عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقاربات فنية وحضارية

مروان الدليمي: الفوتوغرافي أنور الدرويش والبورتريه

ما تخفيه العتمة من الحكاية

ثمّة صور تُشبه المرايا، تُعيد إلى الإنسان ملامحه كما يعرفها، وتُطمئنه إلى أنّ هُويّته ما زالت مستقرة داخل الحدود التي رسمها لنفسه عبر السنوات. وثمّة صور أخرى تُمارس فعلًا مختلفًا تمامًا؛ لا تعكس الوجه، بل تُفكّكه. لا تُقدّم الإنسان إلى نفسه، بل تُباعد بينه وبين صورته المألوفة، حتى يغدو غريبًا عمّن كان يظنّه أقرب الكائنات إليه. هذه الصورة تنتمي إلى النوع الثاني. إنّها لا تُظهر رجلًا جالسًا في زاوية معتمة فحسب، بل تُقدّم مشهدًا كاملًا عن العلاقة الملتبسة بين الإنسان وزمنه. فما نراه هنا ليس وجهًا مضاءً بنصف ضوء، بل سيرة طويلة تتقدّم من العتمة نحو العتمة، وتتوقّف لحظةً قصيرة أمام العدسة لكي تترك أثرًا عابرًا على سطح الزمن.

حوار طويل مع النفس

يبدو الرجل في الصورة وكأنّه خرج لتوّه من حوار طويل مع نفسه. لا شيء يوحي بأنّه ينتظر أحدًا، ولا شيء يدلّ على أنّه يحاول إقناع المتلقّي بأيّ معنى جاهز. إنّه جالس في منطقة بين الإفصاح والكتمان؛ منطقة لا تُنتجها الوضعيات المقصودة، وإنّما تُنتجها التجارب المتراكمة التي تتحوّل مع الوقت إلى هيئة جسديّة. فالوجه ليس عضوًا تشريحيًّا هنا، بل أرشيف. وكلّ تجعيدة فيه تبدو كأنّها سطر نجا من المحو.

لقد عرف فنّ البورتريه، منذ نشأته، وظيفة أساسيّة تمثّلت في تثبيت الحضور الإنساني وإعلانه. كانت الصور تُنجز نوعًا من الانتصار الرمزي على الفناء؛ فالإنسان يرحل، أمّا صورته فتبقى.

غير أنّ هذه الصورة لا تبدو معنيّة بهذا الانتصار. إنّها لا تُقيم احتفالًا بالحضور، بل تُقيم تأمّلًا في هشاشته. ولهذا السبب تحديدًا تبدو أكثر صدقًا من كثير من الصور التي تسعى إلى تخليد أصحابها.

الضوء بوصفه لغة

الضوء الذي اختاره المصوّر لا يعمل بوصفه عنصرًا تقنيًّا، بل بوصفه لغة. إنّه ضوء انتقائي، لا يكشف كلّ شيء، ولا يُخفي كلّ شيء. يمرّ على الجبين كما لو أنّه يقرأ تضاريس عمر كامل، ثمّ يتوقّف عند العينين طويلًا، قبل أن يترك أجزاءً واسعة من الوجه تغيب داخل الظلال. وهنا تتحوّل العتمة إلى عنصر بنائيّ لا يقلّ أهميّة عن النور نفسه.

فالعتمة في هذه الصورة ليست فراغًا بصريًّا، وإنّما حضور موازٍ. إنّها الجزء الذي لا يُقال من الحكاية. الجزء الذي لا تستطيع اللغة الوصول إليه بسهولة. لذلك يبدو النصف الغارق في الظلّ أكثر كثافة أحيانًا من النصف المضاء. وكأنّ الإنسان لا يُعرَّف بما يظهر منه فقط، بل بما يظلّ مخبّأً في المناطق التي لا يصلها الضوء.

هذا التوتّر بين الكشف والإخفاء هو ما يمنح الصورة طاقتها التأويليّة. فالمتلقّي لا يكتفي بالنظر، بل يجد نفسه مدفوعًا إلى البحث عمّا لم يُظهره المصوّر عمدًا. وهنا يتحوّل المشهد من صورة شخصيّة إلى سؤال فلسفيّ عن ماهيّة الإنسان نفسه.

