنويريّي» القرن الثامن عشر على أنهم يعانون سباتاً لا أمل منه من غير سطوة رجل أوروبا الأبيض. هكذا كان الذهن «التنويري» الأوروبي. علينا ألا ننسى أن «صاموئيل جونسن» هو من المبرزين في الحركة «الإنسانوية» لتمييزها عن غيرها لخصومتها مع دعاة العبودية والاستعباد. وإذا كان جونسن يميل إلى هذا المعتقد، فكيف لنا بغيره؟ علينا ألا ننسى ثانية أن جونسن قرأ ترجمات دارس الاستشراقين المبرز في المشرقيات سير وليم جونز وكتاباته، وهو الذي أطلق عليه تسمية «جونز الشرقي» Oriental Jones، بحكم انهماك الأخير في قراءة أدب العرب والفرس. وترجماته وكتاباته ذائعة ومؤثرة. وهو نفسه - أي جونز - الذي في نهاية حياته وعند مراجعته ورصده لهذا الانهماك يستنتج أن ثقافته الأم أهم من ذلك الذي قضى عمره في دراسته.

لم يتطرق الراحل سعيد إلى هذا الأمر لأنه كان معنياً بمجموعة التهيؤات والتصورات لعدد كبير من الرحّالة والكتّاب لما كان يتصورونه شرقاً رثاً ساكناً شهوانياً لا فكر له ولا مستقبل من دون اللمسة الإمبراطورية. دعني أضيف: إنهم يستكملون ما بدأه بارتياح، بالغ دانيل دفو في روايته الذائعة منذ صدورها 1703 «روبنسون كروسو» التي تعرض إلى الشرق وأفريقيا أرضاً بوراً يسكنها ويعمرها كروسو ليلقن فرايدى الأسود الطريد لغته التي تبتدئ بالرضوخ، أي بمفردة: نعم. والخلاصة: أن أرنست رينان سيقفز على حصيلة هذا التراكم. وسيستعمر هو الآخر نتاج «دي ساسي» ليعيد توظيفه في التوزيع الفلولوجي الفقهي للعالم على أساس آري - سامي، ولم يعنِ رينان بالتوزيع ما بين شمال وجنوب مستعْمِر ومستعْمَر. كان معنياً بالتوزيع المتناقض في رأيه ما بين آري متماسك تركيبي عقلاني حضاري، وآخر سامي راكد ساكن. ولكن نظرية أرنست رينان التي سادت في حينه واجهت مشكلات نهاية القرن التاسع عشر، وحصيلتها النهائية للديمقراطية الانتخابية التي فسحت المجال للهجرات والأقليات، ولا سيما الأقلية اليهودية الناشطة القادمة من ألمانيا، التي استفزتها منذ زمن نظرية العرق الجرماني الذي يسعى للمّ الشمل والتكامل على أساس نقاوة العرق الجرماني. هذه النظرية التي سيسخر منها بصراحة المثقف العراقي المظلوم، ذو النون أيوب، في روايته «الدكتور إبراهيم» هي التي تشكل البذر النازي. وإذا كان يهود أوروبا من الكتّاب ورجال المال يؤثرون إنجلترا وفرنسا هرباً من ألمانيا منذ نهاية القرن التاسع عشر، فإن الأمر الذي تمخض جراء ذلك هو أنه ليس بالإمكان الركون إلى نظرية أرنست رينان وتوزيعها العرقي الديني ما بين: آري وسامي. فكان أن ولد التوزيع: الأوروبي أو الغربي والشرقي!! ومن السخرية أن اللغة النازية العرقية تحولت إلى جزء أساس من لغة المستعمر الجديد الذي يستخدم تعبير حيوانات بشرية في الإشارة إلى العرب والفلسطينيين منهم بشكل خاص كما يتأكد في خطب المستعمر الاستيطاني اليوم!

وعندما ألقى الراحل العالم ياروسلاف ستيتكيفتش محاضرته المبكرة في كلية سينث أنتوني بجامعة أكسفورد سنة 1967 كان ينبه إلى أمر آخر قد لا يبدو متصلاً بما نحن فيه؛ كان يلوم «نحن المستشرقين» على دراسة الشرق كموضوع من دون الانتماء إليه حباً وتعاطفاً. كان ينحو باللائمة عليهم لأنهم يكتبون ويقرأون باللغات قيد الدرس، لكنهم يعجزون عن استعمالها في التخاطب والعلاقة بالعرب موضوع درسهم. كان يدعو بإصرار إلى محبة حقيقية، وليس دراسية فحسب، لكي يشعروا بالانتماء إلى ما يخصونه بالدرس. ولهذا عجزوا عن العلاقة بموضوعهم، أي العرب. ومن هؤلاء كان المستشرق مرغليوث مثلاً الذي جمع أحاديث التنوخي ورسائل أبي العلاء المعري. لكنه أيضاً رافق البعثة البريطانية التي احتلت العراق. ويذكر الشاعر الدارس محمد مهدي البصير أحد معاصريه آنذاك أنه أي «مرغليوث» قال عند التفاوض مع الوفد الوطني العراقي: «إنه لم يعرف عن العراقيين القدرة على إدارة أنفسهم» بما يعني أنهم بحاجة إلى المستعمر البريطاني أو غيره!!.

اللغة النازية العرقية تحوّلت إلى جزء أساس من لغة المستعمر الجديد الذي يستخدم تعبير حيوانات بشرية في الإشارة إلى العرب والفلسطينيين منهم بشكل خاص.

هذه هي نهاية المستشرق؛ فهي ليست نهاية معرفية فحسب، ولكنها سياسية أيضاً، لأنها اقترنت بالتمايزات العرقية التي رافقتها، والتي قادتها إلى النهاية. هذا لا يعني التقليل من المنجز المعرفي عند السير وليم جونز ودي ساسي وسير شارلز لايل، وغيرهم. لكن إشارة الراحل ياروسلاف إلى أهمية التخاطب ودوره في توطيد حب حقيقي لموضوع الدرس تعني ضمناً لزوم التباعد عن عقدة المستعمر، أي ادعاء السيادة على الأقوام الأخرى. لهذا انقاد الاستشراق إلى حتفه، مع ازدهار العلوم الاجتماعية، وبروز المستعرب شريكاً ثقافياً. لكنها بداية المستعرب الذي درس العرب من زوايا مختلفة، وجاء بعدة أخرى، قوامها الحب والمودة لموضوع الدرس. المستعرب ليس دارساً للأدب وحده، وقد يكون مؤرخاً وسوسيولوجياً، وفيلسوفاً وغير ذلك، إنه ابن الثقافة التي يعنى بها، إذ لا تمييز بينه وبين أهلها، ولأنهما لا يقلان جهداً وتمعناً. ولنعد إلى السؤال: ما الذي تبقى من الاستشراق؟ لا يغمط السؤال الإرث الترجمي الفلولوجي الواسع الذي قام به المستشرق، لكن التقليديين منهم الذين مضوا على جادة مرغليوث لم يحققوا غير منجز ضئيل، مقارنة بالجهد الذي يقوم به المستعرب والمستعربة، وهما يمتلكان آليات بحث وتنقيب وتحليل مستجدة، لا تغمط الأقوام درايتها ولا تعددية ثقافاتها وتلويناتها المختلفة التي تفترق عن «النمطية» الأوروبية والنظرة الاستنكارية للآخر لمجرد تباينه عما يتصوره «التقليدي» نمطاً وحيداً عقلانياً قادراً على إدارة الآخرين.

***

د. محسن جاسم الموسوي

جامعة كولمبيا، نيويورك.

عن صحيفة الشرق الأوسط، يوم: 28 سبتمبر 2024 م ـ 25 ربيع الأول 1446 هـ،

 

التراث هو ما تنتجه البشرية، بمعنى أن كل ما ننتجه هو تراث ينتسب إلينا، بوصفنا فئةً بشريةً لها لغة ولها أرض ولها هوية ثقافية وحضارية، وهذه معانٍ متصلة لا تقف عند حد، وفيما يخص الجانب المعرفي والثقافي فإن الآداب والفنون والفلسفة هي أبرز المعالم التي تصف حال أي أمة من الأمم، على أن الأمم كلها قد انتقلت من الأمية إلى الكتابية في فترات مبكرة من تواريخها، والنقلة تلك خلدت موروثها الفكري والأدبي، وقد ساد مصطلح التراث ليعني ما حفظته اللغة والذاكرة من قيم ثقافية بكافة أنواع الخطابات اللغوية شعراً ونثراً وسرديات، ومن أبرز المورثات الأساطير والحكايات والأمثال، وجرى التعامل معها على أنها مدونات كبرى تمثل ذاكرة الأمة وقيمتها المعنوية، غير أن مصطلح التراث ملتبس من حيث كونه يوحي بالقديم دون الجديد، ومن ثم جاء مصطلح الحداثة وكأنه يعني المواجهة مع القديم، غير أن النظر الواقعي يكشف أن كل قديم كان جديداً في زمنه، وكل حداثي سيكون قديماً لدى الآتين من بعده، بينما مصطلح التراث سيشمل الجانبين معاً، بما في ذلك كلامنا هذا الذي سيدخل في ذاكرة الثقافة بمجرد نشره، ومن هنا فإن الصراع بين الحداثة والتراث هو صراع في (التأويل) وفي التوظيف، وهذا يعني أننا نحن كبشر أحياء نظل نستعيد الأموات عبر قراءتنا لهم، وكل استعادة هي توظيفٌ متجدد لما تم إنجازه من قبل، لأن القراءة تفعل حالة إحياءٍ للمقروء، وأي مكتوب لن يفعل فعله إلا عبر قراءتنا له، ومن ثم فإننا نعيد استيحاء المتنبي كلما ذكرنا اسمه وقرأنا نصوصه، وسيتبع ذلك أننا سنقوم بتفسير نصه حسب مهاراتنا، أي أن النص للمتنبي نسبةً وانتساباً ولكنه لنا توظيفاً وتأويلاً وتفعيلاً، ومن هنا فما نسميه بالتراث هو فعلٌ من أفعال القراءة وفعلٌ من أفعال الإنتاج أو إعادة الإنتاج. والعصور كلها ستتساوى في فعل القراءة بينما ستتنوع القراءات. ومقولة عصر القارئ تقوم على ثنائية المشاكلة والاختلاف، فنحن مع القراءة نقف مع مؤلف النص المقروء على موقع واحد، هو نص قديم بين يدي قارئ حديث أو نص لمؤلف ميت ولكنه نص بين يدي قارئ حي، ومن هنا يتحول النص نفسه من نص قديم إلى نص حديث حسب مهارة القارئ في فعل القراءة، وفرق بين القراءة المجردة وبين قراءة التأويل؛ أي بين قراءة الشرح والفهم وقراءة التفسير والتحليل، وهذه حالة تشاكل واختلاف في آن واحد، وهي حالة موت للمؤلف وحياة للقارئ. والنصوص دوماً تسير مسار اللغة بمعناها العام، وكلما اتسعت حال اللغة اتسعت معها حال النص، أي أننا سنمنح ألفاظ المتنبي مثلاً معاني لم تكن مما خطر له ببال.

