عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أكرم عثمان: العشرينيات.. حين يصبح الفشل أول درجات النجاح

ليست كل عثرة أو فجوة سقوطاً وليست كل تجربة فاشلة نهاية للطريق وانتهائها. في بعض الأحيان يكون الخطأ الذي نرتكبه في بداية حياتنا المهنية هو الدرس الذي يصنع الفرق بين شخص سلبي يستسلم، وآخر لديه الإصرار والعزيمة، يواصل طريقه بثقة ووعي وإدراك. ومن هنا تبرز مرحلة العشرينيات باعتبارها واحدة من أهم المراحل التي يمكن فيها للإنسان أن يجرب ويطبق، ويخطئ، ويتعلم، ثم يبدأ من جديد ليطور مرحلة حياته بشكل أفضل وصورة أوضح.

العشرينيات مرحلة مليئة بالطاقة والنشاط والطموح والأحلام الكبيرة التي تعيش في مخيلته، لكنها في الوقت نفسه مرحلة تفتقر غالباًإلى الخبرة العملية والدراية الكافية. وهذا أمر طبيعي؛ فالخبرة لا تمنح دفعة واحدة وإنما تتشكل من خلال المواقف والتجارب والمراس والقرارات التي نخوضها يومًا بعد آخر.

الفشل ليس عدوًا للنجاح

من أكثر الأفكار التي تحتاج إلى تغيير أن الفشل يعني نهاية الطريق وانتهاء التجربة. الحقيقة أن الفشل قد يكون بداية مختلفة تماماًإذا امتلك الإنسان القدرة على قراءة أسبابه ودوافعه والتعلم منه بحكمة. فالخطأ الذي نفهمه يتحول إلى خبرة، والتجربة التي نراجعها تصبح معرفة، والنكسة التي نتجاوزها تمنحنا قوة وقدرة أكبر على مواجهة الحاضر والمستقبل. فالمشكلة ليست في أن نفشل، وإنما في أن نكرر الخطأ نفسه دون أن نغير أساليبنا ونتعلم منه.

الاندفاع… أحد أخطر أخطاء البداية

في بداية الحياة المهنية، قد يعتقد الشاب أنه مطالب بإثبات نفسه بسرعة، وأن لديه طموحاً كبيراً يريد أن يصل إليه على عجل، وأن الوصول المبكر هو المقياس الحقيقي للنجاح. فيندفع نحو التجارب واتخاذ القرارات والوظائف والمشروعات، ويرغب في تحقيق كل أحلامه خلال وقت قصير. لكن النجاح ليس سباقاً مع الزمن.

إن التفكير المبصر والتخطيط الناجح والتمهل والاستماع واستشارة أصحاب الخبرة والدراية والمعرفة والتجارب، كلها أدوات تسهم في مساعدة الشباب على اختصار الكثير من الطرق الخطأ. فالشخص المرن الذي يقول: « ربما أحتاج أن أتعلم وأكتسب الخبرة » يستطيع أن يتقدم بصورة أكبر من الشخص الذي يصر دائماًعلى أنه يعرف كل شيء ولا يحتاج إلى أفكار أو مساعدة من أحد..

بين «أنا أعرف» و«أريد أن أتعلم»

من أكبر الفروق بين الشخصيات في بداية المسار المهني طريقة التعامل مع المعرفة. فهناك من يرى أن الاعتراف بعدم المعرفة يقلل من قيمته، بينما يدرك الشخص الواعي أن قول «لا أعرف، لكنني مستعد للتعلم والوعي» ليس ضعفاً بل قوة وعلامة على النضج. فالاستفادة من تجارب الآخرين لا تلغي شخصية الإنسان ولا تقلل من قيمته أو قدراته، بل تمنحه فرصة لرؤية الطريق والنمو والتطور من زوايا لم يكن قادرًا على رؤيتها بمفرده.

