عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صبيح الكعبي: وجه "دوريان غراي" الافتراضي

مأساة الانصياع الأعمى للمظاهر

ما القيمة المتبقية للإنسان حين يصبح أسيراً لواجهته الخارجية، ويقايض نقاء روحه ببريق المظهر؟ هذا التساؤل الفلسفي العميق هو المدخل الحقيقي لفك شفرة واحدة من أعقد الأزمات النفسية والاجتماعية التي تكتسح عالمنا المعاصر؛ حيث يُختزل الوجود البشري في حدود الصورة، وتُقاس القيمة بمدى جاذبية الغلاف الخارجي وقدرته على حصد الإعجاب، في وقت يتوارى فيه الجوهر الأخلاقي والقيم الرصينة إلى خلفية المشهد. نعيش في واقع بات ينصاع انصياعاً أعمى للقشور البراقة، متناسياً أن الوجوه اللامعة قد تخفي وراءها أنفساً مثقلة بالزيف والتآكل.

ومن أبرز الأعمال الأدبية التي صاغت هذا الانحدار نحو تقديس المظاهر، الرواية الفلسفية

للأديب الأيرلندي أوسكار وايلد ,, صورة دوريان غراي ,, الخالدة، الصادرة في أواخر القرن التاسع عشر. تدور الحبكة حول شاب فائق الوسامة والنقاء يُدعى "دوريان غراي"، يرسم له صديقه الفنان لوحة شخصية بارعة الجمال. وأمام سحر تلك اللوحة وإغواء فكرة الحفاظ على الشباب الدائم، يتمنى "دوريان" أمنية مروعة بأن يظل وجهه غضاً نقياً لا تبدو عليه أمارات الزمن أو أدناس السلوك، على أن تتحمل اللوحة المخبوءة في عتمة قبو منزله عبء خطيئاته وأفعاله الدنيئة. وبمرور الأيام، ينغمس الشاب في مستنقع الأنانية المفرطة والفساد، محتمياً بملامحه البراقة التي تخدع المجتمع بنقائها، بينما كانت اللوحة في عتمة القبو تتحول تدريجياً إلى مسخ مشوه يعكس القبح الحقيقي لضميره وروحه الميتة.

وتكاد هذه المأساة الأدبية تكون النسخة التناظرية لما يشهده مشهدنا العالمي اليوم تحت وطأة الحروب الناعمة وغزو العقول؛ إذ تحولت منصات العالم الافتراضي إلى "لوحة دوريان غراي" المعاصرة، حيث يسعى المرء بوعي أو دون وعي إلى إبراز واجهة رقمية خالية من العيوب عبر فلاتر التزييف والادعاء القيمي والمالي. ويُدفع الإنسان في هذا السوق المفتوح لتقديم تنازلات أخلاقية متدرجة، فيمارس النفاق الاجتماعي، ويقبل الغش في معاملاته، متخليّاً عن أمانته وشهامته، فقط لكي يحافظ على تميزه الظاهري ومركزه أمام الناس، معتقداً واهماً أن أحداً لا يرى الخراب الداخلي الذي ينهش وجدانه.

ولعل المظهر الأكثر خطورة لهذا التزييف الجماعي يتبدى في الحياة المهنية والروابط الاجتماعية اليومية؛ حيث يُدعم أصحاب الصور الجوفاء على حساب ذوي الكفاءة والنزاهة، ويُصبح الثراء السريع أو المنصب البراق غطاءً يغفر للمرء سوء مسلكه أو فساده الإداري والمالي. لقد شرعن المجتمع المعاصر الانصياع للمظهر، تماماً كما غفر مجتمع لندن الأرستقراطي لـ "دوريان غراي" سقطاته لمجرد أن قناعه ظل جميلاً. إنها حرب ناعمة تطحن المبادئ الأصيلة كالعصامية، والصدق، وعمق المخبر لصالح تفاهة المادة، وهو تحول يهدد بإنتاج أجيال فارغة ترى النجاح في لمعان القناع لا في طهارة اليد ونشر قيم العدالة.

إن رسالة أوسكار وايلد الفلسفية تتجلى في نهاية الرواية المأساوية؛ فحين ضاق الشاب ذرعاً بقبح اللوحة وقرر تدميرها، سقط صريعاً وتحول في الحين إلى عجوز مسخ تشوهه آثامه، بينما عادت اللوحة إلى بهائها الأول. وهي الصرخة ذاتها التي يجب أن توقظ الضمير الإنساني اليوم وتدفعنا لإعادة بوصلة الوعي إلى نصابها؛ فالأقنعة الافتراضية والمظاهر الخادعة مهما بلغت من الرفاهية والبريق، لن تحمي مجتمعاً تآكلت روحه من الداخل وانتشار سموم الأنانية والفساد في عروقه. الرهان سيبقى دوماً على صلاح الجوهر، وإلا فإننا سنستيقظ يوماً لنكتشف أننا نعيش في كوكب من الوجوه البهية، التي لا تخفي وراءها سوى أشباح خاوية من الإنسانية.

***

بقلم: صبيح الكعبي

 

في المثقف اليوم