كلما سألته: "شلونك عمي؟" يجيبني بابتسامة لا تظهر على شفتيه، بل ألمحها تظهر في عينيه، وبصوته الأجش يقول: "ذاك الطنطل" أضحك. ويضحك معي الآخرون.
الطنطل في الموروث الشعبي العراقي كائن خرافي تستدعيه النساء العجائز لتخويف الأطفال. أما عبد چياد، فكان يستدعيه للسخرية من مخاوف الكبار. هكذا اعتاد يستعير اسمه كي يواجه الحياة في أشد أحوالها تأزماً، يطلق نكتة كأنه يفتح بها نافذة في جدار القهر.
كان المعلم عبد طويل القامة، ممتلئ الجسد، ذا وجه أسمر مستدير، وقسمات متناسقة. عيناه الملونتان تمنحان وجهه مسحة من الألفة، يعلو رأسه شعر فاحم السواد، ملفوف الخصلات. وإذا تكلّم، خرج صوته الأجش من صدره العريض، فزاد حضوره مهابة. لكن تلك الهيبة كانت تنقلب، في لحظة، إلى دعابة لا يتوقعها من يراه للمرة الأولى.
في زمن الجمهورية الأولى، وبالتحديد بعد خطاب الزعيم في كنيسة ماري يوسف شنت أجهزة الأمن حملة واسعة لاعتقال المنتمين إلى اليسار، ثم تسوقهم إلى المحاكمة في المجالس العرفية بتهم ملفقة وباطلة في أغلب الأحيان. كان عبد چياد في مقدمة أولئك المعتقلين، بوصفه مسؤولاً عن التنظيم الفلاحي في الشطرة. كانت التهمة سخيفة، ومضحكة، لكنها كانت كافية ليواجه مصيره في المحكمة.
تقدّم إلى قفص الاتهام. تأمله رئيس المجلس العرفي الثاني العقيد شاكر مدحت السعود، بعد أن انتهى المدعي العام من قراءة لائحة الاتهام الطويلة، ثم سأله:
صحيح يا عبد أنك تأخذ هدايا "طليان" من الفلاحين؟
سكت عبد بعض الوقت، وسأل رئيس المجلس هو الآخر:
سيادة الحاكم، أريد أن أتأكد من الهدايا: طليان هرفي أم خرفان؟
ليس مهماً هذا، سألتك سؤالاً محدداً يا عبد! كان رئيس المجلس شديد الانفعال حين طلب من المتهم الإجابة.
كان يمكن لعبد أن ينفي، وأن يشرح، وأن يغضب من الرواية التي لفقت ضده. لم يشرع في تفنيدها، لكنه التفت إلى العقيد، وأشار إلى جسده الممتلئ، كأنه اكتشف فيه حجته، يقدّم الدليل الوحيد الذي يحتاج إليه، ثم قال بوجه جاد:
كيف تصدّق هذه الرواية يا ريّس؟ آني، هذا الرجل الضخم، كيف أقبل بالطليان؟ أنا حقّي بعران!
حاول العقيد أن يحافظ على وقاره، فضمّ شفتيه وأطرق رأسه، وتبادل أعضاء المحكمة نظرات خاطفة، أحدهم أخفى ابتسامته خلف يده، وآخر أشاح بوجهه، لكن ضحكة مكتومة أفلتت من طرف القاعة، فأعقبتها ضحكة ثانية، وما هي إلا لحظات حتى غلب الضحك الجميع، حتى الحراس الواقفين خلف قفص الاتهام.
اختلت المحكمة بعض الوقت، ثم عاد أعضاؤها إلى أماكنهم، بدأ رئيس المجلس بقراءة القرار: إخلاء سبيل المتهم بكفالة.
لم يكتف عبد بالصمت، بل ظل يلحّ بالسؤال: ترى من يكفل الطنطل إذن؟؟
كان يعرف أن الباب المفتوح أمامه لا يمحو ما جرى.
***
جمال العتّابي








