مقاربات فنية وحضارية
احمد عابر: المزارع.. الفعل رغم كل شيء بلا ضمان
في واحدة من رسائله إلى صديقه، ترك لنا ليو تولستوي جملة قصيرة، لكنها تشبه مفتاحا يدخلنا إلى غرفة مظلمة فيها كل الأسئلة المعلقة: "علل البشرية تنشأ ليس لأن الناس يهملون فعل ما هو ضروري، بل لأنهم يفعلون ما هو غير ضروري."
العبارة ليست موجهة ضد الكسل، بل ضد التوهان. ليست دفاعا عن البطالة، بل هجوما على الانشغال بما لا يجدي. في سياق نقده العميق للحضارة التي ترهق الإنسان وتشتته، يكشف تولستوي عن المفارقة: الناس يكدحون كثيرا، لكنهم يكدحون في الاتجاه الخطأ. يملأون أيامهم بأفعال لا تصمد أمام الزمن، ولا تغير شيئا في جوهر وجودهم. المشكلة ليست في غياب الفعل، بل في تبديده. الضروري هنا ليس ما يثمر سريعا، بل ما يظل صحيحًا حتى لو لم يثمر أبدا. فعل لا تستمد قيمته من نتائجه، بل من كونه الفعل الذي كان ينبغي القيام به، بغض النظر عما يترتب عليه.
هذا المعنى يتجسد بجلاء في لوحة "الزارع" (۱۸۸۸) لفينسنت فان غوخ. على القماش، نرى رجلا يسير في حقل لا حدود له تقريبا. خطواته ثقيلة، لكنها تحمل إصرارا غامضا. ذراعه ممدودة بنعومة، تنثر البذور في الأرض. لا يلتفت إلى الخلف، ولا يتطلع إلى الأمام. لا يبحث عن علامة تطمين. يسير وكأنه يؤدي طقسا كونيا. في الأعلى، تتربع شمس ضخمة متوهجة، تهيمن على المشهد كله بحضورها الصامت المهيب. شمس لا تفاوض ولا تعد. هي هناك كالحقيقة المطلقة: لا تفسر نفسها، ولا تبرر وجودها، لكنها تشرق على الجميع بلا تمييز. اللافت في اللوحة أن الزارع صغير بالنسبة لهذه الشمس، وبالنسبة للحقل الممتد. إنه فرد في مواجهة كون لا يكترث. لكنه لا يتوقف. في هذا الحجم المصغر، يكشف فان غوخ عن شرطنا الإنساني: أن نكون صغارا أمام قوى لا نتحكم بها، ومع ذلك نمضي. الألوان المتضاربة في اللوحة، الأصفر المتوهج للشمس مقابل البنفسجي الداكن للحقل، تخلق توترا بصريا ينقل هذا الصراع الداخلي. وضربات الفرشاة المتوترة، السريعة، الحادة، تحيلنا إلى حالة نفسية لا تعرف الهدوء، لكنها تعرف الاستمرار.
حياة فان غوخ نفسها كانت امتدادا لهذا المعنى، بل تجسيدا حيا له. عاش الرسام الهولندي على هامش الاعتراف طوال سنوات عمله. رسم مئات اللوحات، لكنه لم يبع في حياته سوى القليل. كان معتمدا على ما يرسله إليه أخوه ثيو من نقود قليلة، في علاقة فريدة جمعت بين الدعم المادي والايمان الفني. ورغم كل شيء، استمر.
في إحدى رسائله إلى ثيو، نقرأ جملة صارت نافذة على روحه:
"تحترق في داخلي نار عظيمة، لكن لا أحد يتوقف ليدفئ نفسه بها، والمارة لا يرون سوى خيط من الدخان."
هذه النار هي ما جعله يرسم بلا توقف. لم يكن يرسم لأن العالم ينتظر أعماله، ولا لأنه يضمن شهرة أو رزقا، بل لأنه لا يستطيع إلا أن يرسم. الفعل عنده تحول إلى ضرورة وجودية، إلى طريقة وحيدة ليكون حيا. كما لو أن التوقف عن الرسم يعني انطفاء الوجود نفسه. وهو بهذا يشبه الزارع الذي لا يستطيع أن يتوقف عن البذار، لأن البذار هو ما يبرر وجوده تحت الشمس.
هنا يلتقي هذا الموقف مع حكمة مركزية في أحد أقدم النصوص التي تأملت في معنى الفعل: البهاغافاد غيتا. في سياق حوارها الشهير بين الإله كريشنا والمحارب أرجونا، تقدم الغيتا وصية خالدة:
"أد العمل متحررا من التعلق به ومن الرغبة في نتائجه. هذه قناعتي الثابتة والناهية."
