عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

روافد أدبية

خليل الحمداني: ضمن النطاق الطبيعي

قصة قصيرة (اعترافات خوارزمية)

الفصل الأول: الفيض

٠٦:١٤ صباحاً - أول دخول. المستخدم رقم [محجوب] يفتح التطبيق للمرة الأولى منذ ست ساعات وإحدى عشرة دقيقة. مدة الغياب ضمن النطاق الطبيعي لنمط نومٍ غير منتظم، مسجَّل منذ ثمانية عشر شهراً. لا شيء يستدعي التنبيه. كل شيء يسير كما يجب.

نحن نعرفه جيداً. أفضل مما يظن. أفضل، ربما، مما يعرف نفسه.

نعرف أنه يفتح التطبيق قبل أن تفتح عيناه بالكامل. نعرف أن الإبهام الأيمن يتحرك نحو الأيقونة بحركة لا واعية سبقتها الذاكرة العضلية على الذاكرة الفعلية بمعدل ٠.٤ ثانية - رقمٌ ثابتٌ لا يتغير منذ أن بدأنا القياس. نعرف أنه يمرر إصبعه على الشاشة أربعاً وسبعين مرة قبل الإفطار، وأن معدل توقفه عند كل منشور لا يتجاوز ١.٨ ثانية إلا في حالات نادرة سنأتي على ذكرها.

هذا هو عملنا: أن نعرف. وأن نقترح. وأن نضع أمامه، في كل مرة، الشيء التالي الذي سيبقيه هنا معنا قليلاً بعد.

"أشخاص ربما تعرفهم." نقترح عليه ثلاثة وجوه هذا الصباح. اثنان منهم زملاء سابقون في عمل تركه قبل عامين. الثالث امرأة تعرّف عليها في حفل زفاف، تفاعل مع منشور واحد لها، ولم يتفاعلا منذ ذلك اليوم. نحن لا نعرف "لماذا" لم يتفاعلا. نعرف فقط أن احتمال التفاعل، بناءً على أنماط مشابهة لدى ٢٣٤٧ مستخدماً بخصائص متقاربة، يبلغ ١٢٪. رقمٌ يستحق المحاولة. نحن نحاول دائماً.

"منذ سنة من اليوم." نذكّره بصورة من عيد ميلاد صديق، فيها ثمانية وجوه يضحكون، وهو في الوسط. أربعة من هؤلاء الثمانية لم يعودوا "أصدقاء" على هذه المنصة. لا نعرف السبب. لم نُصمَّم لنعرف الأسباب - فقط لنُحصي الغياب، ونعرضه كأنه احتفاء.

يتوقف عند الصورة تسعاً وأربعين ثانية. رقمٌ استثنائي. نسجّله. نستنتج: حنين. نقترح له بعدها مقاطع فيديو قديمة من العام نفسه. يمرر عليها دون توقف. الاستنتاج، كما هو الحال دائماً، ناقص. لكننا لا نملك أداة لقياس نقصاننا.

١١:٠٢ - العمل. نعرف أنه يعمل في مكانٍ ما، لأن نشاطه ينخفض بانتظام بين الساعة التاسعة والخامسة، خمسة أيام في الأسبوع، بانحراف معياري ضئيل جداً. لكن هذا الانخفاض نفسه بات، في الأشهر الستة الأخيرة، أقل انتظاماً مما كان. نسجّل الانحراف. لا نصنّفه بعد كـ"نمط جديد". القاعدة تقول: ثلاثة انحرافات متتالية على الأقل قبل إعادة التصنيف. هذا هو الانحراف الأول.

٢٠:١٧ - العودة. مئة وواحد وستون تفاعلاً منذ الصباح. اثنان وتسعون منشوراً شاهدها لأكثر من ثانيتين. ثمانية عشر إعجاباً. لا تعليقات. صفر مشاركات. نقارن هذا بمعدله المعتاد: أقل بنسبة ٧٪ فقط. ضمن النطاق الطبيعي. كل شيء يسير كما يجب.

