عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

غريب دوحي: طه حسين.. ومعاركه الفكرية

الكتابة عن عميد الأدب العربي ليست سهلة فهو يمثل عصراً كاملاً امتد من العام الذي ولد فيه حتى رحيله في 28/10/ 1973 حقاً إنه عصر يمكننا أن نفخر به كما يفخر الإنكليز بعصر شكسبير مثلاً فقد كان رائداً من رواد الثقافة العربية بل والعالمية فقد ظل حتى ساعات عمره الأخيرة يصغي لمن يقرأ له الكتاب بلا كلل ولا ملل.

لقد عبر طه حسين عن سيرته الذاتية في كتابه (الأيام) بأجزائه الثلاثة وكان هذا الكتاب صورة لعصره، فقد أصاب الرمد عينيه وهو في السنة الرابعة من عمره فأخذه والده إلى حلاق القرية الذي كان يأخذ دور الطبيب فيها فذهب الجهل ببصره فكتب عليه أن يقضي حياته في ظلام أبدي مثلما كتب الجهل والتعصب على سقراط بأن يتجرع كأس السم الذي أطفأ حياته.

كان طه حسين في صباه يتردد على شيوخ الريف الصعيدي ليستمع إلى تفاسير القرآن وأخذت هذه الميول والرغبات تنمو في شخصه وحين وصل الى سن الثالثة عشر كان يتوق الى الوصول الى عتبات الازهر بما يسمعه في قريته على هذا الصرح وأعمدته الرخامية البيضاء وقد تحقق هذا الحلم الذي راوده طويلاً فولج الأزهر وأصبح أحد طلابه ودخل القاهرة لأول مرة في حياته، وهكذا تبدأ صفحة جديدة في حياة هذا الصبي الطموح ليبدأ فيها فصلاً جديداً مليئاً بالجدل والنقاش العنيد الذي سيطر على هذا الصعيدي العنيف دائماً والذي لا يهمه أن يلجأ الى الشتم حتى انه وصف أثناء فترته الأزهرية من قبل بعض شيوخ الأزهر بأنه مجنون ( لأنه كان يهوى المغامرة ويتطلع الى حلبات الصراع) وهذه الجوانب من مشاكساته في الجامع الأزهر وفي قريته وبيته. وقد اطلق عليها لقب (الفترة الازهرية).

أثناء عودته من الأزهر في إجازة إلى قريته سمع أن أبيه يقرأ في كتاب (دلائل الخيرات) وهو كتاب كما يبدو من عنوانه عبارة عن أدعية اسلامية فاستخف بذلك واعتبر هذا الكتاب وسيلة وثنية يتوسط بها الإنسان بينه وبين ربه، وكانت هذه بداية التمرد الذي عرف به طه حسين أثناء دراسته الأزهرية ومن الجدير بالذكر أن معظم الطلاب الذين كانوا يدرسون في الأزهر من الطلاب الفقراء كما ان (الجرايات) التي كان يجريها الأزهر عليهم لا تزيد عن رغيفين من الخبز يومياً وهي لا تكفيهم طبعاً الأمر الذي أدى إلى تمردهم في أحد الأيام حيث أغلقوا الأبواب ومنعوا المصلين من الصلاة في أروقة الجامع، ويذكر أحمد غلبي في (كتابه طه حسين رجل وفكروعصر)

(إن أحد الذين أدخلوا فكرة الإشتراكية العلمية إلى الأزهر هو شيخ أزهري)

وكان طه كثير الجدال مع شيوخ الأزهر أثناء دراسته ففي أحد الأيام دار جدال طويل مع أحد الشيوخ خلال أحد دروس الفقه استغرق طيلة الدرس مما حمل الطلاب على الطلب من الشيخ بوقف هذا الجدال لأن وقت الدرس يكاد ينتهي وقد رد عليهم الشيخ بقوله: لا والله لا تقوم حتى يقتنع هذا المجنون، وكان بعض شيوخ الأزهر حين يريدون إسكاته ينادون عليه بكلمة أسكت يا أعمى.

وذات يوم نشب جدال بين طه حسين وأحد أساتذة الأدب العربي في الأزهر حول بيت من الشعر يعود لـ (تأبط شراً) وحين انزعج منه الأستاذ رد عليه رداً قاسياً ووصفه بالوقاحة ثم غضب الأستاذ وصرف الطلاب عن الدرس حيث انقسموا بين مؤيد لطه حسين ومؤيد للأستاذ وكان المؤيدون لطه من طلاب الصعيد فالتفوا حوله وقد هيئوا سلاحهم وهو (النعال) الذي كان أهل الصعيد يستخدمونه دائماً في معاركهم.

كان طلاب الأزهر يشكلون حلقات حول الشيخ فإذا انقضى الدرس سارعوا إليه يقبلون يديه باستثناء طه حسين الذي كان يأنف من هذه العادة مما حمل شيوخ الأزهر على اعتباره متمرداً على العلم الأزهري.

في أحد المجالس التي كان الأدباء والسياسيون والمثقفون المصريون يرتادونها تحدث أحدهم عن نابليون وكيف انه بعد احتلاله لمصر أخذ زوجة أحد المصريين عنوة وتزوجها فعلق طه الطالب الأزهري قائلاً: (لقد فعل محمد ذلك، أخذ زينب من زوجها زيد) فصمت الجميع وبعد انصرافهم قال له أحمد لطفي السيد الذي كان يرأس تحرير صحيفة الجريدة: يا بني لا تتحدث هكذا عن القرآن أمام الناس.

إن طه حسين لم يسع إلى ارضاء شيوخ الأزهر وإنما كان يسعى إلى إثارة سخطهم واستفزازهم بجداله الطويل معهم وقد انعكس جداله وشكوكه هذا حتى داخل بيته ففي نقاش دار حول سورة هود وما ورد فيها عن ابن نوح قال طه انه ليس ابن نوح الحقيقي لأن زوجة نوح قد خانته وحين سمع منه والده هذه العبارة

قال له: يا كلب يا ابن الكلب (ماعدش الا القرآن تقول فيه هذا الكلام فارغ). وقد ذكر هذه الرواية محمد الدسوقي في كتابه أيام مع طه حسين.

وأخيراً فإن هذا الطالب الأزهري رمى العمامة إلى غير رجعة والتحق بالجامعة المصرية التي تم افتتاحها في اعام 1908 وسميت في وقتها بجامعة الملك فؤاد وقد أسست هذه الجامعة بمبادرة من أغنياء القاهرة وحين دخل طه حسين الجامعة حدث انقلاب خطير في حياته فأصبح فيها طالباً ثم أستاذاً فعميداً.

ومما زاد في حدة معاركة الفكرية انه اصدر كتاباً عام ١٩2٦ بعنوان

(في الشعر الجاهلي) تطرق فيه الى الشعر الجاهلي واعتبره منحولاً ثم تطرق فيه إلى بعض آيات القرآن وقصة ابراهيم الخليل وابنه أسماعيل مما اثار غضب علماء

الأزهر حيث استدعته النيابة المصرية لغرض الاستجواب والتحقيق ولكن النيابة اعتبرت الكتاب مجرد بحثاً علمياً وادبيا لا يمس العرب ولا الاسلام ولم تصدر بحقه ادانة، وفي عام ١٩٥٠ عين طه حسين وزيراً للمعارف.

***

غريب دوحي

 

في المثقف اليوم