عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

ئاريان علي: لصوص اللوحات

حين تتحول التحف الفنية إلى غنائم للجريمة

من القرصنة البحرية إلى سرقة المتاحف وشبكات الاتجار بالأعمال الفنية

الفن الذي لا تحميه جدران المتاحف

تبدو المتاحف، في الوعي العام، أماكن محصّنة تحفظ ذاكرة الحضارات وإبداعات الإنسان، لكنها تحولت عبر التاريخ إلى أهداف لعمليات سرقة تستهدف أعمالاً فنية لا يمكن قياس قيمتها بالمال وحده. فخلف اللوحات المعلّقة على الجدران حكايات من الطمع والمغامرة والقرصنة، وأحياناً من الجرأة التي تجعل اللصوص يتعاملون مع أشهر الأعمال الفنية كما لو كانت غنائم قابلة للاستحواذ.

والمفارقة أن سرقة لوحة فنية لا تشبه سرقة سلعة عادية؛ فاللوحة المشهورة تحمل هوية تاريخية وثقافية تجعل تداولها في الأسواق أمراً بالغ الصعوبة. ومع ذلك، تستمر عمليات سرقة الأعمال الفنية، مدفوعة بطموحات مالية وشخصية، وبشبكات خفية تعرف كيف تستثمر قيمة الفن خارج القنوات القانونية.

البدايات التاريخية: حين أصبحت اللوحة غنيمة

من أبرز الحوادث المبكرة الموثقة للاستيلاء على عمل فني حادثة لوحة «الدينونة الأخيرة» للفنان الفلمنكي هانس مملين، عام 1473. كانت اللوحة الثلاثية تُنقل بحراً من مدينة بروج إلى إيطاليا، بناءً على طلب المصرفي الفلورنسي أنجلو تاني، عندما اعترض قراصنة بحريون من غدانسك السفينة بقيادة بول بينيكي واستولوا على حمولتها. ولم تصل اللوحة إلى وجهتها الأصلية، بل انتهت إلى مدينة غدانسك، حيث استقرت في كنيسة القديسة مريم، قبل أن تصبح من مقتنيات المتحف الوطني في المدينة.  تكشف هذه الحادثة أن الاستيلاء على الأعمال الفنية لم يكن دائماً جريمة فردية بدافع الربح المباشر، بل ارتبط أحياناً بالحروب والنزاعات التجارية والسياسية، وبالنظر إلى الأعمال الفنية باعتبارها غنائم تحمل قيمة مادية ورمزية في آن واحد. ومن هنا يمكن تتبع تحول الفن من موضوع للإعجاب والاقتناء المشروع إلى هدف للقرصنة والسطو والاستحواذ غير القانوني.

لصوص اللوحات: بين المال والهوس والرغبة في الامتلاك

شكّلت سرقة لوحة الموناليزا من متحف اللوفر في باريس، في 21 أغسطس 1911، منعطفاً بارزاً في تاريخ سرقة الأعمال الفنية. فقد اختفت اللوحة في يوم إغلاق المتحف أمام الجمهور، ولم يُكتشف غيابها إلا في اليوم التالي. وكان السارق الإيطالي فينتشنزو بيروجيا قد عمل سابقاً في اللوفر ضمن شركة متخصصة في أعمال الزجاج والحماية، الأمر الذي أتاح له معرفة جيدة بقاعات المتحف ومداخله وإجراءاته. استغل بيروجيا خبرته السابقة، ودخل المتحف مرتدياً ملابس العمل، ثم نزع اللوحة من مكانها وأزال إطارها في إحدى المناطق الخدمية، ولفّها بملابس العمل قبل أن يخرج بها. ولم تكن المفارقة في نجاح عملية السرقة فحسب، بل في أن اللوحة بقيت مفقودة لأكثر من عامين، رغم التحقيقات الواسعة والضجة الإعلامية التي أثارها اختفاؤها.

احتفظ بيروجيا باللوحة في غرفته بباريس طوال تلك المدة، قبل أن يتوجه إلى فلورنسا في إيطاليا، ويحاول التواصل مع تاجر التحف ألفريدو جيري، عارضاً عليه إعادة اللوحة إلى وطنها مقابل مكافأة. لكن التاجر أبلغ السلطات، فاستُعيدت الموناليزا في ديسمبر 1913، وأُلقي القبض على السارق.

وقد برر بيروجيا فعلته بدافع وطني، مدعياً أن اللوحة ينبغي أن تعود إلى إيطاليا، لأنها، وفق اعتقاده، كانت من الأعمال التي استولى عليها نابليون. غير أن هذا التبرير لم يكن صحيحاً تاريخياً؛ فاللوحة وصلت إلى فرنسا في عهد الملك فرانسوا الأول، بعد أن اشتراها من ليوناردو دافنشي. وهكذا اختلطت في هذه الحادثة الجريمة بادعاء الوطنية والرغبة في الاستحواذ. لكن المفارقة الأكبر أن سرقة الموناليزا ساهمت في صناعة شهرتها العالمية؛ فقبل اختفائها كانت عملاً معروفاً لدى المهتمين بالفن، أما بعد السرقة فقد تحولت إلى قضية دولية تصدرت الصحف وأثارت اهتمام الجمهور. وبذلك أصبحت عملية السطو نفسها جزءاً من تاريخ اللوحة وشهرتها.