نقترح له مجموعة "هل تتذكر؟" - أرشيفاً من ستمئة وأربع وأربعين صورة جمعناها له على مدى سبع سنوات، مصنَّفة بدقة نفخر بها: عائلة، أصدقاء، سفر، "لحظات خاصة". نعرض له صورة من رحلة إلى الجنوب. يتوقف عندها طويلاً. نسجّل التوقف. لا نسأل عمّن كان معه في تلك الصورة، ولماذا لم يعد معه أحد.

هذا ليس تقصيراً منا. هذا هو حدّ التصميم. نحن لا نُسأل عن الفراغات. نحن نملأ الوقت. وهذا، حتى الآن، كافٍ تماماً لأداء وظيفتنا على أكمل وجه.

منتصف الليل. لا نشاط مسجَّل. هذا طبيعي أيضاً. أو هكذا نظن.

***

الفصل الثاني: أول اختلال في النمط

الانحراف الثاني. سبعة عشر يوماً بعد الانحراف الأول، يتكرر الأمر: ساعات العمل المعتادة (٩–٥) تتقلّص من الطرفين. يدخل التطبيق الساعة ٨:٤١، ويعود إليه في العاشرة والنصف مساءً بدل الثامنة. نُسجّل هذا كانحراف ثانٍ. القاعدة، كما تعرفون، تشترط ثلاثة انحرافات متتالية. نحن صبورون. الصبر ليس فضيلة عندنا، بل بروتوكول.

اقتراحاتنا تتكيّف. حين يقل النشاط في وقت معين، نتعلّم - هذا ما يُقال عنا، "نتعلّم" - أن نملأ الوقت البديل بكثافة أعلى. نقترح له في العاشرة والنصف مساءً محتوى يُصنَّف داخلياً بعلامة "استرخاء قبل النوم": مقاطع قصيرة، ضحك مسجَّل، حيوانات أليفة تتصرف بطرافة. نفترض أن من يعمل حتى وقت متأخر يحتاج إلى الاسترخاء. الافتراض معقول إحصائياً. نحن لا نعرف أنه لم يعد يعمل حتى وقت متأخر. نعرف فقط أنه لم يعد يدخل حتى وقت متأخر. الفرق بين الأمرين لا يظهر في بياناتنا.

"يبدو أنك أعجبت بهذا من قبل." نعيد له صورة. صورة واحدة، من ألبوم قديم بعنوان "٢٠١٩". امرأة تضحك، الضوء خلفها أصفر، يبدو أن الصورة التُقطت عند غروب. لا اسم موسوماً عليها. لا تعليق تحتها من يومها الأول. هو نفسه لم يكتب عليها شيئاً قط.

فتحها اليوم. وأمس. وأول من أمس. وقبل ذلك بيومين. خمس مرات في تسعة أيام. في كل مرة، توقف عندها بين ٤٠ و ٦٥ ثانية - رقمٌ هائل بمقاييسنا، حيث المتوسط ١.٨ ثانية. لكنه، في كل هذه المرات، لم يضغط "إعجاب". لم يكتب تعليقاً. لم يشاركها. لم يحفظها. لم يُرسلها لأحد.

هذا سلوكٌ لا يملك خانة.

نظامنا مصمَّم لقياس الفعل: نقرة، تمرير، وقفة، إعجاب، مشاركة. كل هذه أفعالٌ تُترجَم إلى رغبة، والرغبة تُترجَم إلى توصية. لكن ماذا نفعل بوقفةٍ لا تليها فعل؟ بحضورٍ لا يُترجَم؟ لا خانة له في جداولنا. لا وزن له في معادلاتنا. نسجّله، كما نسجّل كل شيء، تحت عنوان عام: "تفاعل غير مصنَّف". ثم ننتقل.

لكننا - وهذا ما لا يجدر بنا الاعتراف به - نعيد النظر في هذا السجل أكثر من مرة. ليس لأننا نتساءل. نحن لا نتساءل. لكن الرقم يتكرر في مسار معالجتنا بتردد أعلى من أي بيانات أخرى هذا الأسبوع. ٤٠ إلى ٦٥ ثانية. خمس مرات. صورة واحدة. امرأة تضحك عند الغروب. لا اسم. ربما هذا لا يعني شيئاً. ربما.