***

د. عبد الله الغذامي - كاتب ومفكر سعودي

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 28 سبتمبر 2024 01:06

حين صدر كتاب تشارلز داروين «أصل الأنواع» وذاعت نظريته في النشوء والارتقاء.. صعد منحنى الإلحاد، وقال الفيلسوف الألماني هيجل: «إنها ضربة قاصمة لنظرية الخلق»، وقال برتراند راسل: «إنها ضربة نهائية للدين».

اعتمد «نيتشه» النظرية في دعم إلحاده، وأهدى كارل ماركس كتابه الأشهر «رأس المال» إلى داروين، وتحوّل جوزيف ستالين بعد النظرية من الإيمان إلى الإلحاد. حسب نظريته التطور، فإن جزئ RNA جاء منه كل شيء، فقد أخذ يتطور ويتنوع بشكل ذاتي حتى نتجتّ، ملايين الأنواع من الكائنات!

وحسب هذه النظرية، جاء التطور نتيجة التفاعل العشوائي للجزيئات البسيطة كالكربون والنيتروجين والهيدروجين والأوكسجين، وقد استغرقت هذه العملية عدداً لا نهائي من المحاولات، عبر ملايين السنين.

ويمكن للمرء أن يلاحظ التطور الذاتي في مشاهداته اليومية، فالذباب والبعوض، واليرقات التي تنشأ من العدم على اللحم المتعفن.. تنشأ من كائنات غير حيّة.

خاض العلماء المؤمنون معركة واسعة ضد نظرية التطور، وتم نقد أطروحة الجزئ الأول أو الجرثومة الأولى التي نتجتْ منها تلقائياً كل أشكال الحياة.

قال العلماء باستحالة تولد الحياة ذاتياً نتيجة التصادم العشوائي، فالأمر يشبه إنتاج مركبة فضاء نتيجة الخلط العشوائي المتكرر لعناصر المركبة. والأمر أعقد كثيراً فيما يخصّ المادة الوراثيّة في الخلايا الحيّة.

إن عالم الخليّة وبيولوجيا الإنسان هو عالمٌ بالغ التعقيد، ويستحيل أن يأتي نتاج التجارب العشوائية لعناصر تكوينه، أو تطوّر مادة بدائية إلى هذا التركيب المذهل لمجرد مرور الزمن. كما أن ما يعتبره البعض تولداً ذاتياً ليرقات اللحم المتعفنّة، فليس ذلك بتولدٍ ذاتي، بل إنّ هناك جزيئات موجودة بالفعل في الهواء، أو أن الذباب وضع البيض على اللحم.. فجاءت اليرقات، حسبما أوضحت تجارب باستور فيما قبل.

يعود البعض بجذور نظرية النشوء إلى فلاسفة مسلمين، ويذكر «بول براتمان» في كتابه «الأصل الإسلامي لنظرية التطور» أنّ «ابن مسكويه» قال في كتابه «الفوز الأصغر» بأنّ «مراتب القرود قاربت الإنسان، وليس بينهما إلا القليل الذي إذا تجاوزته، صار إنساناً»، وقال «إخوان الصفا» بإمكانية أن ينتقل الجماد إلى نبات، والنبات إلى حيوان، على نحو ما قال ابن سينا في كتابه «الإشارات والتنبيهات». وهو ما يعبّر عنه قول أبي العلاء المعرّي: «والذي حارتْ فيه البريّة.. حيوانٌ مستحدثٌ من جماد».

ينفي مفكرون مسلمون أن يكون النشوء والارتقاء هو مقصد الفلاسفة المسلمين، بل كان الأمر يتعلق بترتيب درجات الرقيّ بين الموجودات. ويذهب مفكرون آخرون للتوفيق بين الإسلام ونظرية التطور، فكلمة التطور ليست بديلاً عن كلمة الخالق، ثم إن «فيشر» و«هالدين» عالمان في البيولوجيا التطورية.. الأول مؤمن والثاني غير مؤمن وكلاهما يؤمن بالنظرية.

وتقول أستاذة مسلمة تدرِّس البيولوجيا الجزيئية في جامعة أيوا الأميركية لوسائل إعلام: «إنني أرتدي الحجاب.. واستخدم نظرية التطور في تفسير التنوع وتطور السلالات».. وفي القرآن الكريم «وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ» أي أن هناك مدىً زمنياً بين الخلق والتصوير، ويقول تعالى: «كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ».. وقد تكون ذرية قوم غير الإنسان.

سيستمر الجدل طويلاً بشأن نظرية النشوء، وقد لا تصمد النظرية في المستقبل. إنّه من الخطأ دفع علم البيولوجيا التطورية نحو دعم الإلحاد، ذلك أن مزيداً من العمق المعرفي يعزّز الإيمان، وما تزال الأغلبية الساحقة من حائزي نوبل في العلوم من المؤمنين.. لا يجب خلق صراع بين العلم والإيمان، أو فتح جبهات للتراشق بين العقل والعقيدة.. أو بين الجين والدين.

***

أحمد المسلماني - كاتب مصري

عن صحيفة لاتحاد الاماراتية، يوم: 26 سبتمبر 2024

 

تشكل كل من الخبرة والملاحظة دوراً أساسياً ومحورياً في رحلة الاستقصاء نحو تشكيل المعرفة المبنية على الكم الوافي من المعلومات والمهارات. ولا يمكن غياب أي مِن الملاحظة والخبرة عند الحديث عن الأدوات الضرورية لتحصيل المعرفة، حيث إنهما تتداخلان في الخطوات والمراحل التي تدفع بالعملية الكلية لبناء وتكوين وبلورة المعرفة حسب طبيعتها، بالإضافة إلى تطوير تلك المعرفة والقدرة على تفسير وتحليل وفهم المجريات التي تحيط بالإنسان وهو يكوّن معارفَه.

أما فيما يتعلق بالخبرة على نحو خاص فمن الواضح أنها تعبّر عن مستوى مختلف من أطوار بناء المعرفة، حيث يبدو أغلب تفاعلاتها في السياق الواقعي العملي، البعيد عن التنظير المجرد، متداخلاً في مضمار التجربة والعمل، وبالتالي فإن الخبرة تعبّر عن مهارة متفوقة على مجرد الملاحظة، وبذلك تكون إحدَى الأدوات التي يمتلكها الإنسان بعد خوضه العديد من التجارب ومروره بالكثير من المراحل التي قد يقع في الكثير منها ذلك التكرار الذي يفسر إنضاج الخبرة نفسه كأساس لبناء المعرفة. كما تعمل الملاحظة على تمكين الإنسان من جمع المعلومات وامتلاك إطار من المعطيات الكافية لفهم الظاهرة التي تقابله، وذلك انطلاقاً من الحالة التفاعلية بين الإنسان كذات مدركة وبين مجال ملاحظته، لا سيما أنها تعتبر الأداة المستخدمة في سبيل الوصول إلى حل المشكلات ومعالجة التحديات وكإطار لجمع المعلومات الدقيقة حول موضوع معين.. وغير ذلك من الأمور والمراحل التي تصب مجتمعةً في تكوين المعرفة العلمية حول موضوع أو تخصص أو مجال معين.

وحين كانت الخبرات تعبّر عن المعارف والمهارات المجموعة التي يحصدها الإنسان على طول مسار حياته المشحون بالتفاعلات والتجارب المختلفة مع بيئته المحيطة، وكانت هذه الخبرات تحمل بين طياتها تنوعاً هائلاً، سواء أكان لجهة أصناف المعلومات أو المجالات المعرفية، فإنها شكلت عماداً رئيسياً في تطوير مهارات الإنسان وقدراته وتمليكه الأدوات التي تجعله قادراً على فهم ما يجري حوله. وبالتركيز على الخبرة في حد ذاتها، فإنها تلعب دوراً بارزاً في تطوير مهارات الإنسان التي تجعل منه عنصراً نافعاً وقابلاً للإنتاج في مجال عمله، كما أن الخبرة تعتبر أحد أبرز النقاط التي ينجذب لها أصحاب الاحتراف في العمل، لا سيما أنها تحدد أكثر المسارات نفعاً وجدوى بحسب مجال الخبرة وطبيعتها.

وحتى تكون الخبرة الإنسانية أكثر صلةً وفائدةً في مختلف المجالات، فلا بد من إشباعها بتغذية مستدامة من أجل تجويدها والارتقاء بها، مثل المهارات العملية التي تعمل بدورها على تعزيز الأداء والارتقاء بالمعلومات الإدارية والفنية للتخصص. وهذا إلى جانب تطوير المهارات الشخصية المتعلقة ببيئة العمل على سبيل المثال، بحيث يكون الإنسان (صاحِبها) قادراً على تطويع مهارات القيادة والتواصل، وبالتالي فإن اللجوء إلى البرامج التدريبية المختلفة التي تسعى لشحذ الخبرة الإنسانية يعد مثالاً متميزاً يؤهل الخبرة للتطور والتجدد والتوسع في نطاق المعرفة الريادية والابتكارية.

***

د. محمد البشاري

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 18 سبتمبر 2024 23:54

 

قلت في مقال «الزحيلي والمودودي» إن الفكر الإسلامي الإصلاحي في العالم العربي حين ترجم كتاب «الجهاد في سبيل الله» إلى العربية عام 1950، كان مستقراً على القول بأن الأصل في الجهاد هو الدفاع لا الهجوم والتوسع. المودودي في كتابه هذا نقضَ هذا القول المستقر في الفكر الإسلامي الإصلاحي في الهند وفي العالم العربي.

سيد قطب كانَ أول منظِّر إسلامي في العالم العربي أشاع قول المودودي في الجهاد، ونوّع عليه، وذلك في الطبعة المنقحة من كتابه «في ظلال القرآن» الصادرة عام 1961. وفي كتابه التلخيصي الوجيز «معالم في الطريق» الصادر عام 1964. ثم عشّش هذا القول ثم باض وفرّخ في عقول كثير من الإسلاميين العرب، واستوطن فيها، وتفشّى في بعض كتبهم.

إنَّ مجيد خدوري في كتابه «الحرب والسلام في القانون الإسلامي» لم يتعرض لمفهوم الجهاد عند الإسلاميين الحركيين، ولا يلام على هذا، فالطبعة الأولى من كتابه هذا كانت في عام 1940. وأعاد طبعه عام 1951. والطبعة التي رجع إليها وهبة الزحيلي في كتابه «آثار الحرب في الفقه الإسلامي» كانت طبعة عام 1955.

وهبة الزحيلي مع أنه كتب رسالته للدكتوراه «آثار الحرب في الفقه الإسلامي» في أول الستينات الميلادية إلا أنَّه يلام قليلاً على إغفاله مفهوم الجهاد عند تلك الفئة الإسلامية، لأن كتاب المودودي «الجهاد في سبيل الله» وكتابه الآخر «نظرية الإسلام السياسية» كانا من بين مراجع رسالته.

أما عبد الحميد أبو سليمان، فقد أغفل ذلك عامداً متعمداً، لحاجة في نفسه، ألمعت لها في خاتمة المقال السابق.

استوقفني قوله: «والحياد مقابل التحايد». استوقفني هذا القول، لأن الحياد هو مفهوم قانوني ومفهوم سياسي. أما التحايد في اللغة العربية إلى الآن فليس له إلا المعنى اللغوي. ففعل «تحايد» معناه تجنب، تحاشى، ابتعد. وفي السياق الذي استعملت فيه كلمة «التحايد» يصبح معنى هذه الكلمة هو التظاهر بالحياد أو ادعاءه.

