في عصر تتداعى فيه الحدود بين الواقع والافتراضي، وتتضاعف فيه مطالب الحياة وتوقعاتها، يطفو على السطح مصطلح ياباني غريب، بدأ يجد طريقه إلى النقاشات النفسية والاجتماعية عالمياً؛ إنه «هيكيكوموري» (Hikikomori). ويعني المصطلح لغوياً «الانسحاب» أو «التقوقع»، تحول إلى ظاهرة تستدعي التأمل، خصوصاً في مجتمعاتنا العربية التي تواجه التحول الرقمي والضغوط الاجتماعية ذاتها.
ارتبطت ظاهرة «هيكيكوموري» تاريخياً باليابان، وهي تصف حالة من الانسحاب الاجتماعي الحاد، يبتعد فيها الفرد، غالباً من فئة الشباب، عن الحياة العامة ويتقوقع داخل غرفته أو منزله لفترة تمتد إلى ستة أشهر أو أكثر، مع انقطاع شبه كامل عن الدراسة والعمل والأصدقاء والمحيط الاجتماعي.
غير أن المسألة تتجاوز مجرد حب العزلة أو قضاء وقت طويل في المنزل؛ إذ قد يتحول المكان الخاص إلى ملاذ آمن من واقع يشعر الفرد بالعجز عن مواجهته. وفي بعض الحالات، يصل التجنب إلى درجة الامتناع عن التواصل المباشر حتى مع أفراد الأسرة، ليحل العالم الرقمي بديلاً عن العالم الحقيقي. فتزداد ساعات استخدام الإنترنت والألعاب الإلكترونية، ويختل النظام اليومي، من سهر ليلي ونوم نهاري، وقد تتراجع العناية بالنظافة الشخصية والصحة، بينما تتزايد مشاعر القلق والخوف من مواجهة الآخرين.
ولا يمكن إرجاع الظاهرة إلى سبب واحد؛ فهي نتاج تداخل معقد بين عوامل نفسية واجتماعية وأسرية وتكنولوجية. وتبرز الضغوط الاجتماعية والأكاديمية والمهنية، والخوف من الفشل أو التعرض للتنمر، والشعور بالعجز عن مجاراة توقعات الأسرة، بوصفها عوامل قد تدفع إلى الانسحاب. وغالباً ما يشكل الفشل الدراسي، أو فقدان العمل، أو صعوبة بناء العلاقات الاجتماعية والعاطفية، نقطة تحول تدفع بعض الشباب إلى الانسحاب التدريجي.
أما التكنولوجيا، فتؤدي دوراً مزدوجاً؛ فهي من جهة تسهّل هذا الانسحاب، إذ أصبح بإمكان الإنسان الحصول على الطعام والترفيه والتعليم وحتى العمل من داخل غرفته، دون حاجة إلى مواجهة العالم الخارجي. لكنها من جهة أخرى قد تكون النافذة الوحيدة التي يطل منها المنعزل على الحياة. كما قد تؤدي الحماية الأسرية المفرطة إلى تعقيد المشكلة، عندما توفر الأسرة للفرد احتياجاته المادية كاملة، من دون معالجة الجذور النفسية والاجتماعية التي دفعته إلى التقوقع.
ويتطلب التعامل مع هذه الحالات صبراً وتدرجاً، لا إجباراً أو مواجهة عنيفة. ويبدأ المسار عادة بكسر حاجز الصمت وبناء الثقة، وقد يستفيد الفرد من العلاج النفسي بحسب حالته. كما أن إشراك الأسرة في عملية العلاج أمر بالغ الأهمية، لمساعدتها على فهم الحالة والتعامل معها بطريقة متوازنة، بعيداً عن اللوم أو الضغط المفرط. ثم تأتي مرحلة الدمج التدريجي، بدءاً من استعادة التواصل مع المختصين وأفراد الأسرة، وإعادة تنظيم النوم والنشاط اليومي، وصولاً إلى العودة المتأنية إلى الدراسة أو العمل.
ورغم ارتباط الهيكيكوموري باليابان، فإن الظاهرة لم تعد محصورة فيها؛ فقد ظهرت حالات ودراسات حولها في كوريا الجنوبية وتايوان والصين، وكذلك في عدد من الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية. ويبدو أن العامل المشترك لا يرتبط بالانتماء إلى ثقافة معينة بقدر ما يرتبط بوجود ظروف تسمح بالانعزال الطويل، مع استمرار القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية من داخل المنزل، خصوصاً في المجتمعات الحضرية المتقدمة تكنولوجياً.
