جُحودُ الأبناءِ في خَرِيفِ العُمُر
في ليلة من ليالي الشتاء القاسية، حيث كان الزمهرير ينهش العظام والبرد يطرد المارة من الشوارع، عثر شابٌّ على امرأة عجوز تتوسد رصيفاً بارداً، وتلف جسدها المتهرّي ببطانية بالية أكلها العفن، وتئن بصوت خافت يمزق نياط القلوب. اقترب منها الشاب، ومد لها يد الدفء بحوار بسيط، لتتكشف له فاجعة إنسانية مدوية؛ لم تكن هذه المسنة بلا مأوى لعيب فيها، بل كانت أماً أفنت زهرة شبابها لتربية أبنائها، فلما ارتقوا في مناصبهم ورغد عيشهم، رأوا في شيبها وتجاعيدها عاراً يخدش بريق حياتهم الأرستقراطية، فألقوا بها إلى قارعة الطريق في جوف الصقيع. لم يحتمل الشاب مشهد انكسارها، فاحتضن شتاتها ونقلها إلى أقرب دار لإيواء النساء، لتفتح هذه الحادثة جرحاً غائراً في تلافيف الحياة المعاصرة؛ حيث تتوارى أقدس العواطف أمام بريق المظاهر الزائفة، وتُساق الأمهات إلى زوايا النسيان، ليمكثن هناك يقتتن على الذكريات ودموع الحنين، بينما الأبناء يرفلون في نعمائهم، متناسين اليد التي امتدت لهم يوماً وهم في قمة قصر اليد وضيق العيش .
هذا الواقع المرير ليس وليد اليوم، بل هو وجع قديم التقطه الأدب العالمي وحفره في الذاكرة البشرية كشاهد على تقلبات النفس البشرية. ففي عام 1934م، خطّت الكاتبة الأمريكية العالمية الحائزة على جائزة نوبل بيرل باك ملحمتها الروائية الخالدة التي حملت عنوان "الأم" (The Mother) خلالها هذه المأساة بدقة متناهية. وتدور أحداث الرواية حول امرأة ريفية كادحة، آثرت الكاتبة أن تتركها بلا اسم طوال السرد لترمز بها إلى الأمومة المطلقة في كل زمان ومكان؛ حيث تستعرض شقاءها وصمودها أمام فقر مدقع بعد أن هجرها زوجها، فاستُنزفت قواها الجسدية والنفسية بين رعاية أبنائها والعمل المضني في الأرض لتؤمن لهم لقمة العيش وتدفع بهم نحو مدارج الرفعة الاجتماعية. ويكمن مغزى الرواية الشجّي في تبيان كيف تدمر المادية والمظاهر غريزة الوفاء؛ إذ بعد أن كبر الأبناء وارتقوا طبقياً، بدؤوا يشعرون بالخجل من منبتهم البسيط ومن تجاعيد يديها التي تفوح منها رائحة السنين، فعزلوها عن مجتمعاتهم المخملية وتركوا قلبها يواجه وحشة الأيام وحده. ولقد كانت بيرل باك عبقرية حين وصفت حال الأمومة المنكوبة وهي ترى جحود نتاجها قائلة: "إنها كالأرض التي تمنح خيرها لإنبات الزرع، حتى إذا ما اشتد عوده وازدهر، تنكّر للتربة التي غذّته وغسلتها الأمطار". إنها مرآة صارخة لكل من غسلت المظاهر عقولهم فتركوا أمهاتهم في خريف العمر يعانين وحشة العزلة في المصحات الباردة.
