عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقاربات فنية وحضارية

احمد عابر: أكاليل الغار الذابلة.. ما الذي يعوَّل عليه؟

(احتقار العوام في جناب الخواص بتعيين فلان وفلان كفضل الحسن البصري على الحسن بن هانئ "أبو نواس" لا يعوَّل عليه).. ابن عربي

هكذا يفتتح ابن عربي إحدى حكمه في رسالة ما لا يعوَّل عليه. وما من شيء أجدر بعدم الاعتماد عليه من حكم الجمهور.. ذلك الحكم الذي لا يصدر عن فهم نافذ ومعمق لبواطن الأمور بل عن انبهار عابر، بما يلمع في الحاضر وعن رغبة خفية في التخلص من ثقل الماضي الذي لا يمنحهم متعة الدهشة.

فالمكانة التي تمنح من قبل الجمهور ليست سوى رأي زمني يتغير بتغير الأهواء والموجات الثقافية. ويضرب ابن عربي المثل بالحسن البصري وأبي نواس.. لا ليقارن بين منزلتيهما الأدبية والإنسانية بل ليبين أن حكم الجمهور ليس ميزانا للحقيقة وأن التفاضل بين الناس لا يجب أن يخضع لمزاج متقلب.. فكم من عظيم طواه النسيان، وكم من آخر رفع إلى ذروة الشهرة.

في لوحة (أكاليل الغار الذابلة) التي رسمها الإنجليزي إدموند بلير لايتون والتي أنجزت عام ١٨٨٩ يتجسد هذا المعنى في تكوين بصري يحمل أكثر مما تراه العين. شاب يعزف على قيثارته وسط حشد من النبلاء والمستمعين بينما يجلس في مقدمة المشهد على درجات حجرية باردة.. ذلك المسن مطرق الرأس ممسكا بقيثارته وعلى رأسه أكليل غار ذابل ربما يرمز الى زمن ولى.2930 ahmad

لم يضع الفنان الرجل المسن في المقدمة عبثا، بل جعله حاجزا بصريا بيننا وبين الجمهور وكأنه يريدنا أن نخترق بهذا الحاجز لنرى ما يغفل عنه الحشد.

خط البصر في اللوحة يبدأ من الشيخ المعزول ثم ينطلق نحو الشاب المتألق ثم يعود بنا محملا بالأسئلة إلى الشيخ مرة أخرى وكأن الرسم نفسه يدور في حلقة وجودية لا تنفك. الضوء ينساب على الشاب وقيثارته بينما يغمر الظل جزءا من وجه الشيخ، والماء الجاري بجانبه لا يرمز فقط إلى مرور الزمن بل ربما إلى النسيان المتدفق الذي يغسل آثار الأمس، تاركا العجوز خلفه وحيدا. جسد العجوز المنحني مقابل قامة الشاب المنتصبة، يعيد إنتاج ذلك التوتر الأزلي بين القديم والحديث. وهنا يتقاطع المشهد مع قول آخر لابن عربي "كل حال يدوم زمانين لا يُعوَّل عليه".

فالشهرة في جوهرها عارضة متقلبة لا تستقر كالومضة التي تنطفئ بمجرد أن تدركها العين. والحال يهبه الله ويزول بخلاف المقام الثابت المكتسب الذي يستقر في النفس استقرار المعرفة لا استقرار الصدى. فلو كان المجد الذي ناله الشيخ مقاما راسخا في جوهره لما استطاع الجمهور أن ينزعه عنه بتحويل وجوههم، ولما كان لتغير الزمن أن يمحو أثره.. لكنه كان حالا عابرا..

الرجل المسن الذي كان يوما في موقع الشاب يدرك الآن أن ما ناله لم يكن مقاما ثابتا بل نفحة انصرفت تاركة إياه على الدرج وحيدا مع قيثارة..

ثم يأتي قول آخر لابن عربي لنحاول فهم ما يدور في صمت الرجل المسن وربما ما يدور في فضاء اللوحة برمته.

يقول ابن عربي: كل تنهُّد يكون عن فقد في عين وجد لا يعوَّل عليه.

فاللوحة لا تظهر لنا تنهدا مرئيا لكن هيئة الشيخ ونظره الثابت في الأرض وتلك المسافة السكونية التي تفصله عن صخب الخلفية، تكاد تدعو المشاهد إلى تخيل تنهد مكتوم وشوق إلى أيام ولت. هذا التنهد حسب ابن عربي إيضا حال لا يعوَّل عليها لأنه يربط بما زال ويجعل الانسان أسيرا لما انقضى. مركز الألم في تنهيد الشيخ لا يخرج من ألم الحاضر بقدر ما يخرج من ألم المقارنة، من ذلك الوعي الموجع بأن المجد كان.. وأنه رحل. واللوحة من هذه الزاوية ليست مجرد تأبين للشهرة الزائلة بل هي تأمل في عبثية التعلق بكل ما هو عارض بما في ذلك من شهرة ووضع نفسي وحضور وحتى حنين إلى الماضي.

ذلك الحنين الذي قد يكون أشد فتكا من النسيان نفسه، لأنه يضاعف الفقدان بإعادة إنتاجه لحظة بلحظة.

لو عدنا قليلا لنتأمل اللوحة كما هي.. فهل يحق لنا ان نكون على يقين أن الجمهور يخطئ، وأن الأحوال تزول، وأن التنهد على الفائت عبث، فما الذي يبقى لنا؟

ماذا لو كان صمت الشيخ الذي ظننا حاله حكمة وتأمل.. هو صورة مجردة لعجز عن مجاراة النغمة الجديدة؟ وإذا كان الجمهور مخطئا في احتفائه بالشاب، فهل يكون الشيخ مصيبا في انعزاله؟

أم أن كليهما غارقان في وهمين متقابلين.. الأول وهم الحضور.. والثاني وهم الأثر.. وكلاهما وجهان لعملة واحدة تسك في دار الفناء؟

انظر إلى الضوء مجددا.. لماذا يسلطه الرسام على الشاب ويلقي بالشيخ في الظل؟

هل لأن الظل هو موطن الحقيقة الروحية أم لأن الضوء نفسه خائن لا يعرف كيف ينير إلا ما يتحرك ويصخب، تاركا الساكنين في عتمة لا تفرق بين الحكمة والعجز، بين الرضا والهزيمة؟

إذا كان ابن عربي يحذرنا من احتقار العوام للخواص أفلا يكون احتقار الجمهور في اللوحة واعتبار أنفسنا وحدنا المبصرين للحقيقة هو بعينه ذلك الاحتقار الذي لا يعوَّل عليه؟

ألست بينما أردد عبارة لا يعوَّل عليه بثقة أضع نفسي في مقام (المعوَّل عليه) فأقع في شرك التصنع الذي أراه في غيري ولا أبصره في نفسي؟

والسؤال الأكثر قسوة الذي تتركه اللوحة معلقا في فراغها ليس عن الرجل المسن ولا عن الشاب، بل عنا نحن. حين تنصرف هذه النظرات كلها، وتذبل تلك الأكاليل، ويسكت الجميع، ونتلاشى نحن أيضا.. هل تبقى النغمة وحدها في الفراغ؟

أم أن الفراغ يلتهمها كما التهم الحاضر الماضي وكما سيلتهم المستقبل هذا الحاضر الذي نعيشه الآن؟

***

د. احمد عابر

 

في المثقف اليوم