عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

غريب دوحي: "العالم الأسفل" في حضارة بلاد الرافدين وبلاد النيل

(ان الانسان يؤمن بالكائن الخالد لانه يرفض الموت)... فيورباخ

تشترك الحضارات القديمة في الاعتقاد بوجود حياة أخرى بعد الموت كحضارة وادي الرافدين ووادي النيل بما اسموه بـ(العالم الأسفل)... لقد تصور انسان ذلك الزمان ان الموت هو على غرار النوم ولاحظ ان الانسان بعد النوم يستيقظ بعد ساعات قليلة ليمارس اعماله فتصور بان الموت كذلك غير انه العلم لم يثبت وجود حياه أخرى بعد الموت واعتبر هذا مجرد خيال اوجده الانسان على هيئه اساطير جاءت بها الحضارات القديمة ثم الأديان نتيجة خوف الانسان من الموت وسعيه للخلود في الحياة رافضاً فكرة الموت وبمرور الزمن تحولت هذه الاساطير الى عقائد دينيه ولا تزال فاعلة حتى أيامنا هذه.

العالم الأسفل عند السومريين والبابليين

اعتقد العراقيون بحتمية الموت واطلق العراقيون على العالم السفلي أسماء عده مثل: ارض اللا عوده – ارض الظلمة – بيت الاسر. وتصوروه بانه عالم مظلم ياكل الموتى فيه الطين ولا يرون النور ويرتدون الريش كالطيور وعند وصول الميت الى باب العالم الأسفل يسمح له احد الالهة بالدخول لمواجهة القضاة الذين يتولون محاكمته، ويحكم العالم السفلي الاله (نركال) وهو بهيئة رجل جالس على عرش وبيده صولجان والى جانبه يقف الهاً آخر يعتبر شفيعاً للموتى . وهناك قواعد تطبق وهي ان المتوفي في الحرب (الشهيد) يعطى بيتاً من الطابوق ويقدم له الخبز والماء، وكان السومريون يقدمون مختلف الاطعمة لارواح موتاهم مع رش العطور والبخور على قبورهم، اعتقد السومريون ان الصالحين في العالم الاسفل يجلسون على الارائك ويأكلون انواع الثمار ويشربون السوائل العذبة .

وكان الاعتقاد السائد لدى الكثير من المؤرخين العرب والأجانب ان العراقيين اقل اهتماماً من المصريين فيما يتعلق بالحياة بعد الموت حتى تم اكتشاف مقبرة اور الملكية عام ١٩٢٢ والتي تحتوي على الكثير من التحف الفنية كقيثارة اور الذهبية وعثر كذلك في مقبرة الموت الكبرى على  (٧٤) هيكلاً عظياً بشرياً ويبدو انهم من الحرس الملكي والخدم والعربات الذين دفنوا مع الملك السومري لخدمته في العالم الاسفل وكان اكتشاف هذه المقبرة يضاهي اكتشاف مقبرة الفرعون المصري توت - عنخ - آمون من حيث الأهمية التاريخية والفنية .

اما البابليين فقد تصوروا العالم الاسفل بانه عالم مظلم مغلق الابواب تطير فيه الخفافيش ويأكل اصحابه التراب والغبار كما انهم كانوا يزورون القبور ويرشون فوقها ماي الورد ويقرأون التراتيل الدينية أثناء المناسبات والاعياد كما نفعل نحن اليوم .

العالم الاسفل في مصر القديمة

أمن المصريون بوجود حياة ثانية بعد الموت وجاء اعتقادهم هذا من ملاحظتهم للطبيعة فكما يعود النبات للحياة بعد الموت فان الانسان ايضاً يعود للحياة بعد موته لذلك عرفوا فن التحنيط ووضعوا المأكولات والاسلحة والاواني مع الميت وقاموا بفتح فم الميت کی يتكلم في العالم الاسفل فليس هناك من هو اكثر اهتماماً من المصريين في الحياة الاخرى حيث شغلت هذه العقيدة افكار المصريين الاحياء وهذا السبب جعل المصريين يبنون القبور العالية التي سميت (الأهرام) وحنطوا جثث الملوك لانهم اعتقدوا ان اول حاجات النفس هو حفظ الجسد وكانوا يعتقدون أن النفس تحتاج إلى الطعام والشراب لذلك فان الكثير من المؤرخين اعتبروا حضارة الفراعنة بانها (حضارة موتى)

محكمة اوزيرس

سبق ان ذكرت أن المصري القديم قد تعامل مع الموت على انه الحقيقة الثابتة غير القابلة للتغيير لذلك وضع دستوراً خاصاً للعالم الآخر وأهم مصادر هذا الدستور نصوص الاهرامات والبرديات وکتاب الموتى وهو عبارة عن مجموعة تعاويذ سحرية وطقوس كتبت على ورق البردي لكي توضع في المقابر لارشاد روح المتوفي في رحلته إلى العالم الآخر، وتنعطف الميثولوجيا المصرية انعطافاً حاداً فيما يسمى بمحكمة اوزيرس وهو الاله المسؤول عن العالم الاسفل في مصر حيث يرأس