عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

ابتهال العربي: صحافة مشلولة

اقرأ العديد من المقالات التي تدافع عن العمل الصحفي، فيمجّدون عهد الصحافة كعهد عبد الكريم قاسم، وينتفضون لهذه لجملة "الصحافة انتهت". فيقولون الصحافة باقية والجرائد غنية بكتّابها، لكنني أطرح سؤلاً واحداً لأصحاب الصحف ونقابة الصحفيين العراقيين: ماذا فعلت الصحافة للصحفي وأين حقوقه؟ سيداتي وسادتي الصحافة قتلتها رصاصة الرقمنة، " هذه الفكرة المرفوضة مفروضة "، المدافعون لا يدركون أن التمجيد لايسعف أو ينقذ، لأن ثورة التكنولوجيا غزت العالم بقوة، في وقت أصبحت الصحافة تفقد قوتها وتهلك شيئاً فشيئاً، ليس بسبب مغادرة القراءة فقط بل بتمويع القضية الصحفية وتدمير الصحفي الذي يكتب عن المسؤولين أكثر من معاناة المواطنين ليتقاضى في نهاية الشهر راتباً أقل من راتب العامل !.

هل وُجدت الصحافة حتى تنقل الحقيقة وتبحث عن أوجاع الناس ومشكلاتهم، أم حتى تلمّع المسؤولين وتمنحهم مساحات من المديح والثناء؟ هل دور الصحفي أن يسأل ويكشف، أم أن ينتظر تصريح المسؤول ونشاطه حتى يحوله إلى خبر ومقال وصورة؟

ماذا يحدث اليوم لإعلامنا؟ مقالات في مديح هذا المسؤول، وإشادة بذاك السياسي، وترويج لمواقف دول وشخصيات، بل وصل الأمر إلى تبادل المديح بين الكتّاب، وكأننا أمام سوق للمجاملات لا ساحة للكلمة الحرة .. أين الكلمة الحرة من كل هذا؟ أين الموقف والمبدأ؟ كان اساتذتنا في كلية الاعلام بجامعة بغداد يقولون دائماً الصحافة مهنة المتاعب، وصدقّنا ذلك، لكنني أدركت في عملي الصحفي أنها مهنة الكلمة والشرف والوطن، وأدركت أيضاً أنها تحولت من مهنة المتاعب إلى ماكينة مكتبية تنضّد رغبات السياسة وتعيد إنتاج خطابها وتضيف بعض المفردات لتلميع الشخصيات أو استعراض إنجازاتها التي غالباً تكون بلا إنجاز. طيب إذا كانت الصحافة منشغلة بالتلميع ولا تجرؤ على مساءلة المسؤول، فمن يفعل؟

أين صحافة وول ستريت جورنال والتايمز وغيرها من الصحف التي صنعت مكانتها بالتحقيق والسؤال والمواجهة؟ أليس من المفترض أن يكون الصحفي صاحب موقف، لا موظفاً لدى أصحاب النفوذ؟

يقول جورج أورويل: (الصحافة هي نشر ما لا يريد أحد نشره، وكل ما عدا ذلك علاقات عامة).. اليوم صار رضا المسؤول أهم من رضا المواطن، والصحفي عاملاً بالأجر عند صاحب السلطة، أيها المدافعون: الصحافة ليست صوت الناس بقدر ما هي صدى المسؤولين لأن الخبر أو المقال الصحفي أصبحا يشبهان بيان إعلامي صادر عن مكتب مسؤول.

فهل الصحافة قادرة على الحركة أم مشلولة؟ لا تتحرك إلا بوجود مسؤول أمام الكاميرات؟ إن ما حدث مع البروفيسور العراقي سلمان الرواف خلال مؤتمر العراق للتعليم، عندما سُحبت الميكروفونات من أمامه بعد مغادرة وزير التعليم العالي، يفتح تساؤلاً ويثير استغراباً عن واقع الإعلام وأولوياته.. أليس من المفترض أن يكون العالم والعلم أهم من وجود المسؤول؟ لماذا تبقى الكاميرات والميكروفونات حاضرة عندما يتحدث الوزير، وتختفي من أمام الخبير أو الأكاديمي؟ وإذا كان المؤتمر مخصصاً للتعليم ومستقبل الجامعات، أليس من الأولى أن نستمع إلى أصحاب العلم والخبرة بدلاً من الاكتفاء بتغطية حضور المسؤولين وتصريحاتهم؟ يا بلد الحضارة. حتى لا نكون ظالمين، فقد وصف الرواف ما حدث بأنه خطأ تنظيمي، لكن تلك الدقائق المؤسفة تستحق أن نتوقف للحظة ونقول: لماذا أصبح حضور المسؤول محط للاهتمام الإعلامي رغم الفشل الذريع الذي اثبته المسؤولين خلال سنوات طويلة؟ ! .

***

ابتهال العربي

 

في المثقف اليوم