أقلام حرة
نبيل الربيعي: عزيز السيد جاسم سيرة التحوّل ونهاية التغييب
يمثل عزيز السيد جاسم حالة دالة على تعقيدات المثقف العراقي في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تداخلت القناعات الفكرية مع ضغوط الواقع السياسي، فكانت مسيرته انعكاساً حياً لصراع داخلي بين الإيمان النظري ومتطلبات البقاء في بيئة مضطربة.
تمثل تجربته واحدةً من أكثر التجارب إشكالية في مسار المثقف العراقي، إذ تكشف عن تعقيدات العلاقة بين الفكر والسلطة في سياق سياسي شديد الاضطراب. في بداياته، انفتح عزيز السيد جاسم على الماركسية بوصفها أفقاً نقدياً يفسر الواقع الاجتماعي ويطمح إلى تغييره. وقد انعكس هذا التوجّه على كتاباته التي سعت إلى تحليل البنى الثقافية والسياسية من منظور يربط بين الفكر والعدالة الاجتماعية. كانت الماركسية بالنسبة له أداة لفهم العالم، وموقفاً فكرياً يتجاوز حدود الانتماء الحزبي الضيق.
غير أن التحولات السياسية القاسية، وما رافقها من تضييق على التيارات اليسارية، دفعت به إلى إعادة التموضع، فاقترب من خطاب السلطة وانخرط في فضاء حزب البعث. لكن هذا الانتقال لم يكن تعبيراً عن استقرار فكري بقدر ما كان محاولة للتكيف مع واقع لا يترك للمثقف خيارات آمنة.
ومع ذلك، ظل هذا التكيف هشاً. فقد شكل صدور كتابه (علي سلطة الحق) لحظة مفصلية في مسيرته، إذ قدّم فيه طرحاً فكرياً يتقاطع مع حساسية السلطة تجاه الرموز الدينية والتاريخية، في وقت كانت فيه الدولة شديدة الحذر من أي خطاب قد يفهم خارج إطارها الأيديولوجي. هذا العمل، إلى جانب تاريخه الفكري المتقلب، جعله عرضة للشك وعدم الثقة.
في ظل هذه الأجواء، لم يعد قربه من السلطة كافياً لحمايته، فانتهت مسيرته بشكل مأساوي حين تعرض للتغييب في سجون الدولة، في مصير يعكس طبيعة الأنظمة الشمولية التي قد تنقلب حتى على من اقترب منها، حين تتبدل حساباتها.
إن سيرة عزيز السيد جاسم لا تختزل في تحوّلاته الفكرية فحسب، بل تكشف عن مأزق المثقف حين يجد نفسه محاصراً بين قناعاته وضغوط الواقع. وهي تذكير قاس بأن الكلمة، في بعض الأزمنة، قد تتحول من أداة تعبير إلى سبب للمساءلة، بل وللفناء.
بهذا المعنى، لا تقرأ سيرة عزيز السيد جاسم بوصفها مساراً فردياً فحسب، بل بوصفها مرآةً لمرحلة كاملة من تاريخ العراق، حيث كان الفكر محاصراً، وكان المثقف يدفع ثمن موقعه بين السلطة والحقيقة.
***
نبيل عبد الأمير الربيعي







