الماركسية ورسالة الشيوعية في القرن الحادي والعشرين
تمهيد: الثابت والمتحول في التحليل المادي الجدلي
لم تكن الماركسية يوماً عقيدة جافة أو مجموعة من النصوص المقدسة المغلقة، بل هي منهج تحليل مادي جدلي يفهم العالم من خلال تناقضاته وحركته المستمرة. إن جوهر الفكر الشيوعي يكمن في قدرته الدائمة على تشريح وسائل الإنتاج في كل عصر، وتحديد كيف تتشكل علاقات القوى الطبقية بناءً على تلك الوسائل.
إذا كان القرن التاسع عشر هو عصر المصنع والفحم والبخار، والقرن العشرون هو عصر خطوط التجميع والنفط والشركات العابرة للقارات، فإن القرن الحادي والعشرين هو عصر الأتمتة الفائقة، والذكاء الاصطناعي، واحتكار البيانات. وهنا يطرح السؤال الاشتراكي الأساسي نفسه: كيف يُمارَس الاستغلال الطبقي اليوم، وكيف يسترد البروليتاريا زمام المبادرة التاريخية؟
أولاً: من الماكينة إلى الخوارزمية.. تحولات "فائض القيمة"
في المجلد الأول من كتاب رأس المال، أوضح كارل ماركس كيف تستخدم الطبقة البرجوازية التكنولوجيا (الآلات) لتقليل وقت العمل الضروري وزيادة "فائض العمل" الذي يتحول إلى أرباح حصرية للمالكين. لم تكن المشكلة في الآلة بذاتها، بل في علاقات الملكية التي تحكمها.
اليوم، نشهد الامتداد الأكثر عمقاً لهذه الديناميكية:
البيانات كعنصر إنتاج: إن كل تفاعل رقمي، وكل كلمة تُكتب، وكل سلوك يُسجل على الشبكات الحديثة يُشكل "المادة الخام" التي تعتمد عليها الشركات الاحتكارية لتطوير أنظمتها. إن الجماهير تنتج القيمة والمعرفة يومياً دون أن تملك وسيلة الإنتاج (السيرفرات والأنظمة والخوارزميات).
الاغتراب الرقمي: كما ينفصل عامل المصنع عن السلعة التي ينتجها، ينفصل الإنسان المعاصر عن بياناته ووعيه، حيث تُعاد صياغة هذه البيانات وتوظيفها للتحكم في سلوكه الاستهلاكي، والسياسي، والثقافي.
تكثيف الاستغلال بالأتمتة: تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي لا لتقليل ساعات عمل البشر وتوفير الراحة لهم، بل لزيادة حدة التنافس على الوظائف، وتهديد الشغيلة بالبطالة، وخفض الأجور، ومراكمة الثروة في أيدي فئة لا تتجاوز 1% من سكان الكوكب.
ثانياً: وهم "حياد التكنولوجيا" وصراع السيطرة الطبقية
تُروج الأيديولوجيا الرأسمالية الفكرة القائلة إن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أدوات "محايدة" تُطور نفسها بنفسها لمنفعة الجميع. لكن التحليل الشيوعي يكشف كذب هذا الادعاء؛ فالتقنية دائماً تحمل طابع الطبقة التي تمولها وتسيطر عليها:
حين تُصمم الخوارزميات تحت سلطة رأس المال، يكون هدفها الأول والأخير تعظيم الربح حتى لو أدى ذلك إلى تدمير البيئة، أو تغذية النزاعات، أو قمع حرية التعبير.
لكن حين تُحرر هذه التكنولوجيا من قيد الملكية الفردية، فإنها تتحول إلى أداة تحررية جبارة.
إن الشيوعية لا تدعو إلى التراجع عن التقدم العلمي أو محاربته، بل تدعو إلى انتزاعه من يد الاحتكارات؛ فالأتمتة الكاملة والذكاء الاصطناعي في ظل نظام اشتراكي تشاركي كفيلان بتقليل ساعات العمل الأسبوعية إلى أدنى حد، وتوفير التخطيط الاقتصادي الدقيق لتلبية احتياجات البشر الفعلية من غذاء، وسكن، ورعاية صحية، وتعليم، بدلاً من الفوضى القائمة على مضاربات السوق.
ثالثاً: المهمة التاريخية للطبقة العاملة المعاصرة
إن مفهوم "البروليتاريا" في الفكر الشيوعي لم يقتصر يوماً على العمال العضليين فقط، بل يشمل كل من لا يملك وسائل الإنتاج ويضطر لبيع قوته الذهنية أو الجسدية للعيش. اليوم، تضم الطبقة العاملة عمال المصانع، والمزارعين، والمهندسين، والمبرمجين، والمعلمين، وشغيلة الخدمات، والطبقات المسحوقة في جميع أنحاء العالم.
إن نجاح المشروع الشيوعي في عصرنا الراهن يتطلب تحقيق خطوات عملية حاسمة:
1. نضال من أجل البرمجيات والمصادر المفتوحة (Communal Digital Assets):
العمل على تحويل البنى التحتية الرقمية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وقواعد البيانات إلى ملكية عامة مشاعية تُدار ديمقراطياً وتخضع للرقابة المجتمعية.
2. تنظيم شغيلات وشغيلة الفكر واليد:
كسر العزلة الفردية التي تفرضها الرأسمالية الرقمية عبر توحيد أشكال التنظيم والنضال؛ بحيث يلتقي نضال المبرمج الذي يُستغل عقله مع نضال العامل الذي يُستغل جسده.
3. التخطيط الاقتصادي العلمي:
استغلال القدرات الحسابية الهائلة للذكاء الاصطناعي لإثبات أن "الإدارة والمفهوم الاشتراكي المخطط" أكثر كفاءة وعدالة بكثير من أزمات الاقتصاد الحر القائم على الفوضى والديون والحروب.
ختاماً
المستقبل بين خيارين
إن البشرية تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم توقعته الماركسية منذ عقود: إما الاستمرار في مظاهر التوحش الرأسمالي المعزز بتقنيات المراقبة والاستغلال الذكي، وإما الانتقال الثوري نحو المجتمع الاشتراكي الذي يضع العلم والتكنولوجيا والتطور الإنساني في خدمة الإنسان نفسه.
إن الشيوعية ليست حنيناً إلى الماضي، بل هي ضرورة المستقبل؛ إنها العلم الذي يعيد امتلاك التكنولوجيا ليجعل من التقدم التقني جسراً لنهاية الاستغلال، وتحقيق مجتمع الحرية والعدالة والكفاية للجميع.
***
حيدر كرار عدنان