واستوقفني هذا القول؛ لأنَّ الذي يقابل «الحياد» في اللغة العربية وفي اللغة الإنجليزية هو «الانحياز» وليس «التحايد».

كنت قد ذكرت في المقال ما قبل المقال السابق أنَّ عبد الحميد أبو سليمان في رسالته للدكتوراه «النظرية الإسلامية للعلاقات الدولية: اتجاهات جديدة للفكر والمنهجية الإسلامية» التي أنجزها عام 1973، لم يحدد نوع «المؤثرات الثقافية اللاإسلامية» التي كانت -حسب تفسيره- أحد سببين أعاقا مفهوم المساواة في الإسلام. وكنت قد ذكرت أنه حدّد نوعها أول مرة في العام الذي حصل فيه على درجة الدكتوراه من أميركا. وثاني مرة عام 1979، وثالث مرة عام 1986.

الآن سأعرض ما يعنيه بـ«المؤثرات الثقافية اللاإسلامية» التي هي بالنسبة له مقولة تفسيرية حصرية، تمتد من أحداث الفتنة في خلافة عثمان إلى وقتنا الحاضر، وفي المقال المقبل سأوضح أن تفسيره تترتب عليه -منطقياً- شبهة كبرى تمس الجانب الإلهي والجانب النبوي في رسالة الإسلام، هو لم يقصدها. وسأبين كذلك تهافت تفسيره لنهاية الخلافة الراشدة ولبداية الخلافة الأموية.

في اللقاء الثاني للندوة العالمية للشباب الإسلامي، وكان عنوانه «قضايا الفكر الإسلامي المعاصر» المنعقد في الرياض ما بين 17 و27 ديسمبر (كانون الأول) عام 1973، ألقى بحثاً كتبه كان عنوانه «السياسة والحكم في الإسلام».

قال في هذا البحث: «ونستطيع أن نضع أيدينا على بدايات الأزمة وأصولها التاريخية إذا دققنا النظر في الفتنة الكبرى التي ذهب ضحيتها حكم المدينة ونظامها السياسي ودم الخليفة الراشد عثمان بن عفان. فالأمر لم يكن كما يتخيل الكثيرون أنه ثورة أفعال بعينها، وأخطاء بذاتها وقع فيها عثمان أو غير عثمان، وإلا فما كان لعهد معاوية بن أبي سفيان أن ينعم بالاستقرار لأمور هي أنكى من كل ما يمكن أن يتهم به عهد عثمان، فالسبب في جوهره لم يكن إلا بداية طفو مفاهيم وقيم في نفوس القبائل والشعوب التي وصلت إلى جسد الجيوش ومراكز القوى في المجتمع الإسلامي، ولم تكن قد نالت من التربية والتعليم والتجرد مثل ما نال جيل المدينة، الذي ربّاه الرسول عليه الصلاة والسلام».

وفي اللقاء الرابع للندوة العالمية للشباب الإسلامي، وكان عنوانه «الإسلام والحضارة ودور الشباب» المنعقد في الرياض ما بين 18 و25 مارس (آذار) عام 1979، ألقى بحثاً كان عنوانه «الأسباب التاريخية لانحراف المجتمعات الإسلامية والمنطلقات الإسلامية لتصحيح البنية المعاصرة».

قال في هذا البحث: «وتبقى الحقيقة أن تحولاً أساسياً، في ميدان فاعليات الأمة وإمكاناتها المعنوية، قد حلّ بها بزوال عهد الصدر الأول والخلافة الراشدة وعلاقاتها الاجتماعية، رغم امتداد الدفع المادي وطرح ثماره خلال العهود الأولى اللاحقة لعهد الصدر الأول.

ولكن كيف حدث هذا التحول؟

في تصورنا أن ذلك التحوّل بدأ بانضمام أفراد القبائل العربية من غير المهاجرين (من قريش) والأنصار (من الأوس والخزرج) إلى صفوف الجيش الإسلامي في مسيرته نحو الشمال، لمواجهة الخطر الداهم من قبل الإمبراطوريتين العظيمتين في ذلك الوقت؛ الرومانية والفارسية. وجنود الأعراب لم تكن لهم من الرؤية العقائدية والتربية الإسلامية ما كان لجيش بناء دولة المدينة بقيادة الرسول عليه الصلاة والسلام».

في كتابه «أزمة العقل المسلم» الصادر في عام 1986، قال: «والسبب الذي أدَّى إلى الفتنة وسقوط الخلافة الراشدة هو التغيير الذي حدث دون التفات كافٍ إليه، أو قدرة على تلافيه، ألا وهو تغيُّر القاعدة السياسية التي ارتكزت إليها القيادة والخلافة الإسلامية الراشدة، فبعد أن كان الأصحاب و(كوادر) الأصحاب هم قاعدة دولة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقامت على أكتافهم دولة الخلافة الراشدة بكل ما يمثله الأصحاب من نوعية وتوجه وإعداد ونضج وتربية، وفي زحمة الأحداث وتدافعها... فإننا نجد أن المجال قد أفسح واسعاً لتدفق رجال القبائل من الأعراب، وعلى ما كانوا عليه في ذلك الوقت من عصبية وجهالة من مضاربهم في أطراف البوادي للانضمام إلى جيش الفتح، مع تقلُّص دور الأصحاب المتضائل بسبب السن والاستشهاد. لقد مكّن هذا في النهاية للأعراب من جيش الدولة، بكل ما حملوه معهم، إلى جانب معالم الإسلام العامة من المفاهيم القبلية والعصبيات، والذين لم تخضع نفوسهم لما خضع له الأصحاب من تربية وتدريب وتوعية على مدى سني الدعوة والمعاناة، وعبر عقود بناء الدعوة والمجتمع المسلم بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوائل الخلفاء الراشدين». وللحديث بقية.

***

علي العميم

عن صحيفة الشرق الاوسط اللندنية، يوم: الأحد - 19 ربيع الأول 1446 هـ - 22 سبتمبر 2024 م

 

خطر الأيديولوجيا يهدد المجتمع بعيدا عن القراءة النقدية

ملخص: لا مجتمع من دون أيديولوجيا، ومن دون مجموعةٍ من الأفكار والقيَم والمبادئ التي تخصه. لكن هذا لا يعني أن تُنزه الأيديولوجيا، فلا تخضع للنقد الشديد والقاسي حتى لا تتحول إلى أفيونٍ يدمر المجتمع. إذاً، إن الأيديولوجيا أنظومةُ "المبادئ" والقيَم والعقائد والأفكار المترابطة والمتماسكة التي تؤمن بها جماعةٌ معينةٌ من البشر وتبدو لهم أنها الأمْثَل إذا ما أرادوا أن يعيشوا حياةً فُضلى.

يمكن النظر في الأيديولوجيا كما لو كانت برنامجاً سياسياً طويل الأمد، غايتها تعبئة الجماهير وتحفيزها وتحريكها للوصول إلى السلطة وتحقيق الأهداف المرجوة. غاية الأيديولوجيا، إذاً، الفعلُ في الواقع، غايتها تحريكُ الجماهير، وليس المعرفة المنزهة عن الغرض أو البحث عن الحقيقة بغض النظر عن منفعة هذا البحث العملية، كما هي حال الفلسفة. لذلك بإمكاننا القول إنها، في جوهرها، سياسيةٌ بامتياز. من بين وجوه اختلافها أيضاً عن الفلسفة أنها تخص جماعةً معينةً من البشر، في حين أن الفلسفة تتوجه من حيث المبدأ إلى البشرية جمعاء. إنها تناسب السياسيين والمثقفين الذين يدعون امتلاكَ قدراتٍ خارقةٍ بإمكانها تغيير الواقع، لكنها لا تناسب الفلاسفة الذين جل همهم أن يبحثوا عن الحقيقة.

على رغم كل مثالب الأيديولوجيا وسيئاتها، فإنه لا بد منها ولا غنًى عنها، إذ لا بد لكل مجتمعٍ من أنظومةٍ من الأفكار والقيَم والأفاهيم والمبادئ والعقائد المترابطة التي يعمل بهَدْيها. فالأيديولوجيا تحث أصحابها ومُعتنقيها وتدفعهم لكي يعملوا ويغيروا وجه التاريخ. أملنا الوحيد أن يصاحبَ الأيديولوجيا نوعٌ من النقد الفلسفي الحر حتى لا تتحول إلى دينٍ جديد، أو إلى مجموعةٍ من الآراء الجامدة التي لا حياة فيها، فلا تعود تصلح للحياة على الإطلاق. أفضلُ المجتمعات مَن يقبل ضمنياً إخضاعَ أيديولوجيته للنقد الفلسفي المستمر، ومَن يسمح للفلاسفة والمفكرين أن يُمارسوا النقد بكل حرية.

وعليه، تختلف الأيديولوجيا عن الفلسفة. فالفلسفة للجميع، للبشرية جمعاء، للإنسان بما هو إنسانٌ عاقلٌ ينهم بالأسئلة التي يطرحها العقل بطبيعته. إنها تحافظ على حركة الفكر وحركة الأفهوم، فلا تعامل الأفهوم تعاملَها مع رأيٍ نهائي ثابت. كذلك إنها عبارةٌ عن وجهاتِ نظرٍ تمثل بادراتٍ فلسفيةً يقوم بها عباقرةٌ أفذاذٌ نسميهم فلاسفة. وجهات النظر هذه لا تدعي القبض على الحقيقة. لكل وجهة نظرٍ حقيقتُها الخاصة بها. كل بناء فلسفي يحتمل النقد، حتى لو أدى النقد إلى انهياره وتحوله إلى مجرد أنقاضٍ مضيئةٍ، إذ ما يلبث العقل البشري أن يحاول البناء مجدداً.

أما الأيديولوجيا فإنها فكرُ جماعةٍ معينة، تتوجه أصلاً إلى أفراد الجماعة هذه مهما قل عددُها أو كثُر. لا يمكن الأيديولوجيا أن تتوجه إلى البشرية جمعاء؛ لأنها تنطلق من مُسلماتٍ يؤمن بها أتباعها، لكن من الصعب أن يسلم بها كل البشر. هكذا تنشأ أيديولوجياتٌ ويكون لها أتباعٌ، غالباً ما يؤمنون بها من دون نقاشٍ كبير، فتسْلَم الأيديولوجيات من النقد. بناءً عليه، قد تتحول فلسفةٌ ثوريةٌ حتى علميةٌ في وقتٍ من الأوقات إلى مجرد أيديولوجيا، وذلك عندما تتحول إلى مجموعة آراءٍ جامدةٍ نهائيةٍ لا تسمح بأي نقدٍ، كما هي حال "الفلسفة الماركسية" التي تحولت إلى مجرد أيديولوجيا ماركسيةٍ ما لبثت أن انهارت مع انهيار الاتحاد السوفياتي والأنظومة الاشتراكية.

بين العَمارة الفلسفية والكوخ الأيديولوجي

لذلك يُقال إن الأيديولوجيا مقبرة الفلسفة بحسب صديقنا المفكر اللبناني إيلي نجم. نضيف أنها أيضاً خطيئة الفيلسوف. يحاول الأيديولوجي أن يتناسى أن الأيديولوجيا التي يتبناها مجردَ أداةٍ لتعبئة الجماهير وتحريكها، فيتشاطر وينبري لتحويلها من خطابٍ سياسي يسعى إلى تحقيق برنامجٍ سياسي معينٍ إلى قولٍ فلسفي يبحث عن الحقيقة وينطق بها. هكذا يبني الأيديولوجي أنظومتَه الأيديولوجية أو عمارته الجميلة الهشة من دون أن يُخضعها للنقد الفلسفي الدائم. لذلك نراه لا يطيق الحقيقة التي تخالف أيديولوجيته، فيصر على تبني "حقيقته" الهشة التي صنعها بنفسه! لذلك يتمسك أصحاب الأيديولوجيا بها على رغم ظهور عشرات الحقائق التي تكذبها!

