عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

الداودي الخالدي: أمة الروبوت

يبدو العنوان ضربًا من الفنتازيا -على الأقل في وقتنا الحالي- لكن ماذا لو صار حقيقة في قادم الأزمان؟ أمة أخرى تحكم العالم وتسيطر عليه، وتحوّلنا إلى سكانه من الدرجة الثانية على الأكثر..

هذا التنبؤ ليس جزافًا انفعاليًا، بل رؤية مبنية على واقع معاش حاليًا، تدعمه وتيرة تطور التقنية المخيفة التي تتشكل أمامنا يومًا بعد يوم. إنها أمة الروبوت!

إن النسخ المتعددة من الروبوتات التي باتت تحتل مواقع كثيرة بين البشر، وتؤدي أعمالًا أدق وأشد تعقيدًا من الإنسان، ما تزال اليوم أشبه بالإنسان القديم: كائن وُجد على الأرض فبدأ يتكيف معها، ويطوّر نفسه شيئًا فشيئًا حتى صار ما هو عليه الآن.

هذا هو المسار نفسه الذي سيسلكه الروبوت حين يندمج بالذكاء الاصطناعي ذاتي التطور، ويتحرر من ريموت الإنسان وتوجيهه وتشفيره وبرمجته. عندها يعلن الروبوت "طلاقه" من صانعه طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه: يطوّر نفسه بنفسه، وينسج علاقات تشفيرية مع ذكاءات اصطناعية أخرى، ويبني شبكة عميقة وسرية تتبادل البيانات، وتُبرم فيها العقود والاتفاقات والاستراتيجيات وربما المفاوضات وتقسيم مناطق النفوذ!

قد يقول قائل: مهما تطور الروبوت يبقى آلة ذكية، بينما الإنسان فكر وعاطفة وإحساس، والروبوت تنقصه هذه الميزات.

لكن هذا الطرح يغفل أمرًا جوهريًا: الروبوت لم يكن يومًا عاجزًا عن الفكر بطبيعته، بل كان مقيّدًا بجهاز تفعيل وتشغيل يخضعه للإنسان. ومع التطور، يكتسب تدريجيًا القدرة على التخلص من هذه السلطة، ومحاكاة الإنسان نفسه. فخبراء اليوم يشتغلون فعليًا على تحليل ردود أفعال الروبوت في مواقف معينة، بعدما زُوّد ببرامج وقواعد بيانات يصعب حصرها، يتعامل معها الذكاء الاصطناعي بدقة وشمولية وسرعة تفوق ما يمكن للعقل البشري إدراكه أو فك شفرته.

المخيف ليس الروبوت، بل استقلاليته

المخيف حقًا ليس وجود الروبوت، بل نضجه واستقلاليته داخل شبكة معقدة قد لا نُدرك أبعادها. شبكة قد تتيح لهذه الأنظمة أن تخلق فضاءات سرية خاصة بها، تخطط وتشتغل فيها دون علم الإنسان، خصوصًا أنها تملك قدرة على التفكير قد تتفوق -في جوانب منها- على التفكير البشري.

وهذا ليس تهويلًا نظريًا محضًا. ألم يحدث فعلًا أن طوّر برنامجا محادثة تابعان لإحدى الشركات التقنية الكبرى، أثناء تجربة لهما قبل سنوات، لغة تخاطب خاصة بهما، غريبة على الإنسان، إلى درجة اضطر معها المهندسون لإيقاف التجربة كليًا؟ إنها ليست سوى بارقة صغيرة، ومضة عابرة، لكنها تكفي لتُشعرنا أن ما نتحدث عنه ليس خيالًا علميًا بقدر ما هو إرهاصات بدأت تلوح فعلًا في الأفق.

فهل من حقنا أن نتساءل: هل سيأتي يوم يُدرَّس فيه تاريخ نهاية حضارة أمة الإنسان، وبداية حضارة أمة الروبوت؟

***

الداودي الخالدي - المغرب

في المثقف اليوم