مهارة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى الحياة
يعد الذكاء العاطفي من المهارات الأساسية التي يحتاجها الإنسان في مختلف مراحل حياته، فهو لا يرتبط فقط بالقدرات العقلية أو التحصيل الدراسي والأكاديمي، بل بقدرة الفرد على فهم ذاته ومشاعره، وإدارة انفعالاته، وتحفيز ذاته والتعاطف مع الآخرين، وبناء علاقات إيجابية معهم.
ويشمل الذكاء العاطفي مجموعة من المهارات، أبرزها: الوعي الذاتي، وإدارة الانفعالات، والدافعية، والتعاطف، والقدرة على بناء علاقات إيجابية والتواصل الفعال. وكلما جرى تنمية هذه المهارات مبكراً منذ الطفولة، أصبح الطفل أكثر قدرة على التعامل مع المواقف والضغوط والتحديات التي قد تواجهه في مراحل حياته المختلفة. سواء كانت منذ طفولته في المدرسة أو عندما يكبر في وظيفته وحياته الاجتماعية.
كيف ننمي الذكاء العاطفي لدى الأطفال؟
تنمية الذكاء العاطفي تبدأ منذ السنوات الأولى من عمر الطفل، من خلال مساعدته على احترام ذاته وقدراته، وفهم مشاعره وعواطفه وانفعالاته، وإدراك أن من الطبيعي أن يشعر بالإحباط أو الحزن أو الخوف أو التوتر.
وهنا يأتي دور الأهل والمعلمين في مساعدة الطفل على مراقبة سلوكه وفهم ردود أفعاله. فعندما يمر الطفل بموقف انفعالي، يمكن أن نسأله: ماذا حدث؟ كيف شعرت؟ وكيف كان تصرفك؟ وهل كان بإمكانك التعامل مع الموقف بطريقة أفضل؟. هذه الطريقة تسهم في مساعدة الطفل على تطوير وعيه بذاته، وتعلمه أن الانفعال غير المنضبط قد يؤثر في صحته النفسية والجسدية وفي علاقاته مع الآخرين وعلى دراسته ونجاحه وتفوقه.
كما أن الانضباط من القيم المهمة التي ينبغي غرسها لدى الطفل؛ فالطفل يحتاج إلى تعلم الاستمرار في أداء واجباته ومسؤولياته حتى عندما يمر بحالة من الإحباط أو التعب، مع مراعاة مشاعره وحاجاته وعدم تجاهلها، بل الاهتمام بها وإعطائه فرصة للتعبير عنها بكل طمأنينة وأمن وراحة.
الحوار الأسري.. مفتاح أساسي
يعد الحوار المفتوح والإيجابي بين الطفل وأسرته من أهم الوسائل التي تسهم في بناء شخصية متوازنة وذكاء عاطفي سليم. فالانشغال المتزايد للأهل والأبناء، واستخدام الأجهزة والإنترنت، يقلل في كثير من الأسر من فرص التواصل الحقيقي والتعرف على ظروف الطفل وفهمه وتلبية احتياجاته ورغابته ومساعدته عندما يتعرض لمواقف التنمر والعنف والإساءة.
لذلك، تحتاج الأسرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها وإيجاد مساحة يومية للحوار والتقارب والتفاهم. وليس المقصود بالحوار أن يقتصر على سؤال الطفل عن علاماته المدرسية أو عدد الدرجات التي حصل عليها، بل أن نسأله عن يومه، ومشاعره، وعلاقاته، والأشياء التي أسعدته أو أزعجته وكيف تمكن في تقضية يومه الدراسي بصحبة الزملاء والمعلمين.
عندما يشعر الطفل بأن والديه يستمعان إليه دون إصدار أحكام سريعة، يصبح أكثر قدرة على التعبير عن أفكاره ومشاعره، وأكثر استعداداً للحديث عن المشكلات التي يواجهها. فقد يقول الطفل: «لا أريد الذهاب إلى المدرسة»، بينما يكون السبب الحقيقي تعرضه للتنمر، أو خوفه من امتحان، أو وجود مشكلة مع أحد زملائه أو معلميه. وإذا اكتفى الأهل بإعطائه النصائح حول دور المدرسة وأهميتها في حياته ومستقبله، فقد لا يكتشفون المشكلة الحقيقية التي تشغله وتثقل كاهله، بل يبقى يعاني من مشاكله وتتفاقم أزماته دون تفهم ومساعدة من الأهل والمدرسة. لذلك، فإن فهم خصائص الطفل النمائية وحاجاته النفسية والاجتماعية والعقلية يساعد الوالدين على الاقتراب من عالمه وفهم اهتماماته ومواهبه ورغباته، وبالتالي تقديم الدعم المناسب له.
تعليم الطفل التعاطف
من الجوانب المهمة في الذكاء العاطفي تعليم الطفل أن يشعر بالآخرين وأن يراعي احتياجاتهم. ويمكن غرس قيمة التعاطف من خلال مواقف بسيطة في الحياة اليومية، مثل مشاركة الطعام مع طفل آخر، أو مساعدة شخص يحتاج إلى المساعدة، أو الابتسامة في وجه الآخرين، أو المبادرة بالكلمة الطيبة، العمل كفريق متعاون ومتلاحم ويتسم بالصداقة والدعم والمساندة. فهذه الممارسات البسيطة تساعد الطفل على بناء علاقات إيجابية، وتجعله أكثر قدرة على التواصل والتعاون مع المحيطين به.
الصلابة النفسية تبدأ مبكراً
تنمية الذكاء العاطفي تسهم كذلك في بناء ما يمكن تسميته بالصلابة والقوة النفسية؛ أي قدرة الإنسان على التعامل مع الضغوط والصعوبات دون أن يستسلم بسهولة ويضعف أمام أول مشكلة تواجهه ويشعر بالتوتر والرهبة منها. فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر فهم مشاعره وإدارتها، وتحمل مسؤولية أفعاله، والتراجع عن الخطأ والاعتراف به، يصبح أكثر قدرة على التطور والنمو والنضج النفسي والاجتماعي.
ومن أهم المهارات التي ينبغي تعليمها للطفل أن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفا،ً بل قوة وصلابة نفسية، وأن التراجع عن السلوك غير الصحيح أفضل من البحث المستمر عن المبررات والدفاع عن الأخطاء دون وجه حق. فالعديد من العادات والسلوكيات التي تتشكل في الطفولة قد تستمر مع الإنسان في مرحلة المراهقة والشباب وحتى الحياة الزوجية والمهنية وتكلفه خسائر كبيرة وفشل في إداره حياته وحياة من يعوله أو يتعامل معه، إذا لم يكتسب الوعي الكافي لإدارتها وتغييرها.
الذكاء العاطفي ومهارات الحياة
لا تقتصر فوائد الذكاء العاطفي على الجانب النفسي والاجتماعي، بل تمتد إلى مهارات الحياة التي يحتاجها الإنسان في الدراسة والعمل والعلاقات، مثل التواصل الفعال، وحل المشكلات، والتفكير السليم، والعمل تحت الضغط والتوتر. وقد يمتلك الشاب مؤهلات علمية جيدة، لكنه يواجه صعوبة في مقابلة عمل أو في التعامل مع موقف بسيط بسبب ضعف مهاراته النفسية والاجتماعية. لذلك، فإن بناء هذه المهارات منذ الطفولة يمنح الإنسان قدرة أكبر على مواجهة التحديات والاستمرار في تحقيق أهدافه والنجاح فيها وتحقيق سعادته ورفاهيته وصحته النفسية.
الأسرة والمدرسة شريكان في بناء طفل متوازن
إن تنمية الذكاء العاطفي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة، ولا يمكن تحقيقها من خلال النصائح المباشرة فقط، وإنما من خلال الممارسة اليومية والقدوة الصالحة والسلوك الصحيح. فالطفل يحتاج إلى بيئة تسمح له بالتعبير عن مشاعره، وتعلمه احترام ذاته والآخرين، وتساعده على فهم أخطائه وتصحيحها، وتمنحه الشعور بالأمان والدعم.
وفي النهاية، فإن الاهتمام بالذكاء العاطفي منذ الطفولة لا يعني فقط تربية طفل أكثر قدرة على التعبير عن أفكاره ومشاعره، بل المساهمة في بناء إنسان أكثر توازناً وصلابة وقوة ومرونة، وقدرة على التواصل المبني على فهم نفسه والآخر من حوله والتعلم والعمل وبناء علاقات صحية وإيجابية في مختلف مراحل حياته.
***
د. أكرم عثمان
27-8-2026