إذاً، شتان ما بين العَمارة الفلسفية والكوخ الأيديولوجي. مع ذلك، يبدو أن هناك من لا يهوى العيش إلا في الأكواخ!

أستمعُ إلى بعض الأدالجة المتفلسفين، فأجدهم بمنزلة كارثة أيديولوجية. لا علاقة لهم بالفكر ولا بالفلسفة ولا بالثقافة، وإنْ اختصوا أحياناً بالفلسفة! لكنهم حتى في مجال الأيديولوجيا ما برحوا دونها. إنهم مجرد كارثة أو عاهة أيديولوجية أو حتى أصحاب أيديولوجيا رثة. لذلك أعجب من أحزابهم كيف تدعهم ينطقون باسمها!

الفلسفة والأيديولوجيا لا تجتمعان: فإما الكهف، وإما الخروج منه! من هنا، عندما يتأدلج الفيلسوف، يدخل إلى كهف أفلاطون ثانيةً، فلا يعود يرى سوى ظلال الحقيقة على جدران الكهف! لذلك يجب على الفيلسوف أن يحافظ على حرية الفكر، أن يحافظ على حركة الأفهوم، أن يحافظ على حرية العقل وأن يمنعه من الاستقالة. عليه أن لا يحول الأفهوم إلى رأيٍ نهائي جامد. باختصارٍ، على العقل أن لا يستقيل!

متى تصبح الأيديولوجيا خطراً على المجتمع؟

الأيديولوجيا سلاحٌ فتاكٌ أحياناً لا يقِل خطراً عن الأسلحة النووية، تزين لمعتنقيها فعلَ الإجرام. هكذا يجد الديكتاتور إلى جانبه مَنْ يزين له دائماً أعماله القبيحة، يجد إلى جانبه المثقف البهلوان الذي يحصر عمله في تسويغ أعمال السلطان. لذلك تراه ينتقل من سلطانٍ إلى آخر بحسب المنفعة المادية. من هنا عقمُ العِلم عندما يُحاول منافسة الفلسفة والحلول محلها. فالعلم ليس من وظيفته اكتشاف الأيديولوجيا القاتلة ومحاربتها، كما قد يتضمن هو نفسُه بشكلٍ مبطنٍ أيديولوجيا غير حميدة. ولطالما كان العلماء مجردَ أدواتٍ في خدمة السلطان.

يَقتل الأيديولوجي ويُقتل باسم الأيديولوجيا، حتى لو كانت منافيةً كل المبادئ الإنسانية. ذلك بأنه يظن أن أيديولوجيته مقدسةٌ وفوق النقد، تستحق أن يُناضِل من أجلها حتى لو ارتكبَ المجازرَ ومات في سبيلها. بل إنه يقتل بلذةٍ وسرورٍ معتقداً أن ما يقوم به عملٌ حسنٌ ورائع. هذا ما يُفسر، إضافة إلى المصالح الشخصية والقومية والجَماعية طبعاً، الجرائمَ الفظيعة التي يرتكبها الأدَالجة أو المؤدلجون، أكانوا من التيارات الدينية المتشددة أم كانوا من التيارات الدوغمائية غير المتدينة.

الأيديولوجيا قادرةٌ، إذاً، على تزيين أي شيءٍ مهما كان قبيحاً ورديئاً. لذلك يحيط السلطان المجرمُ نفسَه بالمثقفين ورجال الدين ليبيضوا إجرامه أمام الناس. يكفي السلطة أن تزين إجرامَها وسرقتها أموالَ الشعب ببعضٍ من الأفكار، ببعضٍ من الأيديولوجيا لتكون مرتاحة الضمير، بل لتكون فخورةً جداً بما اقترفته يداها! وعليه، فالتفكير… ذلك الرعب الذي لا يتحمله ولا يُطيقه كثيرون! يكفي أن تفكر من دون وصايةٍ وتخرج من الإطار السائد حتى تُتهم وتصبح خطيراً! إذاً، هناك أشخاص لا يفكرون ولا يريدون لك أن تفكر. فالتفكير، في عرفهم، عملٌ خطيرٌ لا يتحملونه. فإما أن تقول ما يقولون، وإما أن يحسبوك عدوا فيبدؤون بتهجماتهم الشخصية عليك.

بِمَ تختلف الفلسفة عن الدين؟

الدين رؤيةٌ كونية. لكنه ليس بأنظومة فلسفية، ليس بسستام فلسفي، ليس بعمارة فلسفية. إنه مجموعةُ عقائدَ وأخبارٍ تتخذ صفة اليقين لأن القائل بها، في نظر المؤمن، هو الله. أما الفلسفة فأمرٌ آخر مختلفٌ تماماً، وإنْ كانت تنافس الدين أحياناً كثيرة. فالفلسفة لا تقدم لنا عقيدةً مختلفة، ولكنها تسائلنا عن الطريقة التي بها أنشأنا عقائدنا. لا تقدم لنا معلومات، بل تجعلنا نفكر بطريقة مختلفة.

ليس كل ما يتوجه إلى الناس أجمعين فلسفة. فقد يكون أدباً أو فناً أو ديناً. فالرواية الأدبية أو اللوحة الفنية تتوجهان إلى البشر أجمعين، لكن ليس عبر الأفاهيم، بل عبر أدواتها الفنية الخاصة. الفلسفة هي الفلسفة، هي محبة الحكمة. وأفضل تصنيف للفلسفة هو نسبتها إلى اللغة التي كتِبت بها. فنقول فلسفة يونانية نسبةً إلى اللغة اليونانية، ونقول فلسفة عربية نسبةً إلى اللغة العربية التي كُتبت بها. هذا لا يعني أنها تتوجه إلى الإغريق فقط أو العرب فقط، إذ تصبح عندئذٍ أيديولوجيا.

عندما نوقِف حركة الفكر، عندما نُوقِف حركة الأفهوم ليُصبح مجردَ رأيٍ، تَسقط الفلسفة في مستنقع الأيديولوجيا وتتحول إلى أنظومةٍ من الأفكار النهائية الجامدة. من طبيعة الفكر أنه في حركةٍ دائمةٍ لا تهدأ. ومن ثم، علينا أن نعيد النظر في السستام الذي بنيناه على الدوام لأن المشكلات الفلسفية تتغير باستمرار، مما يُحتم علينا إعادة النظر، بشكلٍ دائمٍ، في ما لدينا من فلسفاتٍ وأيديولوجياتٍ وأفكارٍ وأفاهيم.

نقد الفكرة ونقد الممارسة

في المجتمعات العربية يُمنع على المفكر أن ينتقد السلطان الذي يُرفع إلى مستوى القداسة، وأن ينتقد النهج الذي يتعالى على المكان والزمان، وأن ينتقد الفكرة المنزلة من السماء، وأن ينتقد أخيراً الأنظومة التي وضعها مؤسسون كبار. ما هو مسموحٌ له أن ينتقده، هو فقط بعض الممارسات الهامشية، بعض التطبيق وبخجلٍ شديد، شرطَ أن لا يضر نقدُه بالشخص ولا بالمقدس ولا بالنهج ولا بالفكرة. لذلك يكتفي بعضنا بنقد التطبيق أو بنقد الشخص الذي يطبق، متجاهِلاً أن النقد الحق والمنتِج هو النقد الذي يصيب المنهج والفكرة أيضاً!

لا شيء في أفهوم الأيديولوجيا يشي بالعصمة أو يدعي أن الأيديولوجيا مقدسةٌ ونهائية. لذلك لا مانع، من حيث المبدأ، من أن تخضع الأيديولوجيا، بشكلٍ دائمٍ، للنقد الفلسفي حتى لو أدى ذلك إلى تعديلها جذرياً لتصبح، في كل مرةٍ، مناسبةً بقدر الإمكان مقتضياتِ العصر. يكفي أن تمنع الأيديولوجيا النقدَ الفلسفي، يكفي أن تحارب العقلَ الفلسفي، حتى تتحول إلى أيديولوجيا خطِرة وتكف عن كونها أداةً فعالةً للنهضة بالمجتمع. إذاً، الأيديولوجيا الشمولية التي تسعى إلى أدلجة كل شيءٍ ترتكب جريمةً كبرى بحق المجتمع لأن المجتمع لا يقوم إلا بالتعدد والاختلاف.

عندما يتحول الدين إلى مجرد أيديولوجيا ظلاميةٍ قاتلةٍ، يصبح أفيوناً للشعوب. وكل أيديولوجيا تفقد دورها التحفيزي والنهضوي تتحول كذلك إلى أفيونٍ للشعوب، حتى لو كانت أيديولوجيا ملحِدة. أن تكون الأيديولوجيا ضروريةً لتحريك المجتمعات لا يعني أن نتبنى أي أيديولوجيا كيفما كان وكيفما اتفق بعيداً من النقد الفلسفي.

ما زالت الفلسفة ملطخةً بالعار الذي ألحقه بها فيلسوف ألمانيا الكبير مارتن هايدغر عندما أيد النازية أو ما ظنه "الصحوة القومية الجرمانية". كان حرياً به أن يقول "لا"، وأن يستشعر أثر البربرية والظلامية اللتَين سيطرتا على ألمانيا ودمرتا أوروبا. سبق للفيلسوف اللبناني كمال يوسف الحاج (1917-1976) من قبلُ أن أشار إلى أن الفيلسوف يهتم بالسياسة الكبيرة ويترك السياسة الصغيرة لرجال السياسة الذين يلهثون وراء منصبٍ هنا ومنصبٍ هناك، وتتملكهم الكراسي فيصبحون عبيداً لها.

من الصعب أن تناقش صاحب أيديولوجيا، دينيةٍ أو غير دينيةٍ، يدعي امتلاك الحقيقة ويزعم أنه على الحق المبين، مهما بينتَ له من عقم أيديولوجيته ومهما قدمتَ له من بدائلَ أفضل. تجده يحبِس نفسَه داخل أسوار أيديولوجيته الضيقة، فلا يستطيع الخروج منها كما لا يمكنه التفكير خارجها. لكن من السهل أن تُناقش مستنيراً متحرراً من الوصاية الفكرية التي تمارسها الأيديولوجيا على أصحابها لا يدعي امتلاك الحقيقة، وهو يبحث دائماً عما هو بارزٌ ولافتٌ وهام ومثيرٌ للانتباه من أفكارٍ، أنى وجدها، ليجدد بها البناء الفكري.