وإذا كان الأدب العالمي قد شخّص هذا الجحود، فإن مكانة الأم في الوجدان الإنساني تتجاوز مجرد الرعاية، فهي علاقة وجودية وأخلاقية التقت على تعظيمها كل الثقافات؛ إذ يُعد برها ذروة السلوك الرفيع، وردّ الجميل لنبع الحنان هو العرف السائد بين النفوس السوية، فالأم التي حملت وهناً على وهن، وفطمت، وسهرت ليلها ليرقد أبناؤها بسلام، لا يكافئ عطاءها أي مال أو جاه. ولأجل هذا العطاء الثر، قرن الخالق سبحانه وتعالى عبادته بالإحسان إلى الوالدين، وخصّ الأم بمراتب مقدسة من الرعاية، حيث يقول الله تعالى في محكم تنزيله مخبراً وموجهاً البشرية إلى أرقى حدود الأدب والمعاشرة: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. وهذه الآية الكريمة تتلاءم تماماً مع الرسالة الإنسانية التي نتوخاها؛ فالكِبر هو مظنة الضعف والحاجة، والخطاب الإلهي يمنع حتى التبرم الخفي بكلمة "أف"، ويأمر بالقول الكريم اللين مهما بلغت المراتب والدرجات، ليكون هذا التوجيه الرباني ترياقاً شافياً ضد التكبر والأرستقراطية الزائفة التي قد تدفع الابن لتهجير أمه.
من هذا المنطلق، نضع بين أيدي الأبناء وصية حية بأن يضعوا الأم في أعلى هرم الاهتمام، فلا زواج، ولا منصب، ولا جاه يبرر وضعها في مرتبة ثانوية؛ إذ إن المعيشة اللائقة بها ليست فقط بتوفير المأكل والمشرب، بل بدمجها في تفاصيل الحياة اليومية، وأن تشعر بأنها تاج فوق الرؤوس، وليست قطعة أثاث قديمة يُراد التخلص منها وإيداعها مراكز الإيواء التي تظل سجوناً نفسية تقصر الأعمار مهما قدمت من خدمات طبية، فمكان الأم الطبيعي هو في صدر المجالس وبين الأحفاد، حيث يفوح دعاؤها وبركتها في أرجاء البيت.
تأملوا حال تلك الكهلة وهي تنظر بذهول إلى يديها المرتعشتين، يديها اللتين طالما غسلتا جراح أبنائها، وخبزتا لهم لقمة العيش من عرق جبينها في أيام الضيق والمسغبة. تجلس مطأطئة الرأس، يمزقها صمت الغرف القاتم، وتكاد تسمع في خيالها بكاء صغيرها يوم كان رضيعاً لا يهدأ إلا فوق صدرها الحنون. تمد بصرها العليل نحو الممر الطويل، تراقب كل طارق، وتهتز دقات قلبها مع كل خطوة تقترب، متأملة أن تجد ملامح ابنها الأرستقراطي الذي نذرت عمرها لرفعته، لعله يأتي ليمسح غبار الهجر عن جبينها. ولكن العابرين غرباء، والخطوات تتجاوز بابها، لينقضي نهارها بوحشة تسلمها لليل طويل. ويمضي بها العمر ذوباناً، وتموت تلك الأم غريبةً منكسرة، شاخصة العينين نحو ممر الانتظار الذي لم يأتِ منه أحد، ليردد لسان حالها بمرارة الأسى ما صاغه فصحاء العرب في لوعة العقوق:
العَيشُ ماضٍ فَأَكرِم والِدَيكَ بِهِ
والأُمُّ أَولى بِإِكرامٍ وإِحسانِ
*
حَمَلَتكَ وَهناً عَلى وَهنٍ وَأَرضَعَتِ
حَتّى تَقَضّى فِصالٌ بَعدَ حَولانِ
*
أَعطى المُرَبِّي على صَبرٍ نَفائِسَهُ
فَكانَ جَزاؤُهُ نِسياناً بِجُدرانِ
*
أَغرى العُقوقُ بَنِيها بَعدَما كَبِروا
فَبَاتَ مَأواهُمُ صَدّاً وَحِرمانِ
أيها الأبناء.. اتقوا الله في دموع لم تجف، وفِي أجساد ذبلت لتستقيم قاماتكم، فكما تدين تدان، والزمان دوار، وغداً ستكونون أنتم على مقاعد الانتظار، فماذا أنتم زارعون؟
***
بقلم صبيح الكعبي








