استطاع الفنان التشكيلي مكي عمران أن يلفت انتباه الجمهور لعمله الفني المشارك في المعرض السنوي للرسم الذي أقامته جمعية الفنانين التشكيليين في بغداد 13 حزيران 2026. بعنوان "فضاء لوني" وبمشاركة واسعة من رسامي العراق. تقدر بـ "120" رساماً، بمختلف الأساليب والمواد والرؤى.
لا أستطيع أن أعمم هذا الانتباه بوصفه رأياً يجمع عليه النقاد والمتلقون، فمن الطبيعي أن تتعدد الآراء وتختلف الذائقة لهذا العمل الفني أو ذاك، بما يعني أن المعرض ضم أعمالاً فنية أخرى رائعة ومتميزة تستحق العودة إلى قراءاتها في مناسبة أخرى. لكن ثمة لوحة تأسرني، أتوقف عندها متأملاً، بوصفها موضوعاً بصرياً، وأخرى أقرؤها بوصفها نظاماً فكرياً يتخفّى خلف اللغة التشكيلية. ولوحة مكي عمران تنتمي إلى الصنف الثاني، فهي لا تعرض مشهداً بقدر ما تعيد بناء العالم عبر مفرداته، وتحوّل الذاكرة العراقية إلى بنية تشكيلية تتجاوز الوصف المباشر نحو فضاء تأويلي مفتوح.
يفرض اللون الأزرق هيمنته على السطح التصويري، ليس بوصفه مناخاً نفسياً وحاملاً دلالياً. يخلق توازناً لونيّاً بالغ الحساسية. تجعل منه عنصراً بنائياً لا وصفياً.
تقوم اللوحة على نظام تفكيكي يعيد تركيب الواقع عبر وحدات هندسية متجاورة ومتداخلة. فلا وجود لمنظور تقليدي أو مركز بصري واحد، بل شبكة من الكتل والمستويات التي تتجاور وتتقاطع، بحيث ينتقل المتلقي بين فضاءات متعددة داخل العمل نفسه. وهذه البنية تستدعي، من بعيد، بعض منجزات التكعيبية، غير أن الفنان لا يقع في أسرها، بل يوظفها وسيلة لإعادة صياغة المكان العراقي بصرياً.
تتوزع في اللوحة مفردات مألوفة: جرار فخارية، أقواس معمارية، إشارات إلى الآلات الموسيقية، عناصر نباتية، أجزاء من العمارة الشعبية، وأشكال آدمية شبه غائبة. لكنها لا تظهر بوصفها موضوعات مستقلة، وإنما كعلامات ثقافية تتداخل داخل نسيج واحد، لتغدو الذاكرة نفسها هي موضوع اللوحة الحقيقي.
إن المتلقي لا يعثر على سرد حكائي مباشر، بل يواجه ما يمكن تسميته بـ" أركيولوجيا بصرية"، حيث تتراكم الأزمنة فوق بعضها، وتتجاور الرموز دون أن تلغي استقلالها. فالجرّة ليست مجرد وعاء، وإنما استعارة للذاكرة، والقوس ليس عنصراً معمارياً فحسب، بل علامة على الامتداد الحضاري، فيما تتحول الكتل اللونية إلى طبقات زمنية أكثر منها عناصر شكلية.
ومن أبرز ما يلفت النظر قدرة الفنان على ضبط الإيقاع الداخلي، فعلى الرغم من كثافة العناصر وتعددها، لا يشعر المتلقي بالفوضى، لأن العلاقات بين الكتل محكومة بإيقاع مدروس يقوم على التكرار والتنويع والتوازن. فكل كتلة تستدعي أخرى، وكل فراغ يقابله امتلاء، لتتشكل حركة بصرية مستمرة تمنع العين من الاستقرار في نقطة واحدة.
يكشف العمل عن معرفة أكاديمية راسخة بالبناء التشكيلي، غير أن هذه المعرفة لا تتحول إلى استعراض تقني، بل تذوب داخل التجربة. فالفنان عمران، بحكم تكوينه الأكاديمي، واشتغاله البحثي والنقدي، يمتلك أدواته النظرية، لكنه ينجح في تحويلها إلى لغة شخصية بعيدة عن المباشرة أو التنظير البصري.
وتبدو تجربته هنا امتداداً لتيار من الفن العراقي الحديث الذي انشغل بالهوية البصرية دون الوقوع في النقل الفولكلوري. فهو لا يستعير التراث ليزين به سطح اللوحة، وإنما يعيد إنتاجه داخل بنية معاصرة، تجعل الماضي مادة لإبداع جديد لا موضوعاً للحنين وحده. ولهذا فإن مفرداته التراثية لا تستقر في معناها الأصلي، بل تتحول إلى علامات مفتوحة قابلة للتأويل.
وفي سياق التجربة العراقية المعاصرة، يمكن النظر إلى هذا العمل بوصفه محاولة واعية تمنح اللوحة خصوصيتها، فلا هي تنزلق إلى التجريد الخالص، ولا تبقى رهينة التمثيل الواقعي.
إن القيمة الجمالية للعمل لا تكمن في مهارة التنفيذ وحدها، وإنما في قدرته على تحويل المكان إلى ذاكرة، واللون إلى إحساس، والشكل إلى فكرة. وهنا يبلغ الفنان إحدى أهم غايات الفن المعاصر: أن يجعل اللوحة فضاءً للتفكير بقدر ما هي فضاء للرؤية.
لقد استطاع الفنان مكي عمران أن يشيّد عالماً بصرياً متماسكاً، يستند إلى ثقافة تشكيلية عميقة، وإدراك دقيق للعلاقة بين التراث والحداثة، وبين النظام والفوضى، وبين البناء الهندسي والانفعال الشعري
ومن ثم فإن هذه اللوحة لا تُختزل في موضوعها، بل في طاقتها على استدعاء الذاكرة الجمعية وصياغتها ضمن خطاب بصري معاصر، يؤكد حضور صاحبها بوصفه واحداً من الأصوات التشكيلية العراقية التي نجحت في بناء مشروعها الخاص، القائم على تحويل مفردات البيئة والثقافة إلى بنية تشكيلية ذات أفق إنساني وجمالي رحب.
***
د. جمال العتّابي