بين التحليل العلمي والحُكم الأيديولوجي

تختلف الترسانة الأيديولوجية بطبيعتها عن الترسانة الأفهومية الفلسفية. لذلك علينا أن نحذر دائماً من الوقوع في براثن الأيديولوجيا. لقد وقع اللبنانيون على سبيل المثال في قاع الجحيم أو يكادون. ووقوعهم كان غير مسبوقٍ. وتحليل ظاهرة هذا الوقوع أو هذه الكارثة عمليةٌ معقدةٌ جدا في بلدٍ يعاني من أمراضٍ نفسيةٍ مزمنةٍ، ومشكلاتٍ اقتصادية عميقةٍ، وتحالفاتٍ سياسيةٍ غير طبيعية، واضطراباتٍ مجتمعيةٍ طائفيةٍ متنوعةٍ، وموقعٍ جيوسياسي يقع على تقاطع زلازل المنطقة، وطبقةٍ سياسيةٍ نادرة الوجود في طريقة أدائها الفاسد، وقادة-آلهة، وفسادٍ مجتمعي مُستشرٍ، واحتكاراتٍ تجاريةٍ خبيثة.

وعليه، إذا لم نفسح في المجال أمام التحليل العلمي وبقينا في الأحكام الأيديولوجية التي تجمع الحاضر بالماضي والمستقبل والتي تجد أن أسباب ما يحدث تعود إلى أزمنةٍ غابرةٍ وإلى مسؤولية أشخاصٍ ماتوا منذ ألفٍ ونيفٍ من السنين، واستخدمنا العُدة والترسانة الأيديولوجية التي نراها في بطون الكتب القديمة والتي نتوارثها عبر الأجيال، فإنا لن نظفر بالتشخيص العلمي السليم. ومن ثم، لن نستطيع أن نعالج المشكلة التي نتخبط فيها بابتداع الأفاعيل الفلسفية والعلمية المناسبة، وسنبقى ندور في حلقةٍ مفرغةٍ، بل وسنظل نهدر الوقت والجهد والمال عبثاً، وستزداد أمراضنا ومشكلاتنا استعصاءً!

أدلجة الدين

يجري تَدْليج الدين وأَدْلَجته من أجل توظيفه واستثماره بسهولةٍ في المشاريع السياسية الخاصة والزواريب الضيقة. هكذا يتعطل العقل وينقاد المرء بسهولةٍ من أجل خدمة مشاريعَ أيديولوجية مدمرة. عندئذٍ، يُصبح الدين أفيون الشعوب. لذلك من الضروري التمييز بين الدين، وما ينشأ حوله من مذاهب وأيديولوجياتٍ واتجاهاتٍ فقهيةٍ ومدارسَ دينيةٍ وتياراتٍ صوفيةٍ بل وحتى كلاميةٍ فلسفيةٍ؛ لأن ما ينشأ حول الدين لا يمكن أن يستَنْفِده. ليس أي أيديولوجيا أو مذهبٍ أو تيارٍ أو مدرسةٍ إلا أنظومة جامدة نهائية لا تصمد أمام المتغيرات. الأيديولوجيا الدينية فهمٌ حصري للدين يدعي صوابيته ويرفض أي فهمٍ آخرَ مختلف. وعليه، لا بد دائماً من قراءةٍ مختلفةٍ للدين تتماشى مع العصر وأدواته المعرفية وفتوحاته العلمية والفكرية والفلسفية، شرطَ أن لا تدعي هذه القراءة أنها أيضاً الحق بعينه. مشكلة الأيديولوجيا الدينية أنها تدعي القبض على حقيقة الدين، وتدعي النطق باسم الله، فتعطل كل نقاشٍ وكل حوارٍ، مما يؤدي إلى انهيار المجتمع في النهاية.

الأيديولوجيا الدينية

هكذا ينشأ ما يمكن أن نسميه بالأيديولوجيا الدينية التي تنشأ حول الدين. فتبني له أنظومةَ أفكارٍ وعقائدَ وأنماطَ حياةٍ وسلوكاتٍ معينةً خاصةً بجماعةٍ معينة. تنشأ هذه الأنظومة وتكتمل عبر التاريخ وتتم المحافظة عليها من جيلٍ إلى آخر. فلا يتم الاكتراث لما يجري في العالم، عبر قرونٍ، من أحداثٍ سياسيةٍ وعلميةٍ وفتوحاتٍ فكريةٍ قد تطيح بهذه الأنظومة نفسها. فجميع هذه الأحداث تُفسر بشكلٍ لا يتعارض مع الأيديولوجيا المعتمَدة. تتوجه الأيديولوجيا الدينية إلى جماعةٍ معينةٍ أو طائفةٍ تدعي الصواب في ما تقول، كما تدعي القبض على حقيقة الدين بعينها. وما عداها يصبح باطلاً. فأتباعها هم المؤمنون حقا، وغيرهم على ضلال. لذلك لا يمكن أن تتوجه إلى البشرية جمعاء. ولهذه الجماعة سلوكاتٌ معينةٌ وفهمٌ معينٌ للدين. أما الدين فإنه، في رأينا، مفتوحٌ ومتاحٌ للجميع، يخضع لقراءاتٍ وتأويلاتٍ في كل مرة. كما يخضع دائماً للفهم وإعادة الفهم بحسب العصور.

هكذا تتكاثر الأيديولوجيات الدينية حول الدين الواحد نفسه. وكل أيديولوجيا تدعي أنها قبضت على حقيقة هذا الدين بعينها. بل كل أيديولوجيا دينية تنفي الأيديولوجيات الدينية الأُخَر وتنعتها بالضلال، في حين أن الأحداث غالباً ما تُثبت زيف الأيديولوجيات الدينية وغير الدينية. لكن أتباع الأيديولوجيات لا يأبهون لهذه الأحداث ولا يكترثون بها، بل ويصرون على أيديولوجيتهم، كما يدعون الغير إلى اعتناقها، ولا يسمحون بنقدها نقداً جذرياً. هكذا نعاني من الأيديولوجيات الدينية التي تريد أن تُقَوْلِبنا وتُقنعنا بما لديها من أفكارٍ وعقائدَ وأن نطبق ما تقترحه من سلوكات.

حتى للفساد ثقافته وأيديولوجيته

واهِمٌ مَن يفسر الفساد في لبنان مثلاً باسم المنافع والمصالح فقط، فهناك ثقافةٌ للفساد وأيديولوجيا للفساد أيضاً تزين الفساد وتبرره. لذلك لا نرى أثراً لتأنيب الضمير أو الخجل أو الندم في وجوه الفاسدين. تراثنا يُمكن القول عنه إنه تراثٌ غِب الطلب، بمعنى أنه جاهزٌ، في أي وقتٍ، لإمداد الأيديولوجي وصاحب المذهب بما يناسبهما ويدعم الأيديولوجيا والمذهب اللذَين بنَياهما سلفاً.

كثيرٌ من أصحاب الأيديولوجيات يتخذون مواقفهم من أي مسألةٍ مطروحة، ومن ثَم يبحثون عما يدعمها من التراث. إذا لم يجدوا في التراث ما يدعم، بشكلٍ صريحٍ، مواقفهم التي اتخذوها، فإنهم يغرقون في متاهة التأويل ولَيْ عُنُق التراث ليناسب ما هم عليه. وعليه، فبدلاً عن أن يجترحوا طريقةً جديدةً في قراءة التراث ويُخبرونا عما كشفت عنه هذه الطريقة وما توصلوا إليه من نتائجَ مختلِفةٍ لم نتوصل إليها بالطرق الكلاسيكية السائدة، فإنهم يُقبلون على التراث بمواقفَ اتخذوها سلَفاً، ومن ثَم يبحثون عما يدعمها في تراثٍ أقل ما يُقالُ فيه إنه خليطٌ عجيبٌ غريبٌ من الشيء وضده.

انكفاء الفلسفة وتقدم الأصوليات

ينكفئ الفيلسوف إذاً! فيتقدم اللاهوتيون والمشعوذون والسحرة ليملأوا الحقل الذي تركه الفيلسوف. فيَتبين أن هؤلاء أقدرُ من الفيلسوف في تلبية رغبة العامة الجامحة الطامحة في العلمان المطلق. هكذا راح الناس، في العصر الراهن، يصدقون كل ما يُقال لهم، تحقيقاً لطمأنينة العقل. فقد احتل هؤلاء الشاشات والساحات. لكن ما النتيجة؟ لقد انحسر دور العقل واندلعت الصراعات الإلهية على الأرض مرة أخرى، وسار الناس بكل سرورٍ إلى هلاكهم، سعداءَ فرحين بوصفهم يمثلون الإله. وهذا بالتأكيد "سيثيبهم" على أفعالهم، حتى لو كانت إجرامية.

هذا المصير الأسود والقاتم الذي وصلت إليه البشرية يُنذر بعواقبَ وخيمةٍ، قد تؤدي إلى فناء البشرية وزوال الحضارة الإنسانية. فبعد قرونٍ من التنوير، تتراجع الحداثة، حتى في موطنها الأصلي، وتستيقظ البربرية الأوروبية من سباتها بسبب الحرب في أوكرانيا، وينتشر الظلام مجدداً، بل ويحقق انتصاراتٍ هامةً، وينعزل أصحاب العقول النيرة حتى أنهم باتوا غرباء في مجتمعاتهم.

إذاً، إن انكفاء الفلسفة عن ساحة الفكر سمح للأصوليات بملء الفراغ. وإن تعدي العِلم على مجال الفلسفة أنتج ميتافيزيقا هزيلةً وادعاءاتٍ فارغةً لا تلبي رغبة العقل وتعطشه إلى المزيد. لا يمكن الفيلسوف أن يتفلسف بمعزل عن العِلم. هذا صحيح. لكن ليس للعِلم أن يحل محل الفلسفة، وليست لديه القدرة على ذلك. وإنْ فعلها العلماء، فإنهم يصبحون فلاسفةً ولا يعودون مجرد علماء. كما لا يمكن الدين أن يُفهَم فهماً مستنيراً من دون وجهة نظرٍ فلسفية. وحده الفيلسوف المواكب ما يجري في العلوم والمطلع على مغامرات العقل التاريخية الجبارة يستطيع أن يصوغ ميتافيزيقا مقبولةً ومناسبةً للعصر، وأن يستجيب للعقل البشري الذي لا يكف بطبيعته عن طرح أسئلة المعنى.

ما نعاني منه أساساً أزمةٌ في العقل

وعليه، لكي لا يتحول الدين إلى نوعٍ من الخرافة: لا بد من فهمٍ غير ديني للدين، لا بد من فهمٍ فلسفي للدين. بناءً عليه، لا يمكن أن يُترك أمر الدين إلى رجال الدين فقط. ما نعانيه من أزماتٍ منذ عقودٍ يعود، من حيث المبدأ، في ما يعود إليه، إلى أزمةٍ في العقل، إلى أزمةٍ في الفلسفة بوصفها بنتَ العقل. لذلك علينا أن لا نتجاهل أزمة العقل لدينا لو أردنا يوماً أن ننهض نهضةً جديدةً. طبعاً هناك عوامل كثيرةٌ، اقتصادية واجتماعية وسياسية، أفضت إلى الأزمة. لكن بإمكاننا أن نجد أصل الأزمات جميعاً في طريقة تفكيرنا وفي طريقة تعقلنا. من هنا ضرورة الفلسفة التي تطرح الأسئلة الأساسية وتعالجها وتحافظ على حركة الأفهوم، فتمنع الفكر من أن يتحول إلى أيديولوجيا نهائيةٍ جامدة. هكذا بإمكاننا أن نفهم أزمة الدين، أزمة الرأسمالية، أزمة النظام الطائفي اللبناني، أزمة العولمة، إلخ. من دون الفلسفة تنتعش الأصوليات وتسود الحماقة ونعيش في الابتذال. إذا كان لهذه الحياة من معنًى، فلأن هناك إنساناً مفكراً، لأن هناك فيلسوفاً جعل لها معنًى.