ماذا يبقى من الفرد حين تتراجع الكلمات؟

ماذا يبقى منه حين يتوقّف عن أداء أدواره الاجتماعيّة المعتادة؟

وماذا نرى حين لا يبقى أمامنا سوى الوجه وقد تخلّى عن دفاعاته اليوميّة؟2856 maewan

استدعاء كثيف للماضي

العينان في هذه الصورة لا تنظران مباشرة إلى الكاميرا. وهذا التفصيل البسيط يغيّر طبيعة العلاقة كلّها. فالنظرة المباشرة غالبًا ما تُنتج نوعًا من المواجهة أو التحدّي أو الرغبة في التواصل. أمّا هنا فإنّ النظرة تبدو منشغلة بشيء آخر، شيء يقع خارج إطار الصورة. كأنّ الرجل لا يفكّر في المصوّر ولا في المتلقّي، بل في مسافة زمنيّة لا تُرى.

ولعلّ هذا ما يجعل الصورة تبدو أقرب إلى لحظة استذكار منها إلى لحظة تصوير. إنّها ليست تسجيلًا للحاضر، بل استدعاء كثيف للماضي. فكلّ شيء فيها يوحي بأنّ الزمن هو الموضوع الحقيقيّ للصورة، وأنّ الوجه ليس سوى الوسيط الذي اختاره الزمن لكي يُظهر أثره.

اليدان، المستقرّتان فوق الطاولة، تؤدّيان دورًا بالغ الأهمّيّة في هذا البناء البصريّ. إنّهما لا تتحرّكان، لكنّ سكونهما ليس سكون راحة. هناك انقباض خفيف، وتردّد يكاد يكون غير مرئيّ، يجعل اليدين تبدوان كما لو أنّهما تحرسان سرًّا قديمًا. ومن المدهش كيف تستطيع اليدان أن تُخبرانا أحيانًا بما يعجز الوجه عن قوله.

فالوجه تعلّم، عبر السنوات، كيف يُخفي. أمّا اليدان فتبقيان أقلّ مهارة في التمثيل. إنّهما تحتفظان بذاكرة العمل، وذاكرة الانتظار، وذاكرة الخسارات الصغيرة التي لا تُكتب في السِيَر الذاتيّة. ولهذا تبدوان هنا وكأنّهما تحملان تاريخًا موازيًا لتاريخ الوجه.

تحرير الصورة من الواقع

الأبيض والأسود يساهمان بدورهما في تحرير الصورة من إغراءات الواقع المباشر. فالألوان غالبًا ما تُشتّت الانتباه نحو التفاصيل السطحيّة، بينما يُعيد الأبيض والأسود الأشياء إلى جوهرها البنائيّ. هنا لا يعود المهمّ لون القميص أو لون البشرة، بل الإيقاع الخفي بين النور والظلّ، بين الحضور والغياب، بين ما يُرى وما يُفلت من الرؤية.

المكان بوصف أثرا نفسيا

ولأنّ الصورة التُقطت في الموصل، فإنّ المكان، رغم غيابه الظاهري، يظلّ حاضرًا فيها. ليس بوصفه خلفيّة جغرافيّة، بل بوصفه أثرًا نفسيًّا. فالمدن لا تسكن شوارعها فقط؛ إنّها تسكن وجوه سكّانها أيضًا. والموصل، التي عاشت ما عاشت من تحوّلات وانكسارات ومحاولات نهوض، تبدو وكأنّها تركت جزءًا من ذاكرتها على ملامح أبنائها.

لهذا يمكن النظر إلى الصورة باعتبارها صورة فرد، ولكن يمكن النظر إليها أيضًا باعتبارها صورة مدينة. فالوجه هنا لا يحمل تاريخه الشخصيّ وحده، بل يحمل شيئًا من تاريخ المكان الذي عاش فيه. إنّه وجه نجا، كما نجت المدينة. لكنّ النجاة لا تعني الخلاص الكامل. إنّها تعني فقط الاستمرار في حمل الذاكرة.

من هنا تكتسب الصورة بعدًا إنسانيًّا يتجاوز حدود صاحبها. فالمتلقّي لا يحتاج إلى معرفة اسم الرجل لكي يتأثّر بها. ذلك أنّها تتحدّث عن خبرة مشتركة بين البشر جميعًا: خبرة التقدّم في العمر، واكتشاف أنّ الحياة لا تترك آثارها في الداخل فقط، بل تكتب نفسها بصمت على الجبين، وحوافّ العينين، وطريقة الجلوس، ونبرة الصمت.

تحويل الفردي إلى كوني

القيمة الجماليّة لهذه الصورة لا تكمن في مهارة الإضاءة وحدها، ولا في حسن التكوين وحده، وإنّما في قدرتها على تحويل الفرديّ إلى كونيّ. فالرجل الجالس أمام العدسة هو شخص بعينه، لكنّه يصبح، في الوقت نفسه، صورة لكلّ إنسان وجد نفسه يومًا في مواجهة حصيلة سنواته.

ولعلّ أعظم ما حقّقه المصوّر أنّه لم يُحاول تجميل هذه المواجهة. لم يبحث عن زوايا تمنح الوجه شبابًا إضافيًّا، ولم يلجأ إلى الحِيَل البصريّة التي تُخفي آثار الزمن. لقد اختار طريقًا أكثر صعوبة: أن يثق بالحقيقة الجماليّة الكامنة في الصدق نفسه.

وهذا الصدق لا يظهر بوصفه قسوة، بل بوصفه نوعًا من الاحترام العميق للإنسان. فالصورة لا تُدين العمر، ولا تحتفي به. إنّها تكتفي بالإنصات إليه. إنّها تنظر إلى الزمن كما ينظر عالم آثار إلى طبقات الأرض؛ لا ليحكم عليها، بل ليقرأ ما تركته من إشارات.

تأمل في المصير الإنساني

وعندما نطيل النظر إلى هذا الوجه، يتبدّد السؤال التقليديّ: "مَن هذا الرجل؟" ويحلّ محلّه سؤال آخر أكثر تعقيدًا: "ما الذي فعله الزمن بهذا الإنسان؟". ثمّ لا يلبث السؤال أن يتّسع أكثر ليصبح: "ما الذي يفعله الزمن بنا جميعًا؟ " .

عند هذه النقطة تتجاوز الصورة حدود البورتريه التقليديّ. إنّها لا تعود تمثيلًا لشخص، بل تصبح تأمّلًا بصريًّا في المصير الإنسانيّ نفسه. ولهذا فإنّها لا تعترف بصاحبها بالمعنى المباشر. إنّها تسلبه خصوصيّته لكي تمنحه معنى أوسع. تُخرجه من حدود اسمه وسيرته الشخصيّة، وتُدخله في فضاء التجربة الإنسانيّة المشتركة.

وهنا تكمن مفارقتها الأجمل. فكلّما ابتعدت الصورة عن التعريف بصاحبها، اقتربت أكثر من حقيقته. وكلّما تخلّت عن وصفه بوصفه فردًا، كشفت ما هو أعمق في وجوده. إنّها لا تقول لنا من يكون، بل تُرينا ما تبقّى منه بعد أن مرّت عليه الأعوام، وبعد أن هدأت الضوضاء، وبعد أن انطفأت كثير من الأوهام الصغيرة التي ترافق الإنسان في بدايات حياته.

اعتراف صامت بالزمن

تبدو الصورة، في نهاية المطاف، أشبه باعتراف صامت. لا اعترافًا بخطيئة أو سرّ، بل اعترافًا بالزمن نفسه. اعترافًا بأنّ الإنسان ليس الكائن الذي كانه بالأمس، ولا الكائن الذي تخيّل أنّه سيكون غدًا، بل ذلك الكائن المعلّق دائمًا بين الضوء والظلّ، بين الذاكرة والنسيان، بين ما عاشه وما لم يعشه.

وفي هذه المسافة تحديدًا، بين نصف الوجه المضيء ونصفه الغارق في العتمة، تنجح الصورة في أن تقول ما تعجز عنه صفحات طويلة من الكلام. إنها لا تُعرّفنا بصاحبها، بل تُعرّفنا بشيءٍ أعمق: هشاشة الإنسان النبيلة وهو يجلس، وحيدًا، أمام عمره.

***

مروان ياسين الدليمي