عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سليمان بن تملّيست: حين يصبح الاختلاف جسراً للتعارف لا وقوداً للفتنة

من أشكال السقوط في واقعنا أن يُسهم بعضنا، بوعي أو من دونه، في قرع طبول الفتنة بين مكوّنات الأمة، فيحوّل الاختلاف المذهبي والفكري والسياسي من ظاهرة طبيعية تثري الوعي الإنساني إلى خلافات عدائية تستنزف الطاقات وتزرع الكراهية. والأشدّ مفارقة أن يحدث ذلك أحياناً باسم الدين، والدين في جوهر رسالته الأخلاقية دعوة إلى التعارف والعدل وصون كرامة الإنسان.

إنّ الاختلاف ليس عيباً ينبغي محوه، ولا تهديداً يستوجب الإقصاء؛ بل هو حقيقة إنسانية ومجال لتبادل الأفكار وتصحيح التصورات وإغناء التجارب. وليس المطلوب أن نتطابق في معتقداتنا واجتهاداتنا ومواقفنا، بل أن نتعلّم كيف نختلف دون أن نتباغض، وكيف نتحاور دون أن نتعالى، وكيف نحفظ للآخر حقّه في أن يكون مختلفاً دون أن نجعل من اختلافه تهمة تستوجب الإدانة.

فالاحترام المتبادل لا يعني التنازل عن القناعات، وقبول الآخر لا يعني الاتفاق معه، وتثمين الاختلاف لا يعني إنكار التناقضات؛ بل يعني ألّا نحوّل التناقض الفكري إلى عداوة إنسانية، ولا التباين في الرأي إلى مبرّر للإقصاء أو الاقتتال.

إنّ الذين يحرّضون على الكراهية، ويغذّون العصبيات، ويختزلون الأمة في لون مذهبي أو فكري واحد، لا يبنون وحدة، بل يفرضون تماثلاً قسرياً لا يصمد أمام أول اختبار. فالوحدة الحقيقية لا تقوم على إلغاء التنوّع، وإنما على إدارة الاختلاف بالعدل والحوار، والاحتكام إلى الحجة، والالتقاء حول المصالح المشتركة، مع الاعتراف بحقّ كل طرف في الاحتفاظ بخصوصيته.

وما أحوج أمتنا اليوم إلى وعيٍ يميّز بين الاختلاف الذي يثريها والخلاف الذي يمزّقها، وبين النقد الذي يصحّح المسار والتحريض الذي يفتح أبواب الفتنة. فحين ننشغل بتخوين بعضنا بعضاً، نُهدر طاقاتنا في معارك داخلية، ونترك القضايا الكبرى رهينة الضعف والتشتّت، بينما يستفيد من انقسامنا كلّ من يجد في خصوماتنا فرصة لتحقيق مصالحه.

إنّ الرقيّ ليس أن نُقنع الآخر بأن يصبح نسخة منّا، بل أن نمتلك من الثقة والنضج ما يجعلنا قادرين على العيش معه بكرامة، رغم اختلافنا معه. فالأمة القوية ليست التي يتشابه أبناؤها في كل شيء، بل التي تحسن تحويل تنوّعهم إلى مصدر غنى، واختلافهم إلى فرصة للفهم، وتعدّد رؤاهم إلى طاقة للبناء.

فلنكفّ عن تحويل الاختلاف إلى خلاف، والخلاف إلى خصومة، والخصومة إلى عداوة؛ ولنجعل من الاحترام المتبادل قاعدةً للتعامل، ومن الحوار وسيلةً للتفاهم، ومن كرامة الإنسان حدّاً لا يُنتهك.

فليس أخطر على الأمة أن يختلف أبناؤها، بل أن يفقدوا القدرة على احترام بعضهم بعضاً وهم مختلفون.

***

بقلم:️ سليمان بن تملّيست

الجمهوريّة التونسيّة

في المثقف اليوم