وتبرز الولايات المتحدة مثالاً على بعض الظروف التي قد تسهّل هذا النمط من الانسحاب؛ فالفردانية، وضعف بعض الروابط الاجتماعية التقليدية، والضغوط النفسية، إضافة إلى سهولة الحصول على الخدمات عبر الإنترنت، قد تجعل الانسحاب الاجتماعي أكثر سهولة واستدامة. كما يتقاطع الهيكيكوموري في بعض الحالات مع مشكلات نفسية أخرى، كالقلق الاجتماعي والاكتئاب، ما يجعله أحياناً مؤشراً على أزمة أعمق، وليس مجرد حالة من العزلة.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل مجتمعاتنا العربية في منأى عن هذه الظاهرة؟ لقد وثقت بعض الدراسات حالات في عدد من البلدان العربية تتوافق مع بعض معايير الهيكيكوموري، لكن الظاهرة، بحسب المعطيات المتاحة، لم تصل بعد إلى مستوى الانتشار الموثق في شرق آسيا. ولعل طبيعة الأسرة العربية الممتدة والمترابطة توفر نوعاً من الحماية النسبية؛ إذ يصعب أن يختفي أحد أفرادها تماماً داخل غرفته لفترات طويلة دون أن يثير ذلك انتباه المحيطين به، كما أن شبكات الدعم العائلي والاجتماعي قد تحد من استمرار العزلة.
لكن هذا لا يعني أن مجتمعاتنا بمنأى عن الخطر؛ فقد لا تُشخّص بعض الحالات بوصفها «هيكيكوموري»، بل تُفسر على أنها اكتئاب، أو قلق اجتماعي، أو خجل مفرط، أو مجرد عزلة اختيارية، مما قد يجعل الحجم الحقيقي للمشكلة غير واضح. والأمر الذي يستحق الانتباه هو أن بعض الظروف المساعدة على نمو الظاهرة أصبحت موجودة لدينا أيضاً: ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وضغوط التحصيل الدراسي، وصعوبة الحصول على عمل يحقق الطموحات، إضافة إلى سهولة تلبية الاحتياجات اليومية عبر الإنترنت من داخل المنزل.
وما يلفت النظر في ظاهرة الهيكيكوموري أنها تضعنا أمام سؤال وجودي يتجاوز مجرد الاستخدام المفرط للإنترنت أو الألعاب: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح العالم الافتراضي أكثر راحة وأماناً من العالم الحقيقي؟
قد يبدأ الإنسان بالعزلة هرباً من ضغط، أو فشل، أو خوف، ثم تتحول هذه العزلة تدريجياً إلى أسلوب حياة، ويصبح الخروج منها أكثر صعوبة كلما طال بقاؤه داخلها.
وهنا تأتي مسؤولية الأسرة والمؤسسات التعليمية والاجتماعية في قراءة هذه السلوكيات بوعي، والانتقال من مجرد مراقبة ساعات الجلوس أمام الشاشات إلى فهم ما وراءها: هل يشعر الأبناء بالفشل؟ هل يعانون من التنمر أو الإقصاء؟ هل يجدون في المنزل مساحة آمنة للحديث؟ ولماذا يشعرون بأن العالم قد أغلق أبوابه في وجوههم، أو أنهم عاجزون عن مواجهته؟
إن أفضل وقاية تبدأ قبل العزلة: بالاستماع والاحتواء وبناء الثقة، وإشعار الأبناء بأن الفشل ليس نهاية الطريق، وأن لهم دائماً مكاناً آمناً يعودون إليه، وأن المجتمع، رغم قسوته أحياناً، لا يزال يحمل في طياته مساحات للأمل والاندماج.
وفي النهاية، نسأل الله أن يحمي أبناءنا من كل ما يهدد سلامهم النفسي والاجتماعي، وأن يمنحهم القوة لمواجهة الحياة بثقة وأمل، وأن يحيطهم بأسرٍ واعية ومجتمعاتٍ رحيمة، فلا يجدوا في العزلة ملاذاً، ولا في العالم الافتراضي بديلاً عن الحياة الحقيقية، وأن يحفظهم الله من هذه الظواهر التي قد تعزل الإنسان عن نفسه ومجتمعه، ويهديهم دائماً إلى طريق الأمان والتوازن والاندماج.
***
سعد عبد المجيد ابراهيم








