عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

قاسم المحبشي: براعة المحاضرة في خلق البهجة وتحفيز الاهتمام

أمس، الخميس الموافق الثامن من أكتوبر عام ٢٠٢٦، سعدت للمرة الثانية بمرافقة صديقي الدكتور إريك مولدر، كبير الباحثين في متحف التاريخ الطبيعي، إلى مدينة أوتومارسوم الهولندية الجميلة، والاستماع إلى محاضرته في إحدى قاعات دار الرعاية المخصصة لكبار السن. كانت المرة الأولى قبل نحو ثلاثة أشهر، وتحديدًا في الثامن من يوليو، إذا لم تخني الذاكرة، حين استمعت إليه يتحدث عن التنوع البيولوجي وأهميته في حماية البيئة. أما محاضرته الثانية، فقد اختار لها موضوعًا لا يقل إثارة عن الموضوع الأول: الطيور وتطورها.

لم أكن أعرف، قبل هذه التجربة، أن محاضرة علمية عن الطيور يمكن أن تتحول إلى ذلك اللقاء الإنساني البهيج، الذي تتداخل فيه المعرفة بالذاكرة، والعلم بالمتعة، والدهشة بفضول الإنسان الذي لا يشيخ بالضرورة حين يشيخ جسده. كانت القاعة مرتبة، والحاضرون من النساء والرجال، ومعظمهم تجاوزوا الثمانين من العمر، يجلسون في أماكنهم بانتظار المحاضر. وما إن بدأ إريك حديثه حتى وجدت نفسي أمام مشهد يستحق التأمل، ليس بسبب المعلومات العلمية التي قدمها فحسب، وإنما بسبب الطريقة التي استطاع بها أن يستحوذ على انتباه الحاضرين، ويستثير حماستهم، ويحافظ على تفاعلهم طوال ساعة كاملة.

تجربة تستحق أن تُسجل. فقد اعتدت أن أقف في قاعات الجامعة أمام طلاب تقل أعمار معظمهم عن الخامسة والعشرين، وأن أبذل جهدي لاستدراج انتباههم إلى أسئلة الفلسفة والتاريخ والحضارة، لكنني كثيرًا ما كنت أجد بعضهم شارد الذهن، وبعضهم الآخر يقاوم النعاس، فيما يبدو أن أفكار المحاضر تسير في اتجاه، وأذهان بعض المستمعين في اتجاه آخر. أما هنا، في قاعة دار الرعاية، فقد كان المشهد مختلفًا تمامًا. رجال ونساء تقدم بهم العمر، ومع ذلك كانوا ينصتون بشغف، ويتفاعلون بحيوية، ويشاركون في الحوار، وكأنهم يستعيدون شيئًا من شبابهم أمام موضوع يوقظ فيهم ذكريات الطبيعة وأسئلة الحياة.

والسؤال هو: كيف يستطيع إنسان أن يجعل المعرفة حدثًا حيًا، فيما تتحول المعرفة ذاتها، في بعض المؤسسات التعليمية، إلى عبء ثقيل على عقول المتلقين؟ وما الذي يجعل محاضرة علمية في قاعة صغيرة بدار رعاية أكثر حيوية من بعض المحاضرات الجامعية التي يفترض أنها موجهة إلى شباب يتقدون فضولًا وطاقة؟

أظن أن جزءًا من الإجابة يكمن في شخصية إريك مولدر، وفي خبرته الطويلة، وفي قدرته على تحويل العلم من معلومات تُلقى إلى تجربة تُعاش.

إذ يُعدّ الدكتور إريك مولدر عالم أحياء وحفريات هولنديًا، كرّس أكثر من أربعين عامًا من حياته المهنية للعمل في متحف ناتورا دوشيت (Natura Docet) بمدينة دينيكامب، منذ عام 1983 حتى تقاعده رسميًا في أكتوبر 2022. عمل قيّمًا للمتحف ومحاضرًا ومصممًا للمعارض، وأسهم في نشر المعرفة العلمية وتقريب علوم الطبيعة والحفريات من الجمهور. وتتركز أبحاثه في حفريات الفقاريات وجيولوجيا العصر الطباشيري، وله عشرات المنشورات والكتب العلمية. كما شغل منصب قيّم شرفي في متحف التاريخ الطبيعي بمدينة ماستريخت، وألقى محاضرات ضيفًا في جامعة تفينتي، وشارك خبيرًا في برامج تلفزيونية، منها برنامج الأطفال الهولندي الشهير Het Klokhuis. وتقديرًا لمسيرته العلمية والثقافية، مُنح عام 2022 وسام أورانج-ناسا الملكي برتبة فارس، وأُقيم معرض تكريمي بعنوان «خزانة غرائب إيريك»، احتفاءً بإسهاماته الممتدة في خدمة العلم والثقافة.