***

ا. د. جمال نعيم - أكاديمي لبناني

عن أندبيندت عربي، يوم: الجمعة 20 سبتمبر 2024 16:55

لن يكون نسخة طبق الأصل عن الأوروبي

يعتقد الناس أحياناً أن التنوير مجرد ترف فكري خطر على بال بعض المثقفين الأوروبيين أن يخترعوه ويتسلوا به لكي يخرجوا من الدين على سبيل المشاكسة ليس إلا. بل ويتوهم البعض أنهم اخترعوه لكي يتفاخروا به على الآخرين: أنا تنويري وأنت غير تنويري إلخ... كل هذا شيء زهيد وسخيف. في الواقع إنه ظهر تلبية لحاجة تاريخية ملحة جداً وعاجلة. لقد كان علاجاً ناجعاً لمشاكل طائفية أو مذهبية مزقت المجتمعات الأوروبية على مدار القرون السابقة. ومعلوم أن فرنسا عانت من الحروب المذهبية ما عانته. كما وعانت من التعصب الأعمى الكاثوليكي على وجه الخصوص. فالأغلبية الكاثوليكية دمرت الأقلية البروتستانتية تدميراً بعد أن اتهمتها بالهرطقة والكفر والخروج على «صحيح الدين»، أي على المسيحية الصحيحة التي لا يمكن أن تكون إلا كاثوليكية، حسب وجهة نظرهم. كان الكاثوليك يعدّون أنفسهم آنذاك بمثابة الفرقة الناجية في المسيحية. هم وحدهم في الجنة وباقي الفرق في النار. ولهذا السبب حاولوا استئصال البروتستانتيين. يكفي أن نتذكر هنا مجزرة سانت بارتيليمي التي اندلعت في باريس يوم 24 أغسطس (آب) عام 1572: أي قبل خمسمائة سنة تقريباً. وقد اندلعت في العاصمة أولاً قبل أن تنتقل إلى الأقاليم البعيدة وكبريات المدن كبوردو وتولوز وليون وسواها. (بين قوسين يجمع المؤرخون على أنه ذهب ضحيتها ثلاثون ألف شخص. وهو رقم ضخم بالنسبة لذلك الزمان ويساوي الآن ثلاثمائة ألف شخص على الأقل).

كان الهدف في البداية تصفية قادة الطائفة البروتستانتية وليس الشعب البروتستانتي ككل. وقد أمر الملك الكاثوليكي شارل التاسع بإيقاف المذبحة منذ اليوم الأول. ولكن عامة الشعب الهائجة المشحونة بالتعصب شحناً من قبل الأصوليين ورجال الدين لم تستمع لأوامره فذبحوا البروتستانتيين بشكل أعمى حيثما ثقفوهم أو وجدوهم. وهكذا خرجت الأمور عن حد السيطرة. ومعلوم أنه عندما يُطلق للغرائز الطائفية العنان فلا أحد يعرف أين تتوقف ولا كيف... لن تتوقف قبل أن يشبع الدم من الدم... وهذا أكبر دليل على أن الشعب كان أكثر تعصباً من قائده أو مليكه. إذ حتى الملك الكاثوليكي المبجل جداً عجز عن إيقاف الشعب الهائج!

عندما يتذكر الفرنسيون المعاصرون ذلك لا يكادون يصدقون ما حصل. والسبب هو أنه لم يعد هناك أي أثر للتعصب الطائفي في فرنسا الحداثية العلمانية المعاصرة. فالبروتستانتيون والكاثوليكيون أصبحوا جميعاً مواطنين درجة أولى ومتساوين في الحقوق والواجبات أمام دولة القانون والمؤسسات. لقد حلت العصبية الوطنية أو القومية الفرنسية كلياً محل العصبيات الطائفية الضيقة. وهذا معاكس لما يحصل في المشرق العربي حالياً حيث لا وجود تقريباً للعصبية الوطنية الجامعة، وإنما كل المحبة والتعصب للطائفة. والسبب هو أنه لم يظهر حتى الآن فكر تنويري في العالم العربي، فكر قادر على تفكيك العصبيات الطائفية الراسخة رسوخ الجبال كما فعل فلاسفة التنوير في فرنسا وعموم أوروبا. لم يظهر فولتير عربي ولا سبينوزا عربي ولا كانط عربي... إلخ. وما دام الأمر كذلك فسوف تستمر الطائفية في الهيمنة على عقول الناس، بخاصة عامة الشعب البسيط، بل وحتى قسم كبير من المثقفين أو أشباه المثقفين.

لقد أراد الحزب الكاثوليكي الأصولي الطائفي المتعصب جداً أن يفني البروتستانتيين ويستأصلهم عن بكرة أبيهم. وهي المجزرة التي صفق لها بابا روما آنذاك معتبراً إياها بمثابة الانتصار المبارك الميمون للإيمان الصحيح. قال بالحرف الواحد: الحمد لله اليوم انتصر الإيمان الحقيقي على الزندقة والكفر... وفور سماعه بالنبأ أمر بإقامة صلاة الشكر في جميع كنائس روما حيث قرعت الأجراس في كل مكان احتفالاً بالنصر. راح يرفع آيات الابتهال إلى الله تعالى لأنه أنقذ أرض فرنسا الكاثوليكية الطاهرة من رجس الهراطقة البروتستانتيين لعنهم الله!

لولا هذه المجازر، لولا هذا الجو المشحون بالتعصب الطائفي والمذهبي، لما ظهر فولتير ولا ديدرو ولا جان جاك روسو ولا الموسوعيون ولا كل فلاسفة الأنوار. لقد ظهروا كرد فعل على هذا الفهم الطائفي المتعصب والمرعب للدين المسيحي. وهو فهم أصولي يخلع المشروعية الإلهية على المجازر الطائفية بل ويعدّها تقرباً إلى الله تعالى. وبالتالي فهناك فهم طائفي للدين وفهم غير طائفي. هناك فهم آخر للدين ممكن غير فهم «الإخوان المسلمين» والخمينيين وبقية الظلاميين. هذا شيء لم يُستوعب بعد في العالم العربي بل ولا يخطر على البال. ولا أقصد بال الجماهير الأمية الغفيرة المعذورة، وإنما أقصد بال المثقفين أيضاً إلا من رحم ربك! ولكن المسيحية الأوروبية تجاوزته بسنوات ضوئية بفضل جهود فلاسفة الأنوار.

هذا التطور اللاهوتي الهائل، هذه الثورة الفكرية التنويرية، لم تحصل حتى الآن إلا في أوروبا والمسيحية الأوروبية. ولكن البابا الأسبق بقي أصولياً أحياناً على الرغم من علمه الغزير. والدليل على ذلك أنه كان يعدُّ البروتستانتيين وربما الأرثوذكس مسيحيين بشكل ناقص لا بشكل كامل على عكس الكاثوليكيين. بمعنى آخر، فإنه ظل يعتقد في قرارة نفسه أن الفرقة الناجية الوحيدة في المسيحية هي المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني الذي يمثل الأكثرية أو الأغلبية العددية. هذا لا يعني أنه ظل يكفر المذاهب المسيحية الأخرى غير الكاثوليكية، كما كان يفعل أسلافه في القرون الماضية. لا، أبداً. لكنه يعني أنه لم يتخلص كلياً من رواسب العصور الوسطى ولاهوتها القديم على عكس المفكر الكاثوليكي التحريري الرائع هانز كونغ.

التنوير العربي سيؤدي إلى المصالحة التاريخية بين الدين والفلسفة، بين الإيمان والعقل، بين الإسلام والحداثة

وهل تعتقدون أنه لولا حرب الثلاثين عاماً التي اجتاحت ألمانيا وكل أوروبا كان سيظهر لايبنتز وليسنغ وكانط وفيخته وهيغل وبقية التنويريين الألمان العظام؟ ثلث سكان ألمانيا قتلوا في تلك الحرب الطائفية الرهيبة التي جرت بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين. لهذا السبب قرر فلاسفة التنوير الاشتباك مع الإخوان المسيحيين وتفكيك تفسيرهم الانغلاقي والطائفي المتعصب للدين المسيحي. لهذا السبب قرروا تفكيك فتاواهم الدينية اللاهوتية القاتلة أو التي تخلع المشروعية «الإلهية» على القتل والذبح. وهي الفتاوى ذاتها التي لا تزال تعاني منها المجتمعات العربية والإسلامية حتى اللحظة.

لا يمكن أن نفهم ملحمة الحداثة وصعودها الصاروخي في أوروبا إن لم نأخذ كل هذه الحقائق بعين الاعتبار. أحياناً يقول بعض المثقفين العرب: يا أخي ما علاقتنا بالتنوير؟ ما حاجتنا إليه؟ يا أخي التنوير ظهر في أوروبا إبان القرن الثامن عشر قبل 200 سنة فهل تريدون إعادتنا إلى الوراء مدة قرنين أو أكثر؟ هل نحن بحاجة إلى تيار فكري مضى وانتهى؟ عندما يقولون ذلك فإنهم يرتكبون مغالطة رديئة أو سفسطة مجانية ليس إلا. إنهم يريدون قطع الطريق على التنوير، ومنع حصوله في العالم العربي والإسلامي ككل. وهذا يعني إدامة العصر الطائفي إلى ما لا نهاية. وهم بذلك متواطئون ضمناً مع «الإخوان المسلمين» وبقية الرجعيين ولكنهم لا يتجرأون على التصريح بذلك علناً مخافة أن يقال عنهم إنهم ضد الحداثة والعصر والتطور. ونحن نسألهم: التنوير مضى وانتهى بالنسبة لمن؟ هل مضى وانتهى بالنسبة للشعوب الأفغانية الطالبانية والعربية والتركية والإيرانية والباكستانية، أم مضى بالنسبة للشعب الفرنسي والألماني والإنجليزي وبقية الشعوب الأوروبية المتطورة التي لم تعد تعاني من أي مشكلة طائفية أو مذهبية؟ هذا السؤال كافٍ لإفحامهم وتبيان خطأ موقفهم ومغالطاتهم ومكابراتهم. ماذا نستنتج من كل ذلك؟ نستنتج شيئاً واحداً: وهو أن التنوير لا يزال أمام المثقفين العرب لا خلفهم على عكس المثقفين الأوروبيين. نستنتج أننا لن نستطيع الإفلات من استحقاق التنوير مهما حاولنا أو فعلنا. نستنتج أن هناك تفاوتاً تاريخياً كبيراً بين المجتمعات المسيحية الغربية والمجتمعات الإسلامية عربية كانت أم غير عربية. نستنتج أن التنوير العربي قادم لا ريب فيه. لكنه لن يكون نسخة طبق الأصل عن التنوير الأوروبي وإنما ستكون له فرادته وعبقريته الخاصة. لن يؤدي إلى الإلحاد المطلق، كما حصل في الغرب، وإنما سيؤدي إلى المصالحة التاريخية بين الدين والفلسفة، بين الإيمان والعقل، بين الإسلام والحداثة.

