عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: شكراً، رجاءً، عفواً.. مفاتيح القلوب المنسية

في حياتنا اليومية تمرّ علينا ثلاث كلمات بسيطة في مبناها، عميقة في معناها وتأثيرها: شكراً… رجاءً… عفواً. كلمات تبدو عادية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تختصر جوهر اللياقة الإنسانية، وترتقي بأسلوب التعامل بين الناس إلى مستوى أسمى من الاحترام المتبادل والرقي في السلوك.

الأدب في التعامل الإنساني هو انعكاس صادق لنُبل الداخل وصفاء النفس. فحين يقول الإنسان “شكراً” بصدق، و”رجاءً” بتواضع، و”عفواً” بشجاعة، فإنه يُشيّد جسورًا من الثقة والمودة بينه وبين الآخرين. الأدب هو ذلك الحضور الهادئ الذي يسبق الكلمات، وهو القدرة على مراعاة مشاعر الغير دون تكلف، وعلى تقديم الاحترام دون انتظار مقابل. وليس غريبًا أن تُقاس رُقيّ الأمم بمدى التزام أفرادها بهذه القيم البسيطة في ظاهرها، العميقة في أثرها؛ فمجتمع يسوده الاحترام هو مجتمع أكثر إنسانية، وأكثر قدرة على العيش بسلام. وفي عالم يزداد تسارعًا وضجيجًا، يبقى الأدب هو اللغة الراقية التي يفهمها الجميع، مهما اختلفت ثقافاتهم وأوطانهم.

هذه الكلمات الثلاث، هي أدوات حضارية تنظم العلاقات الاجتماعية، وتندرج ضمن ما يسميه علماء اللغة بـ “أدب التخاطب” أو “المجاملة اللغوية”. ومع ذلك، كثيراً ما نهمل استخدامها في حياتنا اليومية، وكأن في قولها شيئاً من الثقل أو الحرج. فنجد من يتردد في قول “عفواً” وكأن الاعتذار يُنقص من مكانته، أو من يظن أن “شكراً” غير ضرورية، أو أن “رجاءً” تُضعف من قوة الطلب، خاصة مع من نعدّهم الأقرب إلينا. وهكذا تتحول هذه الكلمات البسيطة، التي يفترض أن تكون جسراً للمودة والاحترام، إلى مفاهيم غائبة أو مُهمّشة في كثير من تفاصيل حياتنا الاجتماعية، رغم أنها في جوهرها تعكس مقدار ما نحمله من تهذيب داخلي وإنسانية في التعامل مع الآخرين.

هكذا تربّى كثيرٌ منا؛ نُقلّل من الشكر، ونتردد في الاعتذار، ونطلب أحياناً بصيغة الأمر لا بصيغة الاحترام. وحتى داخل الأسرة، حيث يُفترض أن تكون هذه القيم أكثر حضوراً، نغفل عنها في زحمة الحياة واعتياد العطاء المتبادل. لا نقول “شكراً” للأم بعد وجبة أعدّتها بجهد وتعب، ولا للزوجة التي تبذل جهدها في رعاية البيت والأسرة، ولا للأب الذي يرافق أبناءه لتلبية كل احتياجاتهم ويقف إلى جانبهم في أصعب الظروف. وكأن ما يقومون به أمرٌ مفروغ منه، رغم أن كلمة تقدير بسيطة كفيلة بأن تزرع الفرح وتمنح طاقة جديدة للاستمرار.

ويجب ألا يقتصر الشكر على دائرة العائلة، وانما يمتد إلى كل تفاصيل حياتنا اليومية: “شكراً” لعاملة المنزل، ولعامل النظافة الذي يحافظ على بيئتنا، ولشرطي المرور الذي ينظم السير ويحمي الأرواح، ولكل من يقدم لنا خدمة مهما بدت بسيطة. فالشكر اعتراف بالجميل، وإقرار بجهد الآخرين، وبناء لجسور المودة والاحترام.

أما “رجاءً”، فهي كلمة نغفل عن قيمتها كثيراً. نطلب من أهلنا وأصدقائنا وزملائنا أحياناً بأسلوب مباشر يقترب من الأمر، دون أن نشعر بما قد يسببه ذلك من جفاف في التعامل. وتزداد هذه القسوة غير المقصودة عندما يكون الطلب موجهاً لمن هم دوننا موقعاً أو مسؤولية. كم هو جميل أن نعامل الآخرين، ومنهم عاملات المنازل أو العمال، بلطفٍ يحفظ إنسانيتهم ويشعرهم بالاحترام. إن استخدام “رجاءً” يعكس تواضعاً راقياً وثقافة إنسانية ناضجة، تُحوّل الطلب من إلزام إلى تعاون، ومن ضغط إلى قبول.

أما “عفواً”، فهي اختبار حقيقي لنضج الإنسان. نحن بشر، والبشر يخطئون، وربما نخطئ مراراً مع أقرب الناس إلينا: مع أزواجنا وزوجاتنا، مع آبائنا وأمهاتنا، مع إخوتنا وأصدقائنا، نتيجة لحظة غضب أو تصرّف غير محسوب. وحتى بعد أن تهدأ النفوس وندرك الخطأ، نتردد في الاعتذار وكأن الكلمة ثقيلة أو تُنقص من القدر. والحقيقة أن “عفواً” الصادقة هي أقصر الطرق لإصلاح ما انكسر، وأسرع وسيلة لإعادة التوازن للعلاقات. وهي أيضاً ضرورة في حياتنا اليومية حين نتسبب، دون قصد، في إزعاج الآخرين في البيت، او الطريق أو العمل أو الأماكن العامة.

فالشكر ينمّي الامتنان، و“رجاءً” ترسّخ الاحترام، و“عفواً” تجسّد الشجاعة الأخلاقية ومراجعة الذات. ففي الوقت الذي يحرم إهمال هذه الكلمات الثلاث الآخرين من التقدير، هو يحرمنا نحن كذلك من إنسانيتنا.

تنعم المجتمعات التي تُحيي هذه القيم بعلاقات أكثر دفئاً وتماسكاً، لأن أفرادها لا يترددون في الشكر، ولا يتكبرون عن الاعتذار، ولا يغفلون عن اللطف في الطلب. أما حين تغيب هذه الكلمات من قاموسنا اليومي، فإن الجفاف يتسلل إلى العلاقات، وتزداد الفجوة بين القلوب.

كم من أم كانت ستفرح بكلمة شكر؟ وكم من أب كان سيشعر بالفخر بتقدير صادق؟ وكم من خلاف كان يمكن أن ينتهي بكلمة “عفواً” في وقتها؟ وكم من طلب كان سيُقابل بترحيب لو سبقته كلمة “رجاءً”؟

إن إعادة الاعتبار لهذه الكلمات الثلاث ضرورة إنسانية وتربوية تبدأ من البيت، وتمتد إلى المدرسة، وتنعكس على المجتمع بأسره. ولعل أجمل ما فيها أنها لا تحتاج مالاً ولا وقتاً، بل تحتاج قلباً حاضراً ووعياً حيّاً وشجاعة. فهي مفاتيح صغيرة لأبواب كبيرة؛ تفتح القلوب المغلقة، وتُرمّم ما تصدّع من العلاقات، وتعيد للإنسان شيئاً من إنسانيته التي تُرهقها قسوة الحياة وتفاصيلها.

وهكذا يبقى الأدب في التعامل الإنساني قيمة خالدة، تسمو بالإنسان وتمنحه مكانته الحقيقية بين الناس، بما يُقدّم لهم من خلقٍ حسن وكلمة طيبة. وما أبلغ ما جاء في كتاب الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، فهي وصية ربانية تختصر طريق الخير كله، وتضع أمامنا ميزانًا بسيطًا وعظيمًا في آنٍ واحد: أن يكون حديثنا رحمة، وتعاملنا إنسانية، وحضورنا مصدر خير وسلام

***

سعد عبد المجيد ابراهيم