مقاربات فنية وحضارية

عدنان حسين احمد: استدعاء الرموز الفنية والحضارية في خزفيات ثامر الخفاجي (2 - 2)

لا يُفاضل الخفاجي بين اختصاصاته الثلاثة (الرسم والخزف والنحت) ورغم أن الخزف يحتاج إلى فرن كهربائي والنحت يحتاج إلى قوالب وقوة عضلية قد لا يتوفر عليها الفنان حينما يعانق عقود الشيخوخة الأولى ويحتاج إلى نحّاتين شباب يعملون بالنيابة عنه في تنفيذ الأعمال الصعبة لذلك نلمس عند الخفاجي نشاطًا ملحوظًا في إنتاج اللوحات ذات الأسطح الكانڤاسية التي ينفِّذها على مهل من دون الحاجة إلى اللهات والسرعة القصوى لإنتاج العمل الفني.2569 thamer

يشتمل هذا المعرض على أكثر من خمسين عملًا خزفيًا نُفِّذت كلها على صحون مفخورة وبعضها مزجج؛ وهذا النوع يحتاج إلى درجة حرارة عالية قد تصل إلى 1100 أو أكثر قليلًا. وقبل أن نخوض في هذه الأعمال الخزفية لفت نظري عملان خزفيان حسبتهما الوحيدان في المعرض؛ الأول منفّذ على شكل لوحة عادية تحمل عنوان (ذكريات مدينتي) والثاني كعمل خزفي مُنفّذ على صحن يحمل العنوان ذاته بحيث يتيح للمُشاهد أن يتملّى العملين بالطريقة التي يراها مناسبة مع الأخذ بنظر الاعتبار أن العمل الخزفي مكثف ومحصور في إطار هذا الصحن المدوّر الذي تتكثف فيه التفاصيل بينما تنفتح على السطح التصويري للوحة المرسومة بالطريقة التقليدية. سيتكرر الأمر نفسه في الصحن الخزفي الذي يحمل عنوان (الحرف ن)، فتارة نراه كعمل خزفي مركّز وتاره أخرى نتملّاه كلوحة مُجسّدة على سطح تصويري منفتح على مساحة كبيرة. وحين أمعنت النظر في لوحات أخرى وجدت أنّ هناك العديد من الأعمال الخزفية مرسومة كلوحات فنية تعمّق الإحساس بأن الفنان ثامر الخفاجي يريد أن يعزز هذا الاتجاه في نتاجاته الفنية الثلاثة. فاللوحة يمكن أن تتكثّف وتصبح عملًا خزفيًا لا تعوزه البراعة ولا ينقصه الإبداع الفني على الإطلاق.2570 thamer

الاستمرارية الزمكانية

على الرغم من محدودية السطوح الخزفية إلّا أنَّ الفنان ثامر الخفاجي استدعى الكثير من الرموز والإشارات ووظّفها في أعماله الفنية التي لم تتخلَ عن المنحى الحروفي الذي يمكن ملاحظته في العديد من الأعمال الخزفية. تقول الباحثة سجى محمد علي في هذا الصدد: (امتازت الأعمال الخزفية للخزّاف ثامر الخفاجي بحركات الأشكال والكتل والخطوط على السطح الخزفي الواحد وبذلك أشار الخزّاف إلى استمرارية الزمان والمكان على الأسطح الخزفية)(1) وهذه الاستمرارية الزمكانية نلمسها في الرموز والإشارات والأعمال الفنية والمنجزات العمرانية منذ الحضارات القديمة التي أشرنا إليها سلفًا وحتى الوقت الحاضر.

وفي هذا السياق توصلت الباحثة رنا عامر مخلص الغانم في أطروحتها الموسومة (الرمز في تكوينات الخزف المعاصر في العراق) لنيل شهادة الماجستير في الفنون التشكيلية إلى خمسة نتائج مهمة وهي على التوالي: استعمال شكل الإنسان؛ الرجل والمرأة كرمزين مهمّين حيث اعتبرت الرجل رمزًا للقوة والخصوبة والبناء، فيما أُستعمِل شكل المرأة كرمز للأنوثة والخصوبة والجمال. أمّا الطفل فقد أخذ رمز الدِّعّة والأمل والمستقبل والمزهر. في حين أخذت الطيور والحيونات رموزًا أخرى، فالحمامة أخذت رمز المحبّة والسلام، بينما أصبح السمك رمزًا للأهوار خاصة والبيئة الجنوبية بشكل عام. فيما انضوت الأشكال الهندسية تحت رموز متعددة، فالمستطيل يرمز إلى العطاء والرفعة والرُقيّ، أمّا الدائرة فترمز إلى الأبدية والاستمرارية واللانهائية وهكذا دواليك.2571 thamer

ترجيح الثيمة العراقية

مع أنّ هذا المعرض لا يشتمل على أعمال نحتية كبيرة إلّا أنّ تجربته في هذا المضمار واضحة المعالم من حيث الأشكال والمضامين الفنية حيث أنجز اثنتا عشرة منحوتة توزعت على ثيمات شتّى أبرزها سلسلة (الأجساد) و(الجداريات السيراميكية) الأربع، ومنحوتة (الوشم) و(مزهرية الحروف)، والمنحوتة (الهندسية) وسلسلة (المنحوتات التجريدية) الست وما سواها من الأعمال النحتية التي تكشف عن دواخل الفنان ثامر الخفاجي الذي يقدِّم خلاصة المنجزات الفنية والعمرانية والحضارية لبلاد ما بين النهرين. وقد وظّف الخط الكوفي في منحوتاته التي تستحضر التاريخ العراقي القديم وتستدعي الحقب الزمنية التي مرّ بها العراق منذ الحضارة السومرية وحتى الوقت الراهن. كما تلعب الألوان الحارة والباردة دورًا مهمًا في الكشف عن أعماق هذا الفنان الدؤوب الذي انهمك بإنجاز الأعمال الفنية منذ أواخر ستينات القرن الماضي إلى يوم الناس هذا، وقدّم لنا عُصارة أفكاره الفنية التي صاغها بأساليب وتيارات متنوعة ولكنه ظل يرجِّح الثيمة العراقية على الموضوعات الأوروپية والعالمية.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الفنان ثامر عباس الخفاجي قد تخرّج في معهد الفنون الجميلة ييغداد سنة 1971. كما تخرج في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد أيضًا سنة 1975. عمل مُصممًا في (مجلتي) و(المزمار) بين عامي 1970 - 1975. نظّم حتى الآن أربعة معارض شخصية بين الأعوام 1993 و2026 كما شارك في العديد من المعارض الجماعية في العراق والأردن والمملكة المتحدة.

***

عدنان حسين احمد – لندن

...................................

1- الغانم، رنا عامر مخلص، الرمز في تكوينات الخزف العراقي المعاصر في العراق، رسالة تقدّمت بها الباحثة لنيل درجة الماجستير في الفنون الجميلة / اختصاص الخزف، بغداد 2006.

 

في المثقف اليوم