لكن السؤال الأهم ليس كيف يسرق اللص لوحة، بل لماذا يسرقها؟ فالدافع المالي يبدو واضحاً في بعض الحالات، غير أن بيع لوحة مشهورة يجعل السارق أمام مشكلة كبيرة؛ إذ يصعب عرضها في السوق العلنية دون إثارة الشبهات. وفي حالات أخرى، قد يتجاوز الدافع المال إلى الرغبة في امتلاك عمل نادر، أو الشعور بالقوة الناتج عن الاستحواذ على شيء لا يستطيع الآخرون امتلاكه. ولا يمكن وضع جميع سارقي اللوحات في فئة واحدة؛ فبين السارق الانتهازي، والقرصان، والوسيط المرتبط بتجارة الفن غير المشروعة، والشخص المهووس بامتلاك الأعمال النادرة، تتعدد الدوافع والأساليب. وقد تتخذ السرقة أيضاً غطاءً قومياً أو أيديولوجياً، كما ادعى بيروجيا حين برر استيلاءه على الموناليزا برغبته في إعادتها إلى إيطاليا. ليست كل لوحة مسروقة هدفاً للبيع؛ فبعض الأعمال تُسرق من أجل المال، وبعضها الآخر يُستولى عليه بدافع الهوية أو الهوس أو الرغبة في امتلاك ما لا يستطيع الآخرون امتلاكه.

السوق السوداء: الاقتصاد الخفي للأعمال الفنية

تبدأ المشكلة الحقيقية أحياناً بعد السرقة، لا عند وقوعها. فاللوحة المشهورة التي تُسرق من متحف لا يمكن عرضها بسهولة في مزاد علني أو سوق فنية معروفة، لأن شهرتها تجعل التعرف إليها أمراً سهلاً. وهنا تنشأ مفارقة اقتصادية: كلما ازدادت قيمة العمل الفني وشهرته، ازدادت صعوبة تحويله إلى مال بصورة قانونية.

لكن هذه الصعوبة لا تنهي قيمته في عالم الجريمة؛ فقد تدخل الأعمال المسروقة في شبكات وساطة واتجار غير مشروع، أو تُستخدم في عمليات ابتزاز ومساومة، وقد تتحول إلى وسيلة ضغط بين أطراف إجرامية. وهكذا لا تعود اللوحة مجرد قطعة فنية، بل تصبح أصلاً خفياً في اقتصاد موازٍ، تتداخل فيه المصالح المالية مع الجريمة المنظمة.

المتاحف والأمن: لماذا تنجح السرقة؟

على الرغم من تطور أنظمة الحماية والمراقبة، لا تزال المتاحف تواجه مخاطر السرقة. فالأمن لا يعتمد على الكاميرات والأجهزة وحدها، بل يتطلب إدارة دقيقة للمداخل والمخارج، ومراقبة العاملين والزوار، وحماية المعلومات المتعلقة بمواقع الأعمال الفنية وطرق نقلها.

وتكشف بعض السرقات أن الثغرات البشرية والتنظيمية قد تكون أخطر من غياب التكنولوجيا؛ فقد يستغل اللص معرفة سابقة بالمكان، أو ضعف التنسيق بين العاملين، أو لحظة ارتباك أمني. كما أن بعض العمليات تُنفذ بسرعة وجرأة تجعل الاستجابة لها صعبة، حتى في المؤسسات التي تمتلك أنظمة حماية متقدمة.

أما استعادة اللوحات، فهي قضية أخرى أكثر تعقيداً؛ إذ قد تنتقل الأعمال المسروقة بين دول مختلفة، أو تختفي لسنوات طويلة، وتصبح استعادتها مرتبطة بالتعاون الدولي والتحقيقات القانونية وتتبع شبكات الاتجار. وبذلك لا تنتهي الجريمة بمجرد خروج اللوحة من المتحف، بل تبدأ رحلة أخرى من الملاحقة والبحث والاسترداد.

عندما تُسرق ذاكرة الإنسانية

إن سرقة اللوحات الفنية ليست مجرد اعتداء على ملكية متحف أو جامع مقتنيات، بل هي اعتداء على جزء من الذاكرة الثقافية المشتركة للبشرية. فاللوحة لا تحمل توقيع الفنان وألوانه فحسب، وإنما تحمل زمناً تاريخياً وتجربة إنسانية لا يمكن استعادتهما بمجرد العثور على قطعة بديلة.

وقد يستطيع اللص أن ينتزع اللوحة من جدار المتحف، لكنه لا يستطيع أن ينتزع منها تاريخها أو يمحو علاقتها بالحضارة التي أنتجتها. ومع ذلك، فإن غيابها عن مكانها الأصلي يحرم الجمهور من حقه في مشاهدة عمل ينتمي إلى التراث الإنساني المشترك.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الإنسان الذي أبدع الفن ليخلّد الجمال والمعرفة، قد يجد إبداعه نفسه أسيراً للطمع والهوس والجريمة. فهل يمكن أن نحمي ذاكرة الإنسانية بمجرد تشديد الحراسة على المتاحف، أم أن حماية الفن تبدأ أيضاً من ترسيخ الاعتراف بأنه ليس ملكاً لمن يستطيع الاستحواذ عليه، بل إرث يتجاوز الأفراد والدول؟

***

ئاريان علي كركوكي

في المثقف اليوم