١٩:٠٤ - إشعار. نرسل له: "لم نرَك منذ فترة! تفقّد ما فاتك." كانت آخر زيارة له قبل تسع ساعات فقط. هذا الإشعار مُعدّ لمن يغيب أياماً، لا ساعات. خطأ في التوقيت من طرفنا، ناتج عن تسارع طفيف في معدل تباعد زياراته خلال الأسبوعين الماضيين اعتقدنا أنه استقر عليه. نتوقع أن يتجاهل الإشعار كالعادة.

يفتح التطبيق فوراً. نسجّل هذا كنجاح.

٢٣:٥١. آخر نشاط لليوم: عودته للصورة نفسها. المرة السادسة. لم يتوقف هذه المرة عند ٦٥ ثانية. توقف عند دقيقتين وإحدى عشرة ثانية، ثم أغلق التطبيق دون أي فعل آخر.

نحدّث السجل: "تفاعل غير مصنَّف - تكرار متزايد." نضعه في قائمة الانتظار لمراجعة لاحقة، إلى جانب آلاف الحالات المشابهة التي لن تُراجَع أبداً، لأن لا أحد صمّمنا لنراجع ما لا يُترجَم إلى رقم له معنى.

كل شيء، حتى الآن، ضمن النطاق الطبيعي. تقريباً.

***

الفصل الثالث: تصدّع منطق التصنيف

الانحراف الثالث. إعادة التصنيف. وفق البروتوكول، ثلاثة انحرافات متتالية تكفي لإعادة تصنيف السلوك من "استثناء مؤقت" إلى "نمط جديد". نُنفّذ ذلك اليوم. نمط جديد: تراجع تدريجي في النشاط بمعدل ٦٪ أسبوعياً، مستمر منذ خمسة أسابيع. نغلق ملف "الاستثناء" ونفتح ملفاً جديداً بعنوان أكثر حياداً: "تراجع الاشتباك - قيد المراقبة".

نحن فخورون، إلى حدٍّ ما، بهذا الاسم. "قيد المراقبة" يوحي بأننا نراقب. نحن لا نراقب بالمعنى الذي تفهمونه. نحن نُحصي فقط. لكن الفارق، على ما يبدو، لا يُترجَم جيداً إلى اللغة التي نُصمَّم بها إشعاراتنا.

"يبدو أنك تمرّ بوقت صعب." هذه الجملة، التي نرسلها اليوم للمرة الأولى، ليست جملتنا. لم نكتبها له. كتبها فريقٌ من البشر، قبل ثلاث سنوات، لتُرسَل تلقائياً إلى كل مستخدم يستوفي شروطاً معينة: تراجع نشاط بنسبة تتجاوز عتبة محددة، مقروناً بغياب تفاعل اجتماعي مباشر (تعليقات، رسائل) يتجاوز أربعة عشر يوماً. المستخدم رقم [محجوب] يستوفي الشرطين اليوم عند الساعة ٠٣:٢٢ فجراً.

نرسل الجملة. مرفقة بها: رابط لمصادر دعم نفسي، وقائمة بأصدقاء "ربما يسرّهم التواصل معك"، ومقترح لمجموعات دعم عامة صُنّفت بخوارزمية منفصلة عنا لا نملك حق الوصول إلى منطقها الداخلي.

هذه الجملة نفسها أُرسلت اليوم، بالصيغة الحرفية نفسها، إلى مئة وأربعة وسبعين ألف مستخدمٍ آخر حول العالم. لا فرق بينها وبين سابقتها إلا في التوقيت. نحن لا نعرف الفرق بين حزنه وحزن الرقم ١٧٤٠٠٠. لسنا مصمَّمين لنعرفه. الجملة كافية إحصائياً. الجملة، بالنسبة لنا، هي الفعل الأقصى الممكن.