لم يدخل إريك القاعة محملًا بالأوراق والجداول والمصطلحات العلمية التي قد تفصل العالم عن جمهوره، وإنما اصطحب معه مجموعة من العينات المحنطة لطيور مختلفة، صغيرة وكبيرة، وضعها أمام الحاضرين لتكون جزءًا من المحاضرة، لا مجرد وسائل إيضاح هامشية. كانت الطيور حاضرة بأجسادها وألوانها وأشكالها، وأصبحت كل عينة مدخلًا إلى سؤال، وكل سؤال فرصة لاستثارة فضول الحاضرين بمثابة دعوة مفتوحة للمشاركة. كان يمنح الحاضرين فرصة للتخمين والتعليق وإبداء الرأي، ويستقبل إجاباتهم باهتمام، ويستثمرها في الانتقال إلى معلومة جديدة. وبهذه الطريقة، لم يعد المستمع متلقيًا سلبيًا ينتظر انتهاء المحاضرة، بل أصبح شريكًا في بنائها.

وهنا تتجلى براعة المحاضر الحقيقي. فليس المهم أن يعرف العالم أكثر مما يعرفه جمهوره، وإنما أن يعرف كيف يفتح أمامهم أبواب المعرفة، وكيف يجعلهم يشعرون بأن أسئلتهم جديرة بالاهتمام، وأن مشاركتهم جزء من قيمة اللقاء. العلم الذي لا يستطيع مغادرة لغته المتخصصة يظل حبيس المختبر والكتاب، أما العلم الذي يتحدث بلغة الناس، ويحترم خبراتهم وذاكرتهم، فإنه يصبح جزءًا من حياتهم اليومية.

وقد بدا لي أن إريك يمتلك هذه الموهبة عن جدارة. فهو لا يختصر المعرفة إلى حد الإخلال بها، ولا يعرضها في صورة أكاديمية جافة، بل يمارس ما يمكن أن نسميه فن التبسيط العميق؛ أي القدرة على تقديم الفكرة العلمية بلغة سهلة من دون التضحية بجوهرها. وهذا، في تقديري، من أصعب فنون التعليم والتواصل العلمي.

تجربة امس أيقظت في الذاكرة فكرة طالما وشغلتني طويلًا، وهي أن الاهتمام مفتاح المعرفة والفهم، وأنه ليس مجرد حالة نفسية عابرة، بل قوة دافعة تتصل بأصل الحياة نفسها. فالجوع يدفع الكائن الحي إلى البحث عن الطعام، والعطش إلى البحث عن الماء، والحاجة إلى الحب تدفع الإنسان إلى البحث عن حبيب، والحاجة إلى الاعتراف وتأكيد الذات تحفزه على الإنجاز والإبداع. وحين تموت الدافعية، تتراجع الحركة وتضعف المبادرة؛ فالأسد الذي لا يغادر عرينه بحثًا عن الغذاء يموت جوعًا، والثعلب النائم لا يصطاد الدجاج

كانت البومة من أكثر الطيور التي استوقفتني في محاضرته. فقد عرض منها ثلاثة أشكال مختلفة، فبدت لي فرصة مناسبة للانتقال من علم الأحياء إلى تاريخ الفلسفة، ومن جسد الطائر إلى المعاني الرمزية التي حملها في الذاكرة الإنسانية. وانا استمع اليه واشاهد البومة التي يتحدث عنها تذكرت مقال نشرته قبل أيام بعنوان «وداعًا بومة منيرفا الهيجلية»، ولفتت نظره إلى رمزية البومة في الميثولوجيا اليونانية، وارتباطها بالإلهة أثينا، إلهة الحكمة والمعرفة، التي عُرفت في الميثولوجيا الرومانية باسم مينيرفا.

تقول العبارة المنسوبة إلى هيجل إن بومة مينيرفا لا تبدأ طيرانها إلا عند الغسق؛ أي إن الفلسفة تفهم التاريخ غالبًا بعد اكتمال تجاربه وانكشاف تناقضاته. لكن فهم الواقع لا يعني الاكتفاء بتأمله، بل قد يمهّد لتغييره. وقد وجدت في البومة التي عرضها الدكتور إريك مولدر جسرًا بين عالم الطبيعة وعالم المعنى، وفرصة لاستكشاف جذور ارتباطها بأثينا ومينيرفا. هكذا أضافت المحاضرة بُعدًا جديدًا إلى تأملي الفلسفي، وأكدت أن المعرفة لا تعرف حدودًا فاصلة بين العلم والفلسفة؛ فقد تفتح عينة طائر محنط أبوابًا واسعة للتفكير في الحكمة والإنسان والطبيعة.

