عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: طعام البيت.. كحليب الأم

من الظواهر التي انتشرت في مجتمعاتنا خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما مع تحسن الأحوال المادية لبعض الأسر، سواء كان ذلك من رزق حلال أو حرام، الاعتماد المتزايد على طلب الطعام الجاهز من المطاعم وخدمات التوصيل. وأصبح من المألوف أن تُطرق أبواب البيوت أكثر مما تُشعل مواقد المطابخ، حتى كاد إعداد الطعام في المنزل يتحول، عند بعض الأسر، إلى مناسبة احتفالية تُنشر صورها في وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن كان جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية.

انا لست ممن يعادون المطاعم، فأنا من محبي تناول الطعام فيها بين حين وآخر، فالتغيير مطلوب، وبعض المطاعم تقدم أطعمة شهية ومتقنة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الاستثناءات إلى قاعدة، ويصبح الطعام الجاهز بديلاً دائمًا لطعام البيت.

لا أعتقد أن هناك طعامًا يضاهي في لذته ونظافته ودفئه طعام البيت الذي تعده أم حنون أو زوجة محبة. فإلى جانب جودة مكوناته، فإنه يحتوي على عنصر لا يُباع في الأسواق ولا يُضاف إلى الوصفات، وهو المحبة. فاليد التي تطبخ لعائلتها تضيف إليه اهتمامها، وحرصها، ودعاءها، وإحساسها بالمسؤولية. وليس هناك ما يعادل شعور الأم أو الزوجة وهي ترى أفراد أسرتها يستمتعون بما أعدته لهم، ويكافئون تعبها بكلمة بسيطة تحمل من الامتنان ما لا يقدَّر بثمن: “عاشت إيدك.”

ولعل أجمل تشبيه لذلك هو حليب الأم؛ فهو غذاء كامل ممزوج بالعاطفة والحنان ومطعم بالمناعة، يعزز الارتباط النفسي بين الأم وطفلها. وكذلك طعام البيت، فهو يغذي الروح قبل الجسد، ويمنح الأسرة شعورًا بالأمان والانتماء لا تستطيع أي وجبة جاهزة أن تمنحه.

وقد أثبتت الدراسات أن الطعام المنزلي غالبًا ما يكون أكثر توازنًا من الناحية الغذائية، لأنه يحتوي على كميات أقل من الدهون المشبعة، والسكريات، والأملاح، والمواد الحافظة التي تعتمد عليها كثير من الوجبات السريعة. ولهذا يرتبط الإفراط في تناول الطعام الجاهز بزيادة معدلات السمنة، وارتفاع ضغط الدم، والسكري، وأمراض القلب، وهي أمراض أصبحت تشكل عبئًا صحيًا متزايدًا في معظم دول العالم.

كما تؤثر خدمات التوصيل في نمط الحياة بصورة غير مباشرة؛ فالسهولة المفرطة في الحصول على الطعام تُضعف الدافع إلى إعداد الوجبات المنزلية، وتكرس ثقافة الراحة الفورية، حتى أصبح بعض الناس يطلبون وجبة من مطعم لا يبعد عن منزلهم سوى دقائق معدودة سيرًا على الأقدام. ومع مرور الزمن تترسخ أنماط من الكسل وقلة الحركة، وهما من أبرز العوامل التي تسهم في السمنة وتراجع اللياقة البدنية.

ومن الناحية الاقتصادية، قد تبدو قيمة الطلب الواحد بسيطة، لكنها تتحول مع التكرار إلى استنزاف شهري كبير لميزانية الأسرة، في حين يمكن بالمبلغ نفسه إعداد وجبات منزلية أكثر جودة وفائدة، تكفي جميع أفراد الأسرة.

أما الخسارة الأكبر فهي أثرها في الحياة الاجتماعية للأسرة. فبعد أن كان إعداد الطعام مناسبة يشارك فيها أفراد العائلة، وتجتمع بعدها الأسرة حول مائدة واحدة، يتبادلون الحديث، ويطمئن بعضهم على بعض، وتُروى أحداث اليوم، وتُحل كثير من المشكلات بكلمة هادئة أو ابتسامة صادقة، أصبح الطعام اليوم يصل في أكياس منفصلة، ويأكل كل فرد في غرفته، أو أمام شاشة هاتفه، فيغيب الحوار، وتضعف الألفة، ويحل الصمت محل دفء الأسرة.

ويؤكد علماء النفس أن الوجبات العائلية المنتظمة من أهم وسائل تعزيز الاستقرار النفسي والشعور بالأمان، ولا سيما لدى الأطفال. وتشير دراسات عديدة إلى أن الأسر التي تجتمع بانتظام حول مائدة الطعام تتمتع بعلاقات أكثر قوة، ويكون أبناؤها أقل عرضة للقلق والاكتئاب والعزلة الاجتماعية، وأكثر قدرة على التواصل مع والديهم.

أما علماء الاجتماع، فينظرون إلى مائدة الطعام على أنها مؤسسة اجتماعية مصغرة، تُنقل من خلالها القيم والعادات، وآداب الحوار، والاحترام، والتعاون. ولذلك فإن اختفاء هذه المائدة تدريجيًا يعني خسارة واحدة من أهم وسائل التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة.

ومن الجوانب التي قلّما يُلتفت إليها أن مائدة الطعام في البيت هي أيضًا مدرسة يومية لتعليم الأبناء آداب المائدة. فعندما تجتمع الأسرة حول طاولة الطعام، يتعلم الأطفال تلقائيًا كيفية الجلوس، واستخدام أدوات الطعام بصورة صحيحة، واحترام الآخرين، وانتظار الجميع قبل البدء بالأكل، وآداب الحديث أثناء تناول الطعام، وشكر من أعد الوجبة. أما معظم الوجبات السريعة وطلبات التوصيل، فتؤكل غالبًا بصورة عفوية، من العلبة مباشرة، أو على الأريكة، أو أمام شاشة التلفاز أو الهاتف، وأحيانًا باليد حتى عندما يكون استعمال أدوات الطعام هو الأنسب.

ومع مرور الزمن، يفقد كثير من الأبناء هذه المهارات الاجتماعية، فيشعرون بالارتباك عندما يحضرون مأدبة رسمية، أو مناسبة اجتماعية تتطلب معرفة قواعد المائدة وآدابها. إن تعلم آداب المائدة يبدأ في البيت، حيث تتشكل العادات الراقية بصورة تلقائية، وتصبح جزءًا من شخصية الإنسان وثقته بنفسه. ولا يقتصر الأمر على طريقة استخدام أدوات الطعام، بل يمتد إلى فن الإصغاء، واحترام الآخرين، وآداب الحديث، وهي قيم تُكتسب حول مائدة الأسرة بقدر ما تُكتسب في المدرسة أو الجامعة. لذلك فإن إتقان آداب المائدة لا يقل أهمية عن إتقان آداب الحديث، فكثير من اللقاءات العائلية، ودعوات الأصدقاء، بل وحتى المناسبات الرسمية، تدور حول موائد الطعام، ويكون السلوك الراقي جزءًا من الصورة التي يمثل بها الإنسان نفسه وأسرته.

إنني لا أدعو إلى مقاطعة المطاعم، ولا إلى الاستغناء عن خدمات التوصيل، فهي خدمات مفيدة عند الحاجة، وفي السفر، والمرض، وضيق الوقت، والمناسبات. لكنني أدعو إلى الاعتدال، وإلى أن يبقى طعام البيت هو الأصل، وأن تبقى رائحة الطبخ المنبعثة من المطبخ علامة على بيت تنبض فيه الحياة.

فالطعام وطريقة تناول الطعام هو ثقافة، وتربية، وذكريات، وعلاقات، ومحبة. وربما تكون أعظم وجبة هي تلك التي تجتمع حولها الأسرة، مهما كانت بسيطة، فتحل البركة في البيت، وتجتمع القلوب حول مائدة واحدة.

"نعم، لقد أوصلت خدمات التوصيل الطعام إلى أبواب البيوت… لكنها أبعدت أفراد الأسرة عن المائدة الواحدة"

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

في المثقف اليوم