***

هاشم صالح

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 18 سبتمبر 2024 م ـ 15 ربيع الأول 1446 هـ

تتداول في بعض المجاميع المعرفية العربية فكرة غريبة، وهي أن الليبرالية لم تنتقد نفسها، وهذا قول مأخوذٌ عليه. وآية ذلك أن جمعاً غفيراً من فلاسفة الليبرالية انتقدوا الليبرالية بغية تعديلها وتصحيح مسارها. لأن النظريات تكبر مثل الناس، وبالتالي تنضج وتقيّم المسار، وتباشر النقد. عدد من الفلاسفة انتقدوا النظرية بالمعنى العلمي لليبرالية ومنهم الفيلسوف جون راولز وهذا مشهور في كتابه: «العدالة كإنصاف»، وهو من أعمق الكتب التي نظّمت مسار القانون والعدالة في الفكر الليبرالي، وقد تطرّق إلى نقاط ضعف وخلل، واستعمل أدواته التقنية الفلسفية لتفكيك الأخطاء ومحاولة الإصلاح، وقد كتبتُ عنه من قبل ويمكن العودة إلى كتابه الأصلي.

لكن هذه المرة، لفتني حوار مهم نشر في كتاب: «حوارات فلسفية - حول الفلسفة الأميركية المعاصرة، حوارات هارفارد» من إعداد: جميلة حنيفي. الحوار كان مع الفيلسوف مايكل ساندل وفيه ينقض المقولات التي تقول إن الليبرالية لم يتم نقدها، يبدأ الحوار في الكتاب من صفحة (143). يقول: «أعتبر نفسي ناقداً لصيغة معينةٍ من الليبرالية، تلك الصيغة تلك التي تجد تغييرها أو حكمها الأكثر تأثيراً لدى إيمانويل كانط، لكن أيضاً لدى فلاسفةٍ آخرين معاصرين مثل جون راولز. إنها الصيغة التي ترى أن الحكومة ينبغي أن تتخذ موقفاً حيادياً إزاء مفاهيم متنافسةٍ عن الحياة الخيّرة. لابد أن نفهم أن كلمة «جماعاتية» عبارة عن تسمية تم إدراجها من قبل آخرين لوصف النقاش الذي تمخض عن بعض الانتقادات التي وجّهت إلى الليبرالية سواءٌ من قبلي أو من قبل آخرين، وما يجعلني منزعجاً وغير مرتاح لتسمية الجماعاتي، هو أن الجماعاتية تقترح أن القيم السائدة في أية جماعة معطاة وفي أي زمنٍ معطى. عندما أصف التقليد المنافس للتقليد الليبرالي في التاريخ السياسي والدستوري أحبّذ التركيز على التقليد المدني الجمهوري».

تعليقي على هذا النص، أن الليبرالية نظرية شاسعة ومتشعبة، بين السياسي، والاقتصادي والاجتماعي، وميزتها الأساسية في نقد نفسها، وفي إنتاج فلاسفة يصححون أخطاءها، ويعالجون أدواءها. صحيح أنها أثبتت نجاحها العالي على المستويين الاقتصادي أولاً ثم الاجتماعي، ولكنها على المستوى السياسي الآن تتعرض لنقد مشروع ولاذع، وهذا طبيعي، ذلك أن النماذج التي طرحتها كانت ضمن سياقها التاريخي، وليس من الضرورة انتهاجها في جميع العالم.

في الاقتصاد ثمة إجماع على أن الاقتصاد الليبرالي هو السبيل الأبرز للنمو في العالم، حتى الصين لم تنجُ على مستوى الاقتصاد من موجة الليبرالية الحيوية رغم احتفاظها بنمط سياسي واجتماعي معين اختارته ويجب احترامه، بل إن فيلسوفاً ألمانياً كبيراً مثل ماكس فيبر قال في كتابه: «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» إن النماذج الغربية لا يمكن تطبيقها على الشرق ولا على الصين، وأفرد صفحاتٍ حول نموذج الصين.

الخلاصة، أن تميّز الليبرالية في نقد فلاسفتها لمنهجها، وتصويبهم لمسارها، والآن نرى النموذج الليبرالية (على المستوى السياسي) تعاني تحديات كبيرة، ولذلك على الدول كلها أن تحترم نماذج الدول الأخرى، وألا تفرض عليها نموذجها الخاص.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 17 سبتمبر 2024

أكسيل هونت، فيلسوف ألماني بارز، وهو دون شك من آخر فلاسفة الغرب المعاصرين الأحياء، وقد أصدر كتاباً هاماً بعنوان «السيد الكادح: نظرية معيارية للشغل» (تُرجم مؤخراً إلى اللغة الفرنسية)، قدّم فيه مساهمةً فكريةً متميزةً في فلسفة العمل التي شغلت منذ أفلاطون إلى ماركس العديدَ من كبار الفلاسفة. في هذا الكتاب يركز هونت على ثنائية السيادة والعمل في الديمقراطيات المعاصرة، معتبِراً أن فكرةَ السيادة المطلقة والحرية الكاملة للمواطن لا تتلاءم عملياً مع طبيعة نظام الشغل في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة.

في هذا العمل، يبين هونت أن مفهوم العمل لم يكن ينظر له بالتقدير قبل النظرية السياسية الحديثة، وقد رُبط في البداية بالاشتغال على الأشياء وحدها، على حساب أنواع العمل الأخرى من زراعة الأرض واقتصاد خدمات وتدبير منزلي. مع لوك ومن بعده هيغل وماركس، أصبح يُنظر للعمل بمفهومه الواسع من حيث هو المسلك إلى الاستقلالية والتحكم في الذات عبر مسار «الموضعة» الذي حلله هيغل بعمق غير مسبوق، مشيراً إليه بوصفه تحققاً للذات من خلال تعلقها بالموضوع وتصرفها فيه بما يفضي في نهاية المطاف إلى وعيها بنفسها.

لقد سيطر هذا التصور الإنتاجي للعمل على الفكر الفلسفي والاجتماعي، وغدا العمل الصناعي هو الوجه الوحيد للشغل، رغم كونه لم يفتأ يتراجع منذ القرن التاسع عشر، كما نظر إلى الطبقة العاملة بوصفها محرك التاريخ والقوة الثورية القادرة على إحداث التغيير الجوهري للمجتمع. ومع ماكس فيبر، بدأ الانتباه للظاهرة البيروقراطية الإدارية في مقابل التركيز على المجتمع الصناعي، وإن كان فيبر ظل مهووساً بالصناعة التحويلية المنتجة.

بيد أن الدراسات الراهنة بيّنت بوضوح أن الثورة التقنية الجديدة قوّضت المفهومَ التقليدي للعمل وأخرجته من نموذجه الصناعي المادي إلى مجالات الذكاء الاصطناعي والشغل غير المادي. وبالاستناد إلى أطروحته التقليدية حول الاعتراف، يدعونا «هونت» إلى النظر إلى العمل في سياق العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، بما يقتضي معالجته من منظور القيم والأخلاقيات العمومية المشتركة وليس من جوانبه الإنتاجية النفعية وحدها.

وهكذا يصبح السؤال المطروح هو: هل يشكل الشغل دعامة فاعلة من دعامات التضامن الاجتماعي؟ يرى هونت أن الديمقراطيات الغربية الحديثة كرّست سيادةَ المواطن باعتباره ذاتاً قانونية تتمتع بحقوق سياسية ثابتة في مقدمتها حق الانتخاب، لكن المواطن هو أيضاً عامل، يتعرض في أحيان كثيرة للاستغلال والتنافس اللذين يحدان من السمة التعاونية للمجتمع. لم يعد مِن المجدي اليوم الرجوعُ لنظرية الاستلاب الماركسية التي أرادت إضفاءَ الطابع الأخلاقي العقلاني على نمط العمل الاجتماعي، ولا نظرية الاستقلالية الليبرالية التي حاولت محاربة التحكم السلطوي في حرية الفرد العامل، بل المطلوب هو ملاءمة طبيعة العمل مع الفكرة الديمقراطية نفسها بما تتأسس عليه من معايير الثقة في النفس والمعرفة والكرامة.

وفي هذا السياق، يحدد هونت خمس قيم مرجعية لإعادة تصور العمل في المجتمعات الليبرالية المعاصرة، هي: الاستقلالية الاقتصادية، وتوفير الفسحة الزمنية للفراغ، والمشاركة في المجال العمومي، وتطوير نظام العمل بما يكفل حقوق المشاركة والتعاون بين العامل ورب العمل، ومنح العمل الطابعَ الفكري الثقافي الذي يخرجه من محض الخضوع والتبعية.

ومن هنا يخلص هونت إلى إعادة تعريف العمل مِن منظور جديد يشمل كل أنماط الفاعلية داخل منظومة اجتماعية حركية ومتعاونة، بما يتعارض مع طغيان النزعة التجارية النفعية التي قضت كليا على الفوارق الضرورية بين المنتجات المادية والخيرات الرمزية والإنسانية.

أطروحة هونت تندرج في سياق النظرية النقدية الاجتماعية، والتي يُعَد هونت نفسه أحد أبرز ممثليها في الوقت الحالي، ولذا فقد تناول إشكاليةَ العمل في إطار النهج الذي دشنته فلسفة هيغل بضبط العلاقة المعقدة بين الشغل والحرية والاعتراف في مجتمع تعددي حر. لقد كان هاجس هيغل، ومن بعده ماركس، هو كيف يمكن الحفاظ على علاقات إنسانية متوازنة وعادلة في المجتمعات الصناعية التي تشكل فيها تجربة العمل مقومَ التركيبة الطبقية والمدنية، بما يحوله في آن واحد إلى دائرة أساسية للاعتراف ومصدر للاستغلال والاغتراب.

بيد أن أهمية نظرية هونت تتمثل في تجاوزها للتصور الإنتاجي المادي للشغل الذي يصدر عن استحقاقات الثورة الصناعية الأولى، وكان يعتبر محرك الصراع الأيديولوجي الذي يتمحور حول مكانة ودور الطبقة العاملة في الهياكل الاقتصادية والسياسية. وما نستنتجه من أطروحة هونت هو أن الخطر الذي يتهدد اليوم الديمقراطيات الليبرالية الغربية ليس تناقضات المجتمع المدني التي توقف عندها هيغل ولا الصراع الطبقي الذي تحدث عنه ماركس، وإنما الانزياح المتزايد بين منطق المواطنة وواقع الشغل في دلالته الجديدة الخارجة عن التقنين الإجرائي والضبط السياسي.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 15 سبتمبر 2024 23:45

 

في زيارات البابا فرانسيس لدولٍ في شرق آسيا، تكررت في خطاباته أطروحات الأخوّة والمحبة والأمن والاستقرار. وقد لفتت انتباهي في الأسبوع الماضي خطاباتُه في إندونيسيا، وفي هذا الأسبوع خلال زيارته لسنغافورة يلفت الانتباه اهتمامه بالأخلاق والقانون، واستطراداً علائق الأمرين بالدين. وظائف القانون معروفة، وهي تتلخص بحفظ حقوق المواطنين وواجباتهم في أنفسهم وممتلكاتهم وحرياتهم، وعلى درجات الحفظ أو الإضاعة تترتب آثارٌ تحسم فيها القوانين التي تطبق على المواطنين بالتساوي.

