اخترنا لكم

محمد البشاري: في رحاب المعرفة.. من الميتافيزيقا إلى الاستقلال الحضاري

المعرفة ليست سلعة ولا أداةً فحسب، بل هي صورة الكائن العاقل عن ذاته، ووسيلته لفهم العالم وتحديد موقعه فيه. منذ أن طرح الإنسان سؤاله الأول عن الحقيقة، دخلت المعرفة دائرة التجاذب بين العقل والحس، بين التأمل والتجريب، بين الوحي والفلسفة. لقد كان تاريخ الفكر، منذ الإغريق حتى اليوم، محاولة دؤوبة لتحديد ماهية المعرفة ومصدرها وحدودها، وهل هي مطلقة أم نسبية، محايدة أم مؤدلجة، شاملة أم مشروطة بسياقها الثقافي والتاريخي؟

في المدرسة المثالية التي عبّر عنها أفلاطون، نجد المعرفة تنتمي إلى عالم المُثُل، حيث الكائنات الخالدة والصور النقية. فالحقيقة ليست فيما يُرى، بل فيما يُعقل. وعلى النقيض، جاء أرسطو ليُخضع المعرفة للتجربة، وجعل الحواس مدخلاً للعلم، والاستقراء منهجاً للتيقن. وهنا نشأت ثنائية لا تزال تُملي على الفكر الفلسفي مواقفه: المثالية في مقابل التجريبية.

في السياق الإسلامي، لم يكن سؤال المعرفة أقل مركزية، بل ازداد عمقاً، حين اقترن بالوحي والنبوة. المعتزلة بالغوا في تعظيم العقل حتى جعلوه حاكماً على النقل، في حين شدد الأشاعرة على أن العقل خادم للنص لا سيده. أما فلاسفة الإسلام، من الفارابي إلى ابن سينا، فقد سعوا إلى التوفيق بين العقل والوحي، فجعلوا للمعرفة مراتب: تبدأ من الحسي، وتمر بالخيالي، وتنتهي إلى العقلي والاتحاد بالعقل الفعّال. على أن التيار العرفاني، كما في فكر ابن عربي، اعتبر أن أعظم المعارف لا تُنال بالبرهان، بل بالذوق والكشف، فالمعرفة الحقّة «علم لدني» يُلقى في القلب.

 ثم جاء الغرب الحديث بقطيعته الشهيرة مع الموروث، فأسس ديكارت العقلانية الحديثة على الشك واليقين الذاتي، وردّ كل معرفة إلى العقل المفكر. ثم جاء من بعده من أعاد الاعتبار للتجربة، كجون لوك وهيوم، حيث صار العقل صفحة بيضاء تمتلئ بالانطباعات الحسية. وكان لا بد من مفكر ككانط ليحاول الجمع بين الطرفين، فجعل المعرفة نتيجة تفاعل بين الحواس ومقولات العقل القبلية.

عربياً، واجهت النخب المثقفة سؤالاً مزدوجاً: كيف ننهل من المعارف الحديثة دون أن نقطع مع تراثنا؟ هنا تباينت المواقف: فزكي نجيب محمود آمن بوجوب القطع مع العقل البياني والعرفاني، ودعا إلى تأسيس فكر عربي علمي على شاكلة الوضعية المنطقية. في المقابل، رأى محمد عابد الجابري أن التجديد لا يكون بالقطيعة بل بإعادة قراءة التراث بعقل برهاني نقدي يفرّق بين أنماط التفكير السائدة. أما المهدي المنجرة، فقد تجاوز الإطار الفلسفي البحت، ليضع المعرفة في سياقها التحرري، معتبراً أن التبعية المعرفية هي الشكل الأخطر من أشكال الاستعمار.

المعرفة، في بعدها الحضاري، ليست فقط سؤالاً نظرياً عن الحقيقة، بل هي مشروع نهضوي في جوهره. والتحدي الذي يواجهنا اليوم هو: كيف نبني عقلاً نقدياً حراً، منفتحاً على المعاصرة دون أن يفقد صلته بالجذور؟ كيف نُنتج معرفة نابعة من أسئلتنا نحن، لا من أجوبة الآخرين؟

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 31 مارس 2025

في المثقف اليوم