مقاربات فنية وحضارية

جمال العتابي: التشكيلي حسن عبود.. يختبر أسئلة الوجود في الضوء واللون

يتحول الضوء في أعمال الفنان حسن عبود المقيم في هولندا من عنصر إنارة خارجي إلى فاعل جوهري في معرضه الأخير "سيرة ضوء" الذي أقامه في بغداد (قاعة أكد 8 ديسمبر 2025) بعد فترة انقطاع عن الوطن لعقود من الزمن.

في أعماله المعروضة، نرى كيف تشعّ المساحات اللونية من أعماقها، وكأن الضوء محبوس في طبقات اللون، يفلت منها تدريجياً. هذه الأعمال، لا تعبّر عن امتلاك الحلم وحده، ولا أدوات الفن وحدها، بل هي تؤلّف إيقاعا ينسجم مع ذات مبدعها حين يواجه زمناً متسارعاً لابدّ له أن يتخطاه حين اكتشف وجوده خلال مشتبكات الأحداث.78 hasan abod

لقد أدرك الفنان حسن عبود منذ بداياته الأولى أنه يجب أن يبدع صوته الحقيقي، وهكذا نظر إلى ما وراء الأفق، واستعار كثيراً من مفردات الأساليب الفنية الحديثة في أوربا. حيث لم يجد ضالّته المنشودة فيما هو مطروح في الساحة الفنية، ولا ضير في ذلك، لأنه يعرف في أي أرض يقف، وأي من قضايا الإنسان والفن هي التي تجذبه إلى أحضانها. لذا تعددت مشاركاته واهتماماته الفنية ـ كان حسن ضمن جماعة الأربعة ـ التي تشكلت في ثمانينات القرن الماضي، كانت الجماعة من بين التجارب التشكيلية العراقية المهمة التي يشار إليها بوضوح أنها كانت تبحث عن لغة تعبير جديدة وأساليب حديثة متنوعة، نحو الأفق الإنساني الأشمل. ولعل ما يقال عن اغترافات الجماعة من محيط الفن العالمي الحديث، فإن حقيقة وجود حالات تعبيرية مختلفة  تؤكد مشروعيتها الذاتية، أمر على جانب كبير من الأهمية، ما دامت لم تستعر فرادتها إلا من حرية الفنان ذاته.79 hasan abod

من هذا الحاضن الجمعي، انطلق عبود في رحلة فردية صارمة نحو الداخل، مع انتقاله إلى هولندا. هنا حدث الانزياح الحاسم: من فنان يحمل هموم جماعة ومكان محدد، إلى رائي بصري منفرد، يختبر أسئلة الوجود والمادة والضوء في مختبره الشخصي. لقد تحرر من عبء "التمثيل" ليستغرق في "التجلي". وهذا ما جعل معرضه "سيرة ضوء" تجسيداً لتجربتة الشخصية كمتنفس لمغادرة أحضان " النستولوجيا" وضغوطها التي عاشها في الغربة.

على هامش معرضه الأخير كنت أحاور الفنان حسن عبود، وكان من بين الأسئلة التي تشغلني دائماً في البحث عن إجابات عند العديد من مبدعي العراق الذين غادروا الوطن نفياً وقسراً، واختاروا الغربة مقاماً، والأسئلة هي: ماذا اضافت الغربة للفنان أو المبدع؟ هل أسهمت في تطوير تجربته وتعميقها، أم تراجعت وتوقفت؟ وهل أن الوطن بوصفه اختياراً صعباً، يمنح الفنان تنوعاً أدائياً أوسع في تطوير مهاراته وأسلوبه في إنضاج تجربته الفنية؟80 hasan abod

لم يتردد عبود في الإجابة حين يقول: حملت معي إلى البلاد البعيدة القيم الجمالية، وموروث بلادي الحضاري والشعبي، والتذكارات والأحلام والوجوه الأنثوية، وسحر الرافدين بكل أمجاده وإخفاقاته، ولوعاته ومسرّاته. كل هذه الأشياء لم تنتج قطيعة مع الغربة، بل تحولت هناك إلى ضوء مُضمر. وصارت طريقة رؤية.

كانت الغربة بالنسبة له مصدر استقرار، فتحت له آفاق التعرف على التجارب التشكيلية الحديثة في أوربا، لم يتأثر بها ولم تضف شيئاً لتجربته، بل أن أعماله الفنية كانت تثير دهشة وإعجاب المتابع هناك والفنان على حدٍ سواء. لكنها منحته هدوءاً سمح له بتنقية الذاكرة من انفعالاتها الخام، كانت اندماجاً معرفياً وبصرياً أعاد فيه ترتيب أدواته الفنية.

تحضر المرأة في أعمال حسن عبود، وهو يعالج موضوع علاقتها بالرجل بعاطفة لا حدود لها. المرأة في لوحاته طاقة إشراق .. ليست جسداً استعراضياً، إنها امتداد للضوء، وعنصر توازن عاطفي وأمومي، وحوار بصري مع الحب والحنان والذاكرة، تتكثف صورة المرأة لديه، يستعيد من خلالها مدينته "النجف" التي ولد فيها أواسط الخمسينيات، تذكّره بضوء الأمكنة المقدسة، وطقوسها بإيقاعاتها الحزينة، لتمنحه القدرة على تحويل المكان إلى طاقة داخلية تضيء اللوحة من الداخل. بين الظل والضوء، مسافة تستطيع أن تخفي كل الوجوه، إلا وجه من تحب، هي كائن مختلف يعيش بيننا، أمنية أن تعاودنا بزهرة حب كفراشة أمل ملونة.81 hasan abod

قدّم الفنان حسن عبود نفسه في هذا المعرض، بوصفه حصيلة تأمل طويل في علاقة اللون والضوء والمادة، عناصر تتكون معاً داخل نسيج اللوحة، هناك فيض ضوئي داخلي، يلمّح، لا يصرّح. تتخلى فيه المساحات عن صخبها لصالح توهج هادئ شفيف، يتحرر حسن بشكل أكبر من الحكاية المباشرة، في ميل إلى التجريد المشبّع بالرمز. متجهًا صوب تأسيس عالم بصري كوني، يمنح المتلقي فرصة التوغّل والتأمل، غير منقطع عن جذوره .

***

د. جمال العتّابي

 

في المثقف اليوم