ضغط النجاح المبكر

يزداد خوف الشباب من الفشل عندما يصبح النجاح المبكر مطلباً عائلياً أو اجتماعياً أو مهنياً فالمقارنات المستمرة، والسؤال عن الوظيفة والراتب والإنجازات والخبرات، والنظر إلى الآخرين باعتبارهم معياراً للنجاح والتميز، قد تجعل الشاب يشعر بأنه متأخر، وأنه لا يشبه غيره في معرفته وتجاربه، حتى وإن كان في الحقيقة ما زال في بداية الطريق، وأنه يسعى لكي يثبت مكانه وحضوره.

لذلك يحتاج الشباب إلى الدعم والمساندة أكثر من الضغط وإجباره على الخوض في تجارب لا يعرفها وينقصه فيها المعرفة والخبرات الكثيرة، وإلى التشجيع على المحاولة أكثر من الخوف من الخطأ أو الخشية من العمل. فلكل إنسان توقيته الخاص وزمانه، والنجاح الحقيقي لا يقاس بسرعة الوصول فقط، وإنما بمدى النضج والتمكن الذي نكتسبه أثناء الرحلة والتجربة.

لا تخف من التجربة… خف من الجمود والسكون

في العشرينيات، من الطبيعي أن يجرب الإنسان أكثر من مجال، وأن يكتشف أن بعض الخيارات لم تكن مناسبة له. قد يغير تخصصه، أو يترك وظيفة، أو يبدأ مشروعاً ثم يعيد التفكير فيه، أو يكتشف مهارة جديدة لم يكن يعرف أنها موجودة لديه. ليست المشكلة أن نغير الطريق أو نستبدله، بل أن نسير في طريق لا يناسبنا فقط ونعثر فيه، لأننا نخشى الاعتراف بأن اختيارنا الأول لم يكن صحيحاً.. المهم أن تكون كل تجربة إضافة إلى وعيك، لا مجرد تكرار للأخطاء والسقوط.

الصبر والمرونة… رأس مال البدايات

النجاح المهني لا يحتاج إلى الموهبة وحدها، بل يحتاج إلى الصبر والانضباط والقدرة على الاستمرار والصمود. فإذا جرب الإنسان استراتيجية ولم تنجح، يستطيع تغييرها واستبدالها بأخرى أكثر نجاحاً وتأثيراً. وإذا أخفق في تجربة، يمكنه دراسة أسباب الإخفاق والمحاولة الناجحة بطريقة مختلفة. فالمرونة تعني ألا نتمسك بطريقة واحدة لمجرد أننا بدأنا بها، وأن نمتلك الشجاعة للاعتراف بالخطأ ولتعديل خططنا عندما تظهر لنا أخطاء أو معلومات جديدة.

العشرينيات ليست مرحلة لإثبات أنك تعرف كل شيء

إنها مرحلة لاكتشاف من أنت، وما الذي تجيده أو تعرفه، وما الذي تحتاج إلى تعلمه، وما نوع الحياة المهنية التي تريد بناءها والاستمرار فيها. لذلك، لا تجعل خوفك من الخطأ يمنعك من التجربة أو المضي قدمًا، ولا تجعل مقارنة نفسك بالآخرين تسرق منك متعة الرحلة والتجربة. تعلم، اسأل، جرب، أخطئ، راجع خطواتك، واستفد من أصحاب الخبرة.. فربما يكون الخطأ الذي تخشاه اليوم هو نفسه الذي يمنحك غدًا الدراية والخبرة التي تحتاجها للنجاح والتفوق.

وفي النهاية، لا تسأل نفسك: «كم مرة فشلت؟ »، بل اسأل:  «كم مرة جعلني فشلي أكثر وعياً وثباتاً وقوة واستعداداً للمحاولة من جديد؟» فالعشرينيات ليست عمراً نخشى فيه الفشل… بل فرصة ذهبية لنتعلم ونسير قدماً ،  وكيف نصنع من الفشل طريقاً إلى النجاح والتألق..

***

د. أكرم عثمان

1-9-2026

في المثقف اليوم