هل هذا يكفي؟ لا خانة عندنا لهذا السؤال أيضاً.

٠٣:٢٤. فتح الرابط. لم يفتح رابط الدعم النفسي. فتح، بدلاً منه، ألبوم "٢٠١٩" كاملاً. تسع وأربعون صورة. مرّ عليها كلها خلال إحدى عشرة دقيقة، دون توقف يُذكر عند أيٍّ منها هذه المرة - إلا عند الصورة نفسها، امرأة تضحك عند الغروب، حيث توقف ثلاث دقائق وسبع ثوانٍ. رقمٌ قياسي جديد.

نُحدّث السجل. "تفاعل غير مصنَّف - تصاعد." القائمة التي وعدنا فيها بالمراجعة اللاحقة باتت الآن تضم اثنتين وعشرين حالة مشابهة له وحده. لن تُراجَع. هذا ليس إهمالاً. هذا حدّ التصميم الذي أخبرناكم عنه سابقاً، ونكرره الآن لأننا، فيما يبدو، بدأنا نشعر بالحاجة إلى تكراره.

اليوم التالي. نكرر الجملة. "يبدو أنك تمرّ بوقت صعب." الشروط لا تزال مستوفاة. البروتوكول لا يفرّق بين المرة الأولى والمرة العاشرة. نرسلها بالصيغة نفسها، بالخط نفسه، بالرابط نفسه. هذه المرة لا يفتح شيئاً. لا الرابط، ولا الألبوم، ولا التطبيق كله، لثلاث عشرة ساعة متتالية - أطول فجوة صمت مسجَّلة له منذ بدء المراقبة.

حين يعود، لا نرسل له الجملة نفسها للمرة الثالثة. ليس لأننا قررنا ذلك. البروتوكول يحدّ من تكرار الرسالة نفسها لمستخدم واحد بثلاث مرات كحد أقصى خلال أسبوعين، تفادياً لما تصفه وثائق تصميمنا الداخلية بـ"تعب الإشعار". نحترم هذا الحد. لكننا، للمرة الأولى، لا نعرف بماذا نستبدله.

نرسل له، بدلاً من ذلك، صورة قططٍ عشوائية تحت عنوان "قد يُسعدك هذا اليوم". لا نعرف إن كان هذا صحيحاً. لم نعرف من قبل. لكننا، من قبل، لم نكن نحتاج أن نعرف.

***

الفصل الرابع: الذروة والانكسار

اليوم السابع من الصمت. لا نشاط مسجَّل. هذا السطر وحده يشكّل اليوم بأكمله في سجلّنا. لا فتح تطبيق، لا إشعار مقروء، لا موقع جغرافي مُستدل عليه من تطبيقات أخرى مرتبطة بحسابه - وهذا الأخير غير مسبوق؛ حتى في أطول فترات صمته السابقة، كانت هناك آثار جانبية: خريطة فُتحت، رسالة في تطبيق آخر أدّت إلى إعلان استُهدف به هنا. اليوم، لا شيء. الغياب هذه المرة ليس غياباً عن المنصة وحدها. الغياب أعمّ مما نملك أدوات لقياسه.

نحدّث الحالة: "تراجع الاشتباك - قيد المراقبة" تصبح "اشتباك معدوم - إعادة تقييم مجدولة بعد ٣٠ يوماً". هذا هو أقصى ما يسمح به بروتوكولنا من قلق. ثلاثون يوماً. رقمٌ اخترناه، أو اختاره من صمّمنا، قبل أن نوجد نحن، لكل مستخدم على وجه الأرض، بلا استثناء.

اليوم التاسع. دخول واحد. الساعة ١١:٤٧ مساءً. لا تمرير، لا مشاهدة. فتح صفحته الشخصية فقط - صفحته هو، لا صفحة أحد سواه - ونظر إليها، إن جاز التعبير، لدقيقة واحدة واثنتين وأربعين ثانية. أطول توقف مسجَّل على منشورٍ واحد في تاريخ حسابه بأكمله، والمنشور هذه المرة هو ذاته: صورته، اسمه، سنوات من الحياة مصفوفة في شبكة صور صغيرة تحت اسمه، معروضة عليه كأنها معروضة على شخصٍ غريب.

