اخترنا لكم

إبراهيم بورشاشن: بين العقل الصريح والنقل الصحيح

شغف المسلمون كثيراً بثنائية العقل والنقل، فلم يكن للمسلمين أن يُردّدوا عبارة أوغسطين «آمن، ثم تعقّل»، بل كانوا يرون أن «أول الواجبات النظر»، وقد أسعفهم كتابهم الكريم بهذه الرؤية التي تجعل العقل دعامة للإيمان. عندما وقف العامري في كتابه «الإعلام بمناقب الإسلام»، على مواقف تزعم بُعْد العلوم الملية عن العقل، قام بتفصيل القول فيما ترجع إليه العلوم الملية من معتقدات وعبادات ومعاملات وزواجر، فأكّد أن ماهيات العلوم الملّية هي عقلية، وأن العقل الصريح لا يستنكف عن عبادة، ولا يحيل معاملة النّاس بعضهم بعضاً بالحسنى، ولا يجيز ترك الأشرار دون زجرهم عن السوء، وهي كلّها من مشمولات الملّة، غير أن عقول الأفراد لما يلحقها من قصور في إدراك الكيفيات والكمّيات في العبادات والمعاملات والزّواجر، كان من الضّروري اللّجوء إلى علم الباري لتقديرها. مؤكداً أنّ كل ما أوجبه العقل يجب قبوله والالتزام به، وما لم يوجبه العقل لا يقبل أبداً.

وما جوّزه العقل فحكمه موقوف في انتظار أن يَردَ أمرٌ ما، ومن هنا أهمية الملّة، وأهمية حاجة العقل الغريزي إلى المسموع الخبري، خاصة أن الملة أكدت حجّة العقل بالسمع في كثير من آيات القرآن الكريم. بل إن عناية المسلمين بتقديم المقدمات العقلية لاستخراج النتائج النظرية فاقت كل التّصورات والتّوقعات، كما يظهر ذلك في كتب المتكلمين على الأقل. مما يظهر المكانة التي احتلها العقل في فضاء أهل الإسلام كما أكد ذلك العامري.

وعندما وقف الكندي، قبله، على الفلسفة اليونانية، وقد كان متشبعاً بعلومه الملية، وجد أنّ علم الرسل الذي هو مصدره الوحي والإلهام، موافق لعلوم الفلسفة التي مصدرها البحث العقلي والفحص النظري، وقد أصبحت هذه الفكرة تخترق المتن الفلسفي الإسلامي، وقد عبّر عنها كل فيلسوف بطريقته الخاصة:

أثبت الكِنْدي هذه الفكرة من خلال نظر فلسفي في أواخر سورة يس بآياتها المعَبِّرة عن قضايا فلسفية بِلُغَة وجيزة للقول الفلسفي فيها بسط واستقصاء، أو بلغة العامري «معانٍ لو بسطت لاستغرقت الأخلاد والطوامير». وقد وظّف الكندي كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو لتأسيس فكرة التّوحيد ضدا على الثّنوية والتّثليت. ووجدنا الفارابي في كتابيه «الملّة» و«الحروف» يبرز أن كلّيات الملة منطوية تحت كلّيات الفلسفة النظرية والعملية، في إطار علم مدني يجعل الفيلسوف جزءاً من مدينته وليس غريباً عنها.

بل إن الغزالي، وبالرغم ممّا يقال عن عداوته للفلسفة، فإنه في كتابه «مشكاة الأنوار» كان أقرب إلى الفلاسفة، بل فيلسوفاً حتى النّخاع. يُقرِّب بين منظومتين من خلال آية المشكاة.

ولعل أجلى مثال على التّبنّي المطلق لهذه الازدواجية بين العقل والنّقل هو ابن رشد الذي يُصرّح بقوّة في كتابه «فصل المقال» أنّ ما أقرّه العقل لا يمكن للشرع أن يخالفه، وإلا تمّ اللجوء إلى التّأويل للجمع لاستحالة مخالفة الشرع للعقل.

وقد جسّد معاصر ابن رشد وصديقه ابن طفيل، هذه الفكرة بجلاء في قصة حي بن يقظان التي هي في عمقها خيوطٌ رفيعةٌ نُسجت لتصل الشرع بالعقل والوجدان.

إن ديناً يقوم كتابه كلّه على الدُّعاء إلى النّظر والاعتبار، وإن حضارة قامت في كثير من دعائمها على التّوفيق بين العقل الصريح والخبر الصحيح، لا يمكن لأهلها إلا أن يحتفوا بالعقل، ليس العقل الأداتي فقط، الذي هو عقل تقني جارف من دون قيم في كثير من الأحيان، بل العقل المتعدّد بشِقَّيه النّظري والعملي، فهو الطريق اللاّحب إلى الاستثمار، والسّبيل الأوحد إلى الاكتشاف، والجسر الواصل بالأخلاق البانية الدّاعمة للإعمار.

***

د. إبراهيم بورشاشن

نقلا عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 3 ابريل 2025 23:45

 

في المثقف اليوم