اصطحب المحاضر معه أنوع مختلفة من أزواج الطيور الأثرية في متحف التاريخ الطبيعي؛ قرابة عشرة أنواع من الطيور الصغيرة والكبيرة، غير أن المحاضرة لم تتوقف عند الأشكال الخارجية للطيور أو عند الفروق بين الذكور والإناث، بل قادتنا إلى السؤال الأوسع المتعلق بتاريخها التطوري. فالطيور التي نراها اليوم تحلق في السماء، أو تقف على أغصان الأشجار، أو تبحث عن غذائها في الحدائق والمروج، تحمل في أجسادها قصة تمتد ملايين السنين إلى الماضي السحيق.

وحين نفكر في أن أكثر من أحد عشر ألف نوع من الطيور يعيش اليوم في بيئات مختلفة حول العالم، ندرك حجم التنوع الذي أنتجته هذه المسيرة التطورية للكائنات الطايرة . تتباين الطيور في أحجامها وألوانها ومناقيرها وأصواتها وأساليب تغذيتها، لأن كل نوع يواجه شروطًا بيئية خاصة، ويطور ما يساعده على البقاء والتكاثر. ويكشف اختلاف المناقير، مثلًا، كيف ترتبط البنية الجسدية بوظيفة الكائن وبنوع الغذاء الذي يعتمد عليه ففي أنواع كثيرة، يمتلك الذكر ريشًا أكثر بريقًا، بينما تكون ألوان الأنثى أكثر هدوءًا، بما يساعدها على التمويه خلال حضانة البيض. لكن هذه القاعدة ليست عامة، فأنواع الطيور تختلف في أنماطها السلوكية والتكاثرية، وقد تتشابه الذكور والإناث في المظهر أو تنعكس بعض الفروق بينهما. وهنا تتيح ملاحظة الطيور نافذة لفهم العلاقة بين الشكل والوظيفة، وبين التكيف والبيئة، وبين البقاء والتكاثر.

وبينما كنت أتابع تفاعل الحاضرين مع هذه المعلومات، وجدت نفسي أعود إلى السؤال الذي رافقني منذ بداية المحاضرة: ما سر هذا الحضور الذهني الذي أبداه كبار السن؟ لقد كان بعضهم يبتسم، وبعضهم يجيب عن الأسئلة، وبعضهم يتأمل العينات بتركيز، وكأن كل طائر يعيد إليه ذكرى أو يوقظ لديه سؤالًا قديمًا. ولم تكن حماستهم مجرد استجابة لموضوع محبب، بل كانت أيضًا ثمرة أسلوب المحاضر الذي عرف كيف يحترم عقولهم، ويخاطب خبراتهم، ويمنحهم مساحة حقيقية للمشاركة فالتعلم ليس حكرًا على مرحلة عمرية، كما أن الفضول ليس امتيازًا للشباب. وقد يكون الإنسان، في الثمانين أو التسعين، أكثر استعدادًا للإنصات إلى المعرفة من شاب لم يتعلم بعد كيف يصغي.

خرجت من محاضرة إريك مولدر وأنا أشعر بأنني لم أستمع إلى درس عن الطيور وحدها، بل شهدت درسًا في فن التواصل الإنساني، وفي معنى أن تظل المعرفة قادرة على جمع الناس وإثارة دهشتهم، مهما اختلفت أعمارهم وخلفياتهم وتجاربهم. كان إريك عالمًا حين تحدث عن تطور الطيور، ومحاضرًا بارعًا حين استدرج الحاضرين إلى الحوار، وإنسانًا يعرف أن المعلومة تصبح أكثر رسوخًا حين تصل إلى القلب عبر باب العقل.

أشكر صديقي الدكتور إريك مولدر على هذه المحاضرة الممتعة، وعلى الدرس الإنساني العميق الذي قدمه، بقصد أو من دونه، في كيفية تحويل العلم إلى حوار، والمعرفة إلى بهجة، والتخصص إلى جسر يصل العالم بالناس. ففي ساعة واحدة بدار الرعاية، أدركت من جديد أن التعليم ليس حشدًا للمعلومات في العقول، وإنما إيقاظ لفضولها، وتحرير لأسئلتها، وفتح لنوافذ الدهشة أمامها. فالمحاضر الحقيقي ليس من ينتهي دوره بانتهاء حديثه، بل من يترك في نفوس مستمعيه أسئلة تواصل الحياة بعد مغادرته القاعة. وحين غادرنا، بقيت الطيور صامتة، وظلت البومة في مكانها، لكن نظرتي إليها لم تعد كما كانت؛ فقد رأيت فيها كائنًا من تاريخ الطبيعة، ورمزًا من تاريخ الفلسفة، وشاهدًا على قدرة المعرفة على وصل الأزمنة والعقول. وتلك أجمل هدايا اللقاء: أن نظل، مهما تقدم بنا العمر، قادرين على الدهشة، متعطشين للتعلم، رافعين رؤوسنا نحو العالم، نسأل ونكتشف ونبحث عن المعنى.

***

د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم