أقلام حرة
ثامر الحاج أمين: عرسٌ كاد أن يُغيِّبنا
الكثير من المناسبات التي يُراد منها أن تكون محطةً للفرح وتلطيف النفوس تتحول، بسبب منغصاتٍ وعوارض غير محسوبة، إلى نقيض ما أُريد لها، وهذا ما حدث في حفل عقد قران الشاعر كزار حنتوش.
ففي الثامن عشر من شهر آذار عام 1997 شهدت قاعة الحرية في الديوانية حفلاً جماهيرياً كبيراً بمناسبة عقد قران الشاعر كزار حنتوش على رفيقة دربه الشاعرة رسمية محيبس. وقد تميز الحفل بحضور رسمي وشعبي غير مسبوق؛ فعلى الصعيد الرسمي، وعلى غير العادة، حضر الحفل كبار المسؤولين الحكوميين والحزبيين في المدينة، أما شعبياً فقد غصّت القاعة بطابقيها وممراتها بجمهور واسع من بسطاء المدينة ومثقفيها. وكان الأبرز في الحفل مشاركة الشاعرين عريان السيد خلف وحسن النواب إلى جانب الشاعر علي الشباني الذي تولّى إدارة الحفل، وكذلك ثامر أمين وحاكم الحداد ومحسن دوري، وقد حظي الشاعر عريان باستقبال شعبي لافت، فعلى عكس الاحتفالات الجماهيرية التي لا يُسمع فيها سوى الهتافات التي تمجّد القائد، ذهبت هتافات الجمهور باتجاه كيل المديح لعريان وإظهار مكانته في الوجدان الشعبي، الأمر الذي أثار حفيظة المسؤولين الذين كانوا ينتظرون من الحفل أن يكون مناسبة لتمجيد رأس النظام والهتاف باسمه، إلا أن الجمهور والمشاركين تجاهلوا ذلك، وجرت الرياح بما لا تشتهي سفن المسؤولين فساد التوتر أجواء الحفل، وبدا الحرج واضحاً على كبيرهم. عندها أدرك الشاعر عريان حساسية الموقف والتوتر الذي ساد الصفوف الأولى، فاضطر إلى تهدئة الاحتقان بالتوقف عن قراءاته الشعرية، لينفضّ الحفل وسط غضب المسؤول الحزبي الأول في المدينة، الذي خرج من القاعة مزمجراً، واصفاً الحفل بأنه مؤامرة ضد الحزب والثورة، وداعياً إلى إحضار المشاركين في الحفل إلى مقره الحزبي في الليلة نفسها، ولولا تدخل بعض الوسطاء لتهدئة الموقف وإقناع المسؤول بأن الأمر لم يكن مقصوداً ولا مبيّتاً، لدخلنا تلك الليلة في أزمة كبيرة.
وكانت مشاركتي في ذلك الحفل شهادةً أدبية بحق كزار حنتوش، لا بأس من استذكارها بعد مرور ثلاثة عقود على ذلك الحدث، وقد جاء فيها:
(كتب الشاعر رسول حمزاتوف:
أيها الزمن، لا تتباهَ، فنحن لسنا ظلالاً تلتمع في نورك، فينا يعيش رجال تمنحك فضائلهم بريقك، أبطالنا وشعراؤنا والفلاسفة ينيرون طريقك، وأنت بروعتهم، لا بروعتك، تشعّ كل ساعة وكل يوم.
لم تكن هذه الكلمات، التي تُدين بفضل المبدعين ودورهم في تزيين الحياة، مجرد أحرف مزوقة، إنما شهادة يؤكد صوابها هذا الكرنفال الزاخر بالجمال والمحبة والفرح ، وأيُّ حدثٍ هذا الذي جعل من صحافتنا ومدينتنا، لأيام متواصلة، تُعدّ العدة للاحتفال به؟ وهل كان كزار حنتوش، هذا “الناحل كيخط النمل”، يختلف عن بقية الشعراء؟ وكيف استطاع ابن الديوانية هذا أن يجعل من صحافتنا، هذه الحسناء المترفعة، تمنح وسادتها لرأسه الصغير وتنشغل بأخباره ومشاريعه؟ وأين يكمن السر في هذا الكرنفال البهي، حيث توافد الكثيرون، ومن مسافات بعيدة، لكي يشاركوا أفراح هذا الكائن الأعزل إلا من قصائده النابضة بحب الناس؟
عريان السيد خلف، ومعه حشد من المبدعين والمحبين، يغنون وينشدون القصائد لعرس هذا الشاعر الذي لا يملك سوى قلبه الطيب وسرباً من حمام القصائد المحلّقة في فضاء الإبداع العراقي ، كبيرنا وصغيرنا تركوا وراءهم الكثير، وحضروا لكي يؤكدوا حجم المحبة لشاعر تميز بالبساطة والعفوية؛ شاعرٌ لم يرتدِ يوماً بدلة رسمية، ولم يغسل شعره بالشامبو الفرنسي، ولم يتعطر يوماً بعطر سان لوران، ولم يكن يدخن سجائر “مالبورو”، كما أشك في أنه تناول يوماً وجبة طعام في مطعم “البحر الأبيض”.
ومع هذا الزهد، الذي لم يكن باختياره، فإنه نال كل هذه المحبة، لأنه شاعر نقي السريرة، يكتب الشعر بلغة تتوهج في نفوسنا مثل خبز التنور، ويختار مواضيع قصائده من بيننا فتدخل القلب ضاحكة ، لذا لا نستغرب هذا الحب والاهتمام الجماهيري. فهنيئاً لك يا ابن حنتوش، فعرسك هو عرس الديوانية) .
18/3/1997
***
ثامر الحاج أمين







