في عالمنا الرقمي اليوم، أصبحت الحقيقة الوحيدة الملموسة على أرض الواقع هي القيم والمبادئ، أما في ذاك العالم الافتراضي فالقيم تحكمها خوارزميات لا تعرف عنك شيئاً أو عن دينك وهويتك، غير أنها سجلت وقتك المستهلك في مشاهدة عابرة؛ فجعلت كل ما يشابهها من اهتماماتك وأولوياتك بدون وجه حق. هذا العالم مليء بالعلوم والمعارف، لكنه بخيل بعرض كل ما يحتاجه العقل ليفهم الإنسان نفسه وحياته ودنياه وآخرته.
فخ المعرفة السريعة: تجربة في التيه الرقمي
عندما فتحتُ حساباً لأول مرة على منصة "إنستغرام"، أغرتني المعلومات السهلة والجاهزة في البداية، فظننت أنني وجدت منصة علمية تشكل كنزاً بالنسبة لي، لأنها وفرت عليّ عناء البحث عن المقالات والمعلومات في الكتب، ولأنني أعشق البحث في علم النفس والعلوم الدينية وكل ما يثير الفضول المعرفي؛ فالإنسان بطبيعته يحب الطريق السهل والمختصر. قمت بمتابعة عشرات الصفحات وكلها ذات قيمة عالية، ثم اكتشفت أنني ضعت بين تلك الكمية الهائلة من المعلومات السريعة، وشعرت أن عقلي يتشوش وفكري لم يعد منتظماً.
بعد فترة لاحظت أن هذه المنصة تسرق وقتي ونصف نهاري، فقمت بحذف الحساب قبل أن يسرق مني أغلى لحظات عمري. ولحظت أن الخوارزميات تظلم المواهب وتظهر المحتوى التافه لمجرد توافقه مع آلياتها، وتتجاهل المحتوى الهادف. وربما ليس العيب في الخوارزميات وحدها بل فينا نحن؛ لأننا قبلنا أن نجعلها تحدد لنا ما يجب علينا متابعته واهتماماتنا لمجرد وقفة عابرة.
هذا العالم الرقمي يقوم بتخدير عقولنا ويعرض علينا كميات هائلة من المعلومات ونحن في حالة استهلاك عابر، لنخرج بعدها دون فهم راسخ. وهنا يتجلى دور "التزكية" بمفهومها القرآني العميق؛ فالخوارزميات الصماء لا تملك سلطاناً علينا إلا إذا غابت رقابتنا الذاتية. التحصين الحقيقي لا يبدأ بحظر التطبيقات فحسب، بل بيقظة القلب ورعاية الإيمان، وبمجاهدة النفس على التلقي الواعي، وإحياء مقام عبادة الإحسان في الخلوات ليصبح وجداننا عصياً على الاختراق الرقمي.
من الاستهلاك إلى الإنتاج: كيف نسترد إنسانيتنا؟
إن هذه التكنولوجيا تحاول جعل الفرد نسخة مقلدة تقايضه بأخذ تميزه واختلافه مقابل إعطائه مكانة وشهرة في عالمها الآلي، فتسلب منه إنسانيته ليصبح آلة تحاكي الخوارزميات وتقلد الترند الجديد. لماذا نسير مع القطيع ونتبعهم حتى في غبائهم لمجرد أن صورة ذاك الغباء أصبحت مُحسنة ومُطورة؟!
إذا رأيت الجاهلين يتفوقون في الانتشار على المثقفين والمتعلمين، فقد ينتابك الشك أيهما على حق، بعد أن أصبح التمسك بالمبادئ في نظر البعض رجعية، والتخلي عنها انفتاحاً وتطوراً. قال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116].
ولأننا نرفض أن نكون من الهالكين في هذا البحر، فإن النجاة تبدأ باسترداد سيادتنا على عقولنا وألا نترك تلك الآليات الصماء تقود شغفنا. قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28].
خطوات عملية لحماية الهوية:
استعادة السيادة على العقول: بألا نترك الخوارزمية تختار لنا، بل نبحث نحن عما ينفعنا بوعي وقصد.
الهجرة نحو المنابع الجادة: بالعودة للكتاب المقروء والدرس المنظم، والابتعاد عن "سندوتشات المعرفة السريعة" التي تشوش الفكر.
صناعة الثغور: أن يدخل أصحاب المواهب والأقلام الواعية إلى هذا الفضاء لا بنية العيش فيه، بل بنية إصلاحه وتقديم البديل الطاهر النقي للجيل الحائر.
إن الحفاظ على هويتنا اليوم يتطلب منا وقفة حازمة ننتقل فيها من مقاعد المستهلكين المخدرين إلى ثغور المنتجين الواعين؛ لنصنع محتوى يحيي العقول ويزكي الأرواح، ونعيد للكتاب الجاد مكانته وللفكر الرصين هيبته. لا تكونوا مجرد أرقام عابرة في حسابات الآخرين، بل كونوا ذوي أثرٍ ممتد في صناعة الوعي.
***
بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي








