عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أحمد فاتح: عزلة المدن الحديثة

التكلفة الاقتصادية والاجتماعية لـ«وباء الوحدة» في المجتمعات النامية

أعلنت منظمة الصحة العالمية مؤخراً عن تشكيل لجنة دولية للتعامل مع "الوحدة" بوصفها تهديداً صحياً طارئاً يضاهي في خطورته تدخين خمس عشرة سيجارة يومياً. هذه الإحصائية الصادمة لا تقف عند حدود الدول المتقدمة التي اعتادت على نمط الحياة الفردية، بل إنها تتسلل بصمت متسارع إلى قلب المدن الكبرى في المجتمعات النامية. إن هذا التحول يضعنا أمام واقع مقلق. فالنمو الحضري المتسارع الذي تشهده هذه المجتمعات لم يعد يفرز أبراجاً إسمنتية شاهقة وفضاءات تجارية لامعة فحسب، بل يفرز معه عزلة اجتماعية عميقة تعيد صياغة مفهوم العيش المشترك، وتفرض كلفة باهظة على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، لتصبح المدن في مظهرها الخارجي صروحاً للتقدم، وفي جوهرها مستودعات للوحشة الإنسانية المعاصرة.

من الناحية التاريخية كانت المدينة تعرف دائماً بأنها فضاء للقاء، والتفاعل البشري الخلاق، وتبادل الأفكار والمشاعر. لكن مدننا الحديثة اليوم، في سعيها المحموم نحو اللحاق بركاب الحداثة المادية وإعلاء قيم الاستهلاك المفرط، باتت تنتج نوعاً جديداً من المغتربين، أولئك الذين يعيشون وسط حشود صاخبة لكنهم يعانون من وحدة مطبقة. إن الانتقال المفاجئ والسريع من القرية أو البلدة الصغيرة، أو حتى من الأحياء التقليدية القديمة التي كانت تضج بالدفء والتكافل، إلى المدن المليونية المزدحمة، أحدث خللاً بنيوياً في النسيج الاجتماعي. هنا تبرز مقاربات سوسيولوجية متعددة تفسر كيف تحولت الشقة السكنية الضيقة من مأوى آمن للسكينة إلى زنزانة اختيارية، وكيف أدت وسائل التواصل الرقمي الهجين إلى تعميق الجفاء العاطفي بدلاً من ردمه، في مفارقة تاريخية تؤكد حتمية المراجعة لطبيعة العيش المعاصر الذي يفصل الفرد عن محيطه الإنساني الطبيعي لصالح نمط ميكانيكي بارد يخلو من الروح والصلات الحقيقية. ولا تقف تداعيات هذا "الوباء الصامت" عند الجوانب النفسية والوجدانية للأفراد، بل تمتد لتلقي بظلال ثقيلة على الكفاءة الإنتاجية والتنموية للدول. تشير البحوث الاقتصادية المعاصرة إلى أن الموظف المحاط بالعزلة يبدي تراجعاً حاداً في مستويات الإنتاجية والابتكار، فضلاً عن ارتفاع كلفة الرعاية الصحية الناجمة عن الأمراض المزمنة المرتبطة بالضغط النفسي والاكتئاب المزمن الذي يتغذى على الوحدة والانفصال. في هذا السياق المعقد، يتبدى لنا تشابك المصالح المعقد بين هندسة التخطيط العمراني، والسياسات الاقتصادية الكلية، والأمن الصحي العام. إن إهمال البعد الإنساني في بناء المدن—بتقليص المساحات الخضراء العامة والمراكز الثقافية والمقاهي الشعبية لصالح التمدد العقاري التجاري الجاف—يمثل كلفة اقتصادية مؤجلة ستتحملها ميزانيات الدول النامية في المستقبل القريب على شكل تراجع في رأس المال البشري وقدرته على الإبداع والعطاء المستدام. إن استشراف مستقبل المدن في المجتمعات النامية يتطلب الانتقال العاجل من نموذج التطوير العمراني العقاري الصرف إلى نموذج "أنسنة المدن" وإعادة الاعتبار للمجال العام والمشتركات الإنسانية. لا يمكن فصل النمو الاقتصادي المستدام عن التماسك الاجتماعي، فالمدينة التي تفقد روحها وتتحول إلى مجرد مجمع للمستهلكين المنعزلين خلف شاشاتهم، تفقد بالضرورة قدرتها على البقاء والتطور الإيجابي والإنتاج الفعلي. إن بناء الجسور بين البشر في الفضاءات المشتركة ليس ترفاً ثقافياً أو فائضاً في الرفاهية، بل هو ضرورة حتمية لإنقاذ مجتمعاتنا الناشئة من وباء العزلة الذي يهدد بتقويض أسس التنمية والتقدم قبل اكتمال بنائها. إن استعادة دفء العلاقات داخل الفضاء الإسمنتي هي الخطوة الأولى نحو تنمية حقيقية لا تهمل الإنسان في غمرة البناء والتشييد.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

في المثقف اليوم