التصفيق المجاني إلى النقد الذي يصنع الإبداع
ثمّة ظاهرة بدأت تستفحل في بعض المنتديات الأدبيّة، وأصبحت تستحقّ الوقوف عندها بجديّة: الاحتفاء بنصوص لا تستحقّ الاحتفاء، وتحويل المجاملة إلى معيار للتقييم الأدبي.
لم يعد غريبًا أن تنشر نصّا كيفما اتّفق، فتنهال عليك عبارات الإعجاب قبل أن يُقرأ النصّ أصلًا: «أبدعت»، «رائع جدّا»، «سلم يراعك»، «نصّ من الطراز الرفيع»... وكأنّ مجرّد نشر النصّ يمنحه شهادة جودة، وكأنّ المطلوب من القارئ أن يصفّق لا أن يقرأ.
وهنا تبدأ المشكلة.
فالرداءة لا تصبح خطرة حين يكتبها صاحبها؛ فالخطأ جزء من تجربة التعلّم، وكلّ كاتب بدأ من نقطة ما، لكنّها تصبح خطرة حين تُمنح شرعيّة الإبداع، ويُمنح صاحبها وهم الاكتمال.
إنّ أخطر ما يمكن أن نقدّمه لكاتب في بداياته ليس نقدًا قاسيًا، بل مديحًا كاذبًا. لأنّ النقد الصادق قد يؤلمه لحظة، لكنّه يفتح أمامه طريق التطوّر؛ أمّا المديح المجاني فيمنحه رضا مؤقّتًا، ثمّ يحرمه من فرصة اكتشاف عيوبه.
وليس المقصود هنا أن يتحوّل المنتدى إلى محكمة نقديّة، أو أن يصبح كلّ تعليق تفكيكًا أكاديميّا للنصّ.
فهناك مساحة مشروعة للإعجاب والانطباع، وهناك فرق بين قراءة الناقد وقراءة المتلقّي العادي.
لكنّ المشكلة تبدأ عندما يتحوّل الانطباع إلى حكم نقدي، والمجاملة إلى شهادة إبداع.
الأدب لا يقاس بعدد القلوب الحمراء، ولا بعدد التعليقات، ولا بعدد الألقاب التي تُوزّع تحت النصوص، وليس كلّ من كتب شعرًا شاعرًا، ولا كلّ نصّ موزون شعرًا جيّدًا، ولا كلّ صورة غامضة عميقة، ولا كلّ نصّ طويل نصّا مهمّا.
إنّنا بحاجة إلى استعادة قيمة السؤال البسيط: ماذا قرأنا فعلًا؟
هل قرأنا النصّ قبل أن نعلّق عليه؟ هل انتبهنا إلى لغته؟ هل فحصنا بناءه وصوره وإيقاعه؟ هل وجدنا فيه إضافة أو رؤية أو تجربة إنسانية؟ هل نستطيع أن نحدّد موطن جماله، كما نستطيع أن نشير إلى موطن ضعفه؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإنّ تعليقنا ليس قراءة، بل مجرّد مجاملة.
ومن هنا تقع مسؤوليّة كبيرة على المنتديات الأدبيّة نفسها.
فالإدارة التي تريد الارتقاء بالمشهد الأدبي مطالبة بإيجاد ثقافة نقديّة داخل فضائها: حلقات قراءة، وقراءات تطبيقيّة، ونقاشات حول النصوص، والاستعانة بأصحاب الخبرة في اللغة والعروض والنقد والسرد، بحيث يصبح النقد ممارسة يوميّة لا مناسبة استثنائيّة.
والكاتب الجادّ بدوره مطالب بأن يتعلّم فضيلة أصعب من الكتابة نفسها: أن يقبل أنّ نصّه ليس مقدّسًا.
فالنصّ الذي لا يحتمل السؤال ولا المراجعة ولا النقد، نصّ محكوم بالبقاء في مكانه. أمّا الكاتب الذي يستطيع أن يسمع: «هنا خلل»، و«هذه الصورة مستهلكة»، و«هذا البيت يحتاج إلى إعادة صياغة»، ثم يعود إلى نصّه بعين جديدة، فهو الكاتب الذي يمكن أن يتطوّر.
وفي المقابل، يجب أن يكون الناقد مسؤولًا عن لغته أيضًا. فالنقد ليس استعراضًا للمعرفة، ولا فرصة لإهانة الكاتب أو إثبات تفوّق الناقد عليه.
النقد الحقيقيّ يهدم الخطأ ولا يهدم صاحبه.
إنّنا لا نحتاج إلى قتل الحماس في المنتديات، بل إلى توجيهه، ولا نحتاج إلى منع المبتدئ من الكتابة، بل إلى مساعدته على تجاوز بداياته، ولا نحتاج إلى إلغاء المجاملة الإنسانية، بل إلى منعها من أن تحلّ محلّ التقويم الأدبي.
فليكن من حقّنا أن نقول للكاتب: «أحسنت»، عندما يحسن؛ وأن نقول له: «هنا يحتاج نصّك إلى عمل»، عندما يحتاج.
ذلك ليس قسوة.
ذلك هو الاحترام الحقيقي للكاتب وللأدب معًا.
فالمنتدى الذي يصفّق للجميع قد يبدو مزدحمًا بالحياة، لكنّه قد يكون فقيرًا في الأدب.
أمّا المنتدى الذي يقرأ، ويناقش، وينقد، ويختلف، ويعلّم، ويعيد الكاتب إلى نصّه ليكتشفه من جديد، فهو الذي يستطيع أن يصنع أدباء لا مجرّد أسماء تتبادل الألقاب والإعجابات.
فالأدب لا يرتقي بالتصفيق، وإنّما يرتقي بالقراءة الواعية، والنقد الصادق، والكاتب الذي يمتلك شجاعة مراجعة نفسه.
***
بقلم: سليمان بن تملّيست - تونس
جربة في 2026/08/29