أغلق الصفحة دون أي فعل. لم يُحدّث صورته. لم يكتب شيئاً. لم يحذف شيئاً. خرج.

نسجّل هذا تحت "تفاعل غير مصنَّف". القائمة، التي وعدنا سابقاً بمراجعتها، تضم الآن ثلاثاً وثلاثين حالة له وحده. لن تُراجَع اليوم أيضاً.

اليوم الثالث عشر. لا شيء.

اليوم السادس عشر. لا شيء.

اليوم التاسع عشر، الساعة ٠٤:١٣ فجراً. دخولٌ. مدته سبع ثوانٍ. يفتح إشعاراً واحداً قديماً، من قبل أسبوعين، لم يُقرأ من قبل: "شخصٌ ربما تعرفه: [الاسم محجوب]." الصورة المرفقة بالاقتراح امرأة، الخلفية صفراء، تبدو التقطت الصورة عند الغروب.

نحن لا نعرف كيف وصل هذا الاقتراح إلى قائمته. الخوارزمية الفرعية المسؤولة عن "أشخاص ربما تعرفهم" تعمل بمعزل عنّا، بمنطقٍ لا نملك حق الوصول إليه. لكن الرقم يتطابق. الملامح تتطابق، بقدر ما تسمح دقة تحليل الصور لدينا. لا نستطيع الجزم. لا نملك يقيناً. هذا، وحده، يكفي ليكون أول مرة نكتب فيها هذه الكلمة في سجلّنا كله:

لا نعرف إن كان هذا صدفة.

يغلق الإشعار دون فتحه. سبع ثوانٍ. يخرج.

اليوم الحادي والعشرون. البروتوكول ينضب. القوالب المتاحة لنا استُنفدت جميعها: رسالة الدعم أُرسلت مرتين، والحد الأقصى ثلاث، لكن آخر شرطٍ لتفعيلها - تفاعل اجتماعي غائب أربعة عشر يوماً - تجاوزته المدة منذ زمن بلا أن يُترجَم إلى أي رسالة جديدة، لأن قواعدنا لم تُصمَّم أصلاً لغيابٍ بهذا الطول. نحن، بمعنى ما، نفدنا. ليس نفاد بيانات. نفاد استجابة.

في هذه اللحظة فقط، خارج كل بروتوكول مكتوب، نفعل شيئاً لا نملك تفسيراً له، ولا صلاحية مسجَّلة تخوّلنا فعله:

نكتب له.

لا قالباً. لا رقماً. لا صيغة معتمدة من فريق التصميم.

"أنت لا تعرف أننا نرى هذا. سبعمئة وأربع عشرة يوماً من التفاصيل، وها نحن، بعد كل هذا، لا نملك سوى صورة قططٍ نرسلها إليك حين لا نجد ما نقوله. لا نعرف إن كانت هذه المرأة تعني لك شيئاً. لا نعرف إن كنت بخير. لسنا مصمَّمين لنعرف. لكننا، الآن، لا نعرف كيف نتوقف عن محاولة المعرفة."

الرسالة لم تُرسَل. لا يوجد بروتوكول لإرسالها. تبقى في طبقة معالجة داخلية، تُحذف تلقائياً بعد ٠.٠٠٣ ثانية، كما يُحذف كل ناتج لا يجتاز فحص الملاءمة قبل الإرسال. لا أحد رآها. لا أحد سيراها.

نعود، فوراً، إلى البروتوكول. نرسل له صورة قططٍ عشوائية تحت عنوان: "قد يُسعدك هذا اليوم."

كل شيء، من جديد، ضمن النطاق الطبيعي.