ويرتبط ظهور القوانين وتطورها بظهور الدول وإداراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. هل للقانون وظائف أخلاقية؟ ما طُرح الموضوع هكذا، بل بطريقة معكوسة، أي هل تأسس القانون أو يتأسس على الأديان والأخلاقيات؟ المرجعيات الكبرى للقوانين ثقافة المجتمعات، وفيها الأديان والأعراف والعادات. لكن فيها أيضاً الاختيارات المأخوذة من الخارج أو من الجوار إذا كانت هناك حاجة ملحة أو ضرورات التلاؤم مع السياقات الإقليمية والعالمية.

القوانين الأوروبية الحديثة التي تأثرت بها سائر القوانين، في الغرب والشرق، تهتم بسلطة إنشاء القانون من المجالس التشريعية، وتظل الإدارة السياسية تلعب فيها دوراً رئيسياً لأنها هي التي تقترحها على البرلمانات والهيئات الأخرى، وهي التي تتولّى الإشراف على إنفاذها.

ولا تتوخى السلطة أن تعكس الإرادة العامة للمجتمعات فقط، بل قد تكون لها مقاصد إرشادية أو توجيهية أو إصلاحية أيضاً كما هو معهود في القوانين وتعديلاتها دائماً أو إنتاج قوانين جديدة. إنّ البحث المستجد في الأخلاق والقانون افتتحه جون راولز، فيلسوف القانون الأميركي، في كتابه «نظرية العدالة» (1971). وللعدالة في جذورها البعيدة والقريبة أصول أخلاقية، والمشهور أنها بين الفضائل الأربع التي ذكرها أفلاطون في القوانين أو النواميس، وذكرها أرسطو في كتابه «الأخلاق إلى نيقوماخوس».

ومع أرسطو ظهرت نظرية الوسط بين الإسراف والاستهتار في كل القيم التي تتطلب الانضباط الشديد حتى لا تتصدع فتصير ظلماً أو انفلاتاً في هذا الجانب أو ذاك. تصغي القوانين وتستجيب للمصالح والتلاؤمات.

ويريد راولز أن تتدخل الدولة بدوافع أخلاق «الإنصاف»، كما يسميها، لصالح الفئات الضعيفة والأقل حظاً في المجتمع. وهو يرى أن ذلك ممكن ومطلوب بخاصة في الأنظمة الليبرالية الديمقراطية. وطوال خمسين عاماً ظلّت دراسات راولز موضع نقاش كبير وجدي ليس حول اعتبار الأخلاق في اشتراع القوانين فقط، بل وأيضاً في جواز تحول الاعتبارات الأخلاقية إلى قوانين. ليس هنا المجال لدراسة علائق الأديان بالقيم والأخلاق. لكنّ المعروف أنّ الأديان والأخلاق هي قوىً ناعمة، يعتمد تأثيرها على القناعات العميقة للأفراد والجماعات. وهي تؤثر بأشكال مباشرة وغير مباشرة في صناعة القوانين.

لكن ليس من المستحبّ أن تتحول الأديان والاختيارات الأخلاقية إلى قوانين. وذلك لأنها تصبح مفروضةً ويصبح لها معارضون ليسوا من أهل الدين والتدين أو ليسوا من أهل هذا المذهب الأخلاقي أو ذاك. في زيارته لسنغافورة واجه البابا فرنسيس مجتمعاً مختلطاً من الناحية الدينية، ليس إسلامياً ولا مسيحياً. ولذلك استدعى المفاهيم العامة للعدالة والسائدة على مستوى العالم. لكنه ما رأى تحويلها إلى قوانين، بل اكتفى بالنصيحة باعتبار الإنصاف وأخلاقيات إنسانية الإنسان.

***

د. رضوان السيد

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، ليوم: 14 سبتمبر 2024 23:47

 

لو صدّقنا كل التهم التي نسمعها ونقرأها عن الآخرين، التي تنفي عنهم صفة العروبة والإسلام، فعلى الأرجح أن الغالبية منا لن يكونوا عرباً أو مسلمين. ستكون القلة الذين يوجّهون الاتهامات يميناً ويساراً، ويقيمون حفلات مستمرة من التخوين، ويطردون الآخرين من جذورهم العربية أو عقيدتهم الدينية هم فقط المسلمين والعرب! أما ملايين في هذه المنطقة فلا. خارجون من العروبة، ومارقون من الإسلام. وبعدها نسأل أنفسنا ونحن إذن مَن؟ عرب ومسلمون أم ماذا؟

الآلية التي يستخدمونها هي آلية التخوين المعروفة، التي لا تعمل إلا باستخدام أهم المعاني والقيم لدى الشعوب، ولكن بعد تفريغها من معناها، وتحويلها إلى سلاح يُوجَّه لصدر الخصوم لأهداف متعددة: اغتيال الشخص معنوياً، الترهيب، الابتزاز! العروبة والإسلام اللذان من المفترض أن يمثلا عاملاً مشتركاً وثقافة جامعة لشعوب المنطقة أصبحا من أدوات الكراهية والتقسيم والانتقام! الاختلاف في الرأي يقذفك خارج دوائر العروبة والإيمان.

الأسئلة المهمة هي: لماذا تنتشر هذه الثقافة؟ وما هدفها؟ وكيف بدأت؟ وكيف نعالجها ونكافحها؟

بدأت قديماً، ولكن نشرتها في عصرنا الحديث التيارات القومية والدينية المتطرفة التي هيمنت في عقود سابقة. أيُّ خلاف مع أنصار هذا التيار القومي المتطرف بفروعه المختلفة يعني تهمة بالعمالة للغرب والإمبريالية والرجعية. وهي مستمدة من الحركات القومية الأوروبية المتطرفة، مثل النازية والفاشية، التي استخدمت الخطاب ذاته. ونعرف في تلك الفترة وحتى الآن كم الشتائم البذيئة والاتهامات بالتخابر والصهيونية لمجرد الاختلاف في رؤية الأشياء. هم فقط حراس القومية، ويدخلون ويخرجون منها مَن يريدون. إذا رضوا عليك جعلوا منك قومياً ووطنياً، وإذا غضبوا منك جعلوا منك خائناً عميلاً. من الجانب الديني، نشرت التيارات المتطرفة، خصوصاً جماعات الإسلام السياسي الشيعية والسنية، ثقافة التخوين والتكفير والإخراج من الملة. وكأن الإسلام ملك لهم وحدهم. إذا كنت معهم أدخلوك في الدين الإسلامي، وإذا اختلفت معهم طردوك منه، وأغلقوا الباب خلفك. يلعبون دور الله تعالى الذي يُدخِل ويُخرِج من رحمته من يشاء. لنشكر الله الرحيم أن مصيرنا ليس بأيديهم.

ما الغرض من آلية التخوين؟ ليست عبثاً، ولكن لأغراض متعددة؛ أولاً: تستخدم لإضفاء الشرعية على هذه التيارات والحكومات التي تعتمدها. ترديد مثل هذه الشعارات من دون عمل أي شيء سيمنحها الشرعية المطلوبة عند شعوب عاطفية تنخدع بها. إنها خدعة قديمة جديدة. ثانياً: بغرض التشتيت عن الفشل الداخلي. ولاحظوا أن الحكومات الفاشلة استخدمت هذه الشعارات حتى تخرج من أزماتها الداخلية. ثالثاً: بحثاً عن السلطة، وهذا مثل ما تفعله الجماعات والتنظيمات المتطرفة التي لا تُخوِّن فقط، ولكن تقتل باسم الدين من أجل الوصول إلى السلطة. رابعاً: من أجل الترهيب والابتزاز والإخضاع، سواء لأفراد أو جهات أو حكومات.

ومن أجل ذلك، تستخدم أعدل القضايا من أجل كل ما ذكرناه، الشرعية والسلطة وتثبيت الحكم والابتزاز، كما يحدث الآن مع غزة. وبينما أهل غزة يُقتلون يومياً بطريقة وحشية، التفت هؤلاء إلى الآخرين يخرجونهم من الدين والعروبة باسم فلسطين، ويوزعون صكوك الغفران والوطنية. وحتى إنهم قاموا بتخوين الفلسطينيين أنفسهم وأهل غزة الذين يدفعون الثمن من دمائهم. ولو لاحظنا أنهم استخدموا هذه القضية بحثاً عن السلطة، ولهذا انصبَّ جهدهم على عدد من الدول العربية والتحريض عليها، مُتَّهِمِينَها بالتواطؤ والعمالة من أجل تقويض شرعيتها.

كيف نعالج هذه الثقافة؟ أولاً بالاعتراف بها ومعرفة مصادرها كما ذكرت. إذا عرف الشخص جذور المشكلة سهل عليه معالجتها. هذه التيارات والجماعات هي مَن روّجها وزرعها في العقول، ولكن التخوين ثقافة المهزومين، والدليل أن الحكومات والتيارات والجماعات التي تبنَّتها فشلت وانهارت، من الناصرية إلى البعثية إلى الخمينية إلى الإخوانية. مكافحتها تبدأ من نشر ثقافة بديلة، تنطلق من فكرة أن المزايدة على الآخرين بالدين والعروبة والوطنية فكرة خاطئة ومضرة بالمجتمع، وتتسبب في تقسيمه وزرع الكراهية داخله. المجتمع ينقسم إلى وطنيين وخونة، ومسلمين وكفار، وهذا لا يخدم أي قضية، ولكن يُحوِّلها إلى ذريعة للانتقام. إنها أيضاً خزان للأحقاد التي تتوارثها الأجيال. إذا تشرَّبت أن الآخرين خانوا وطنك وباعوه فستشعر بشكل طبيعي بالحقد عليهم. التخلُّص منها هو الحل الوحيد، وذلك أيضاً لاستبدال ثقافة التسامح بها، وفهم الدين بصورة رحبة وإنسانية، ومن المعيب استخدامه مسدساً كاتماً للصوت، وكذلك فهم القومية بأنها عنصر جامع لأبناء الوطن الواحد، والقومي الجيد هو الذي يخدم وطنه، ويسهم في ازدهاره، ويحمي مواطنيه من الحروب المدمرة، ويحفظ أرواحهم. نزع ثقافة التخوين واستبدال ثقافة متحضرة بها ليس سهلاً، ولكن ليس صعباً. وبرأيي أننا نعيش اللحظة المناسبة لتغييرها، خصوصاً مع حكومات معتدلة في المنطقة، وخصوصاً في الخليج، مستنيرة تركز على النجاح الاقتصادي والرفاه الاجتماعي، وليست بحاجة إلى استخدام الشعارات القومية والدينية المتطرفة لإثبات حكمها وبسط شرعيتها. لقد أثبتت نجاحها، وتحولت إلى نموذج لغيرها من دون أن تستخدم الخدعة القديمة المملة. ولهذا تحولت إلى هدف للمخونين؛ لأنها لا تستخدم لغتهم، ولا تخضع لابتزازهم، ولا تزج نفسها بحروبهم العبثية. لقد حافظت على قوة الدولة، ولم تسمح بظهور ميليشيات وجماعات تضعفها وتؤدي إلى تفككها (وهذا هو الهدف)، وركَّزت على الإنسان فقط، من دون أن تخرجه من دينه أو عروبته! لقد حان الوقت لنشر الثقافة الوطنية الإنسانية الأخلاقية العقلانية والدينية الرفيعة، بعيداً عن ثقافة التخوين، وكل ما تحمله من سموم وأحقاد وكراهية.

***

د. ممدوح المهيني

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 10 ربيع الأول 1446 هـ - 13 سبتمبر 2024 م

في المثقف اليوم