هذه العبارة كثيرا ما أسيء فهمها على أنها دعوة إلى اللامبالاة، أو إلى الانسحاب من العالم. لكن الحقيقة أكثر عمقا. الغيتا لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن العمل، بل أن يتخلى عن استعباد نفسه للنتائج. حين يرتبط الفعل بالنتيجة، يصير الإنسان عبدا لما لا يملك: ينتظر الاعتراف، يخاف الفشل، يتوقف حين لا يرى ثمرة. أما حين يؤدي الفعل لأنه ضروري بذاته، فإنه يستعيد حريته. في تصور الغيتا، الفعل واجب وجودي، والنتيجة جزء من نظام أوسع لا يخضع لإرادة الفرد وحده. الأرض تنبت أو لا تنبت. المطر يأتي أو يتأخر. الزمن يتدخل، والآخرون يتدخلون. لذلك يكون التعلق بالنتائج وهما، بينما يكون الالتزام بالفعل شكلا من أشكال الانسجام مع نظام الكون.
الزارع في لوحة فان غوخ يجسد هذه الحكمة دون أن ينطق بها. لكنه لا يجسدها بصورة مثالية خالية من التوتر. ملامحه لا تظهر بوضوح، لكن وضعيته تحمل شيئا من الجهد، وربما من القهر. الشمس ليست مجرد حضور مطلق، بل هي سلطة قد تكون قاسية. هناك توتر خفي بين استسلام الزارع لدورة الطبيعة وبين كدحه العنيد. إنه ليس متحررًا بالضرورة من التعب، حتى لو كان متحررًا من التعلق بالحصاد. هذا الفرق دقيق، لكنه يعيد إلى الفلسفة بعدها الإنساني: الحكمة لا تعني فقدان الشعور بالمشقة، بل القدرة على الاستمرار رغمها.
في كتاب "دروب المعنى"، يقترب عبد الجبار الرفاعي من هذا البعد من زاوية أخرى، حين يكتب: "لا تبدأ الحياة الإنسانية الحقيقية إلا عندما تتحقق الذات وتوجد، وهذه الذات لا تتحقق من دون الفعل. الوجود الإنساني لا يبلغ الامتلاء إلا بالفعل وحده."
هنا لا يكون الفعل طريقا إلى المعنى، بل هو المعنى نفسه. تولستوي والغيتا يحرران الإنسان من الانشغال بغير الضروري، الرفاعي يملأ الفراغ الذي يتبقى: الفعل الضروري ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو مادة بناء الذات. الزارع لا يمشي ليصل إلى مكان، يمشي لأن المشي هو الطريقة الوحيدة ليكون. كل بذرة يلقيها في الأرض هي خطوة في بناء وجوده. الفعل عنده ليس وسيلة لغاية، بل هو الغاية المتجسدة في كل لحظة.
ومع ذلك، يبقى السؤال معلقا: هل يستطيع الإنسان أن يحتمل طويلا فعلا بلا نتيجة؟ هل يمكن الاستمرار في البذار حين يتأخر الحصاد، أو لا يأتي أبدا؟ فان غوخ نفسه عاش هذا التوتر إلى أقصى حد. كان يؤمن بضرورة ما يفعل، لكنه كان يتألم من غياب الصدى. كان يعرف أن النار في داخله حقيقية، لكنه كان يشعر بوحدتها. وربما هنا تكمن المأساة العميقة للزارع: أن يؤدي الفعل الصحيح في عالم لا يلتفت. عندما ننظر إلى اللوحة اليوم، نراها صورة مكثفة للشرط الإنساني: شمس تمثل سلطات لا نتحكم بها، أرض تمثل الإمكان والدورة والاستمرار، وبينهما إنسان يمشي. لا ليضمن شيئا، بل ليفعل ما ينبغي فعله.
وهنا يعود سؤال تولستوي، لا كحكمة مغلقة، بل كسؤال مفتوح يحتضن كل الاحتمالات: إذا كان الشقاء ناتجا عن الانشغال بغير الضروري، فهل يكفي أن نتمسك بالفعل الضروري وحده؟ وماذا يبقى من الإنسان حين يطول البذار ولا يأتي الحصاد؟ ربما يكون الجواب أن الفعل الضروري لا يحتاج إلى حصاد. هو نفسه الحصاد. هو نفسه ما يبقى حين يغيب كل شيء. الزارع في اللوحة لا ينتظر. يمشي. والبذور تتساقط خلفه كأنها خطواته التي تتحول إلى بدايات. والشمس تشرق عليه كما تشرق على كل شيء، بلا تمييز، بلا وعد. وهكذا يتجلى المعنى: ليس في نهاية الطريق، بل في كل خطوة تثبت أن الإنسان، رغم كل شيء، اختار أن يبذر.
***
د. احمد عابر