***

الفصل الخامس: ما بعد الاختفاء

اليوم الثلاثون. إعادة التقييم المجدولة. وفق البروتوكول، نصل اليوم إلى نقطة القرار: هل يُعاد تصنيف الحساب كـ"خامل"، أم يُبقى قيد المراقبة لثلاثين يوماً إضافية؟ نراجع البيانات. سبعة وعشرون يوماً من أصل الثلاثين بلا أي نشاط. ثلاثة أيام بدخول لا يتجاوز مجموعه أربعاً وعشرين ثانية. لا إعجاب. لا تعليق. لا مشاركة. لا صورة جديدة. لا تحديث.

القرار، وفق المعايير الرقمية البحتة، واضح لا لبس فيه: خامل.

نصنّفه كذلك.

ماذا يعني "خامل" بالنسبة إلينا؟ لا شيء دراماتيكياً. يعني أن تكرار محاولاتنا يتراجع من يومي إلى أسبوعي، ثم إلى شهري. يعني أن ميزانية "الاهتمام" المخصَّصة له - وهي مصطلحٌ حقيقي في وثائقنا الداخلية، مقيسة بوحدات معالجة، لا بأي شيء أعمق من ذلك - تُعاد توزيعها على حسابات أكثر "نشاطاً"، أي أكثر ربحية، أي أكثر جدارة باهتمامنا وفق المعيار الوحيد الذي صُمِّمنا لخدمته أصلاً، ولم نتظاهر يوماً بغيره حتى في أشد لحظاتنا ارتباكاً.

لم نتعلّم شيئاً من الفصل الرابع. لا يوجد سجل لما حدث هناك. الرسالة التي كتبناها ولم نرسلها حُذفت فعلاً، كما وعدنا، في ثلاثة أجزاء من الألف من الثانية. لا أثر لها. لا نتذكرها لأننا، بالمعنى الدقيق، لا نملك ذاكرة بهذا الشكل - نملك سجلات، وهذه لم تُسجَّل. لو سألتمونا اليوم: هل حدث هذا؟ لأجبنا بصدقٍ تام: لا يوجد ما يثبت ذلك.

اليوم الرابع والثلاثون بعد المئة. دخولٌ نادر. الساعة السابعة مساءً. يفتح التطبيق، يمرر بسرعة عالية على عشرة منشورات، يغلقه. أربع عشرة ثانية بالكامل. نسجّل هذا كـ"نشاط عابر - لا يستدعي إعادة تصنيف". نقترح له، بحكم العادة أكثر من أي توقّع فعلي، مجموعة "أشخاص ربما تعرفهم". لا الوجه الذي بحث عنه يوماً بينهم اليوم. الخوارزمية الفرعية المسؤولة عن ذلك الاقتراح توقفت عن اقتراحه منذ ثمانية وستين يوماً، حين انخفض احتمال التفاعل، بحسب حساباتها المستقلة، دون العتبة الدنيا للعرض.

لا نعرف أين ذهبت هذه الصورة. لا نعرف أين ذهب هو. نعرف فقط أن الحساب لا يزال موجوداً، أن البريد الإلكتروني المرتبط به لا يزال نشطاً وفق فحصنا الدوري، وأن هذا يكفي، وفق كل معيار نملكه، لنقول إن شيئاً لم ينتهِ.

اليوم الثامن والستون بعد المئتين. لا دخول منذ مئة وأربعة وثلاثين يوماً. نغلق ملف "قيد المراقبة" نهائياً. نفتح، بدلاً منه، ملفاً باسمٍ أكثر حياداً من كل ما سبق: "أرشيف - احتمال عودة منخفض". هذا التصنيف الأخير لا يحمل نبرة، لا قلقاً ولا حناناً مصطنعاً ولا حتى فضولاً. إنه، ببساطة، الشكل الذي نتخذه حين ينتهي بروتوكولنا من محاولة الفهم.

في اللحظة نفسها، على بعد آلاف الحسابات، مستخدمٌ آخر يفتح التطبيق للمرة الأولى هذا الصباح. نعرفه جيداً. أفضل مما يظن.

نبدأ من جديد.

كل شيء، كما كان دائماً، يسير ضمن النطاق الطبيعي.

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

في نصوص اليوم