عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: التمدُّن لا يعني التحضُّر

اسمحوا لي أن أتحدث عن هذا الموضوع من خلال تجربتي الشخصية. فجذوري تعود إلى إحدى مدن الفرات الأوسط الصغيرة، وهي مدينة أعتز بانتمائي إليها، لكني لا أرغب في ذكر اسمها؛ لأن حديثي ليس تقييمًا لتلك المدينة أو انتقاصًا من أهلها او مدحا لهم، بل هو محاولة للتأمل في رحلة الإنسان من بيئة إلى أخرى، وما الذي يتغير فيه بتغيّر المكان.

غادرت مدينتي في مرحلة مبكرة من حياتي إلى بغداد لإكمال دراستي الجامعية، ثم انتقلت إلى إنجلترا للدراسات العليا، وأتاحت لي الحياة والعمل لاحقًا أن أعيش في بلدان ومجتمعات مختلفة، وأن أتعرف عن قرب إلى أنماط متعددة من الحياة والتنظيم والعلاقات الاجتماعية. ولعل هذه التجربة هي التي دفعتني إلى سؤال ظل يرافقني: هل انتقال الإنسان من مكان إلى آخر يعني بالضرورة انتقاله من التمدُّن إلى التحضُّر؟ أم أن التحضُّر ليس مجرد تغيير في المكان، وإنما تغيير في طريقة التفكير والسلوك، وفي علاقتنا بالآخر وبالمكان الذي نعيش فيه؟

خلال الأيام القليلة الماضية، التقيت بعدد من الإخوة العراقيين الذين زاروا العراق في عطلتهم الصيفية، ومرّوا بالأردن في طريق عودتهم إلى بلدان إقامتهم. وقد لفتني في أحاديثهم حجم التذمّر مما شاهدوه من فوضى وازدحام وضعف في النظافة والخدمات، فضلًا عن بعض السلوكيات في الحياة العامة. وأتفهم الكثير من هذه الملاحظات، بل أشاركهم بعضها، لكن ما يستوقفني سؤال آخر: لماذا نرى عيوب المكان بوضوح بعد أن نغادره، بينما كنا نتعايش معها سنوات طويلة دون أن نشعر بحدّتها؟ وهل يتغير سلوك الإنسان فعلًا حين ينتقل إلى مجتمع أكثر تنظيمًا، أم أنه يتكيف فقط لأن البيئة من حوله تفرض عليه نمطًا مختلفًا من السلوك؟ أعتقد أن المشكلة ليست في المدينة وحدها، ولا في شوارعها وخدماتها، وإنما في الإنسان الذي يصنع الحياة فيها، ويحدد بسلوكه اليومي صورتها ومستوى تحضّرها.

ولفهم هذه المفارقة، لا بد أولًا من التمييز بين التمدُّن والتحضُّر؛ فهما مفهومان متقاربان، لكنهما ليسا مترادفين. فالتمدُّن يرتبط بالمدينة وما توفره من عمران وخدمات وتنظيم، ويقترن بالانتقال من الريف أو البادية إلى نمط الحياة الذي تفرضه المؤسسات والقوانين. أما التحضُّر فيتعلق بالإنسان نفسه: بوعيه، وسلوكه، واحترامه للنظام والآخرين والمكان العام. باختصار شديد، التمدُّن يغيّر طريقة حياتك، أما التحضُّر فيغيّر طريقة تفكيرك وسلوكك. لذلك، قد يكون الإنسان متمدّنًا لأنه يعيش في مدينة حديثة ويستخدم أحدث وسائل التكنولوجيا، لكنه ليس متحضّرًا بالضرورة إذا كان لا يحترم القانون أو حقوق الآخرين أو النظام العام.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح في واقعنا العراقي. فالانتقال من القرى والمدن الصغيرة إلى بغداد بحثًا عن التعليم والعمل هو انتقال طبيعي، لكن الإشكال يقع عندما ينتقل الإنسان مكانيًا دون أن ينتقل فكريًا إلى متطلبات الحياة الحضرية. ولنأخذ مثالًا بسيطًا: حادث سير بسيط في إحدى مدننا قد يتحول بسرعة إلى نزاع عشائري، حيث يسارع الأطراف إلى الاتصال بشيوخ العشائر قبل الاتصال بشرطة المرور أو شركة التأمين. هذا التحول في المرجعية يكشف أن السلوك الحضري لم يرسخ بعد. ففي بغداد، كما في غيرها من المدن العراقية، نرى اللجوء إلى العشيرة والفصل العشائري لحل المشكلات، سواء في حوادث السير، أو المشاجرات، أو الخلافات المالية، وكأن العشيرة تصبح دولة داخل الدولة.

وهنا تكمن مشكلة أعمق من مجرد بقاء عادة اجتماعية؛ فالدولة الحديثة تقوم على أن القانون واحد، والقضاء واحد، والحقوق والواجبات لا تتغير بتغيّر الانتماء العشائري. ولا يعني ذلك إنكار الدور الإيجابي الذي يمكن أن تؤديه العشيرة في تهدئة النزاعات ومنع تطورها إلى عنف، فهذا الدور مفيد عندما ينسجم مع القانون ويحترم سلطة الدولة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الصلح العشائري إلى بديل عن القضاء. فالتحضُّر الحقيقي لا يتحقق بالانتقال من بيت ريفي إلى منزل في المدينة، لكنه حتما يتحقق حين ننتقل أيضًا من حكم العرف الشخصي إلى حكم القانون والمؤسسات، مع الاحتفاظ بالقيم الاجتماعية النبيلة التي لا تتعارض مع الدولة الحديثة.

ورغم إيماننا بمسؤولية المواطن، لا يمكننا تحميله وحده مسؤولية ما تعانيه المدن من نقص في الخدمات أو النظافة؛ فهذه مسؤولية أساسية تقع على عاتق البلديات والمؤسسات الحكومية. لكن في الوقت نفسه، فإن مسؤولية الدولة لا تعني إعفاء المواطن من واجبه. فالمواطن الحضري شريك في صناعة المدينة، وليس مجرد مستهلك لخدماتها. فليس من المنطق أن نطالب المدينة بخدمات أفضل، ونحن نزيد من أعبائها بالنفايات والفوضى والتجاوز على الممتلكات العامة وعدم احترام قوانين السير.

وهذه المفارقة نفسها نواجهها حين نبحث عن التحضُّر خارج الوطن. فهي لا تقتصر على من انتقل من الريف إلى المدينة داخل العراق، بل تمتد إلى بعض العراقيين الذين غادروا إلى دول أوروبية متقدمة بحثًا عن حياة أفضل ونظام أكثر احترامًا للقانون. ومع رغبتهم الصادقة في ذلك، يجد بعضهم صعوبة في الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة، ويتعرضون أحيانًا لانتقادات بسبب سلوكياتهم التي لا تنسجم مع الأعراف السائدة. وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: قد يترك الإنسان بلده بحثًا عن التحضُّر، لكنه لا يترك بالضرورة العقلية والسلوكيات التي اعتاد عليها. فالهجرة تغيّر المكان، لكنها لا تغيّر الإنسان تلقائيًا.

والاندماج الحقيقي لا يعني التخلي عن الهوية أو الذوبان في الآخر؛ فالإنسان يستطيع أن يحافظ على هويته وثقافته وقيمه الإيجابية، وفي الوقت نفسه يحترم قوانين المجتمع الذي اختار أن يعيش فيه، ويتكيف مع نظامه العام. فما دمت ترغب في العيش في هذا الوطن الجديد بإرادتك، فعليك أن تفهم قيمه وتحترم نظامه وحقوق الآخرين.

في النهاية، التحضُّر سلوك قبل أن يكون مكانًا. فلا تُقاس حضارة الإنسان بالمدينة التي يسكنها، ولا بجواز السفر الذي يحمله، ولا بقدرته على الوصول إلى الخدمات الحديثة، وإنما بقدرته على احترام الإنسان والقانون والمكان الذي يعيش فيه. فالتحضُّر هو سلوك يومي يبدأ من احترام المرفق العام، والالتزام بإشارات المرور، والنظافة، وحسن الجوار، واللجوء إلى القانون لحل الخلافات. قد تكون المدينة متقدمة في أبنيتها وشوارعها، أما تحضّرها الحقيقي فيُقاس بسلوك سكانها فيها.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

في المثقف اليوم