لماذا يتخرج الطالب العراقي بشهادة ويبحث عن المعرفة من جديد
قبل الامتحان بأيام تتحول حياة كثير من الطلبة إلى سباق مع الوقت. ملخصات تتنقل بين الأيدي ومحاضرات تُختصر في صفحات وأسئلة السنوات السابقة تصبح أهم من فهم المادة نفسها. وفي ليلة الامتحان لا يكون السؤال دائمًا: ماذا تعلمنا؟ بل: شنو المهم اللي يجي بالامتحان؟
ينتهي الامتحان وتظهر النتائج ويفرح الطالب بدرجته. لكن بعد أشهر أو سنوات حين يدخل الجامعة أو يبحث عن وظيفة أو يواجه مشكلة تتطلب منه التفكير والتحليل قد يكتشف أن كثيرًا مما حفظه لم يتحول إلى معرفة يستطيع استخدامها. وهنا تبدأ المفارقة: كيف يمكن أن ينجح الطالب في الامتحانات ثم يشعر أنه يحتاج إلى تعلم أشياء كثيرة من البداية؟
المشكلة ليست في الحفظ بحد ذاته فهناك معلومات أساسية لا يمكن الاستغناء عن معرفتها ولا يمكن بناء الفهم من دون أساس علمي متين. لكن الأزمة تبدأ حين يصبح الحفظ هو الغاية النهائية من التعليم وحين يُقاس نجاح الطالب بقدرته على استرجاع الإجابة المطلوبة لا بقدرته على فهمها ومناقشتها وربطها بالواقع.
ولا تأتي هذه المشكلة من الطالب وحده ولا يصح تحميل المعلم مسؤوليتها كاملة. فالمعلم يعمل داخل منظومة تحددها المناهج وعدد الحصص وأعداد الطلبة وطبيعة الامتحانات والإمكانات المتاحة في المدرسة. وعندما يُطلب منه إنهاء منهج طويل ضمن وقت محدد بينما تُقاس النتائج أساسًا بالدرجات يصبح من الصعب تخصيص مساحة كافية للنقاش والتجربة والبحث.
وقد أشار تقرير منظمة حمورابي لحقوق الإنسان عن واقع التعليم في العراق للعامين 2023–2024 إلى استمرار هيمنة الحفظ والتلقين على أساليب التعليم والحاجة إلى مراجعة المناهج وتطوير طرائق التدريس وتدريب الملاكات التعليمية. HHRO
وتظهر المشكلة بوضوح أكبر حين يصل الطالب إلى الجامعة. فقد يُطلب منه إعداد بحث أو تحليل نص أو تقديم رأي يستند إلى الأدلة لكنه لم يعتد في مراحل دراسته السابقة على هذه الممارسات. وقد يجد صعوبة في التمييز بين المعلومة والرأي أو في صياغة فكرة خاصة به لا لأنه عاجز عن التفكير بل لأن تجربته التعليمية ربما منحته فرصًا محدودة لممارسة التفكير المستقل.
وهذا ينعكس أيضًا على سوق العمل. فالشهادة وحدها لا تكفي في كثير من الوظائف التي تتطلب مهارات التواصل وحل المشكلات والعمل الجماعي واستخدام المعرفة في مواقف جديدة. وحين يضطر الخريج إلى اكتساب هذه المهارات بعد انتهاء دراسته يصبح السؤال مشروعًا عن مدى استعداد المؤسسات التعليمية لتلبية احتياجات الحياة العملية من دون أن تتحول الجامعات إلى مراكز تدريب مهني فقط أو تفقد دورها العلمي والثقافي.
إن تطوير التعليم لا يعني إلغاء الامتحانات أو الاستغناء عن المناهج بل إعادة النظر في طريقة التدريس والتقييم. يمكن أن يبقى الامتحان أداة لقياس المعرفة لكنه لا ينبغي أن يكون الأداة الوحيدة. فالمشاريع والبحوث والنقاشات والتجارب العملية تمنح الطالب فرصة لإظهار ما يفهمه لا ما يستطيع استرجاعه تحت ضغط الوقت.
كما أن الإصلاح يحتاج إلى بيئة تساعد المعلم على التجديد وتوفر للمدرسة المختبرات والمكتبات والوسائل التعليمية وتخفف الاكتظاظ الذي يجعل متابعة كل طالب تحديًا يوميًا. ومن دون هذه المتطلبات قد تبقى الدعوات إلى التفكير النقدي مجرد عبارات جميلة في الوثائق الرسمية بينما تستمر الممارسة الصفية على حالها.
المفارقة أن الطالب قد يقضي سنوات في تعلم الإجابات الصحيحة لكنه لا يحصل دائمًا على فرصة كافية لطرح الأسئلة. وعندما تنتهي الامتحانات وتُطوى الكتب لا ينبغي أن يكون أول ما يحتاج إلى نسيانه هو الطريقة التي تعلم بها.
***
حيدر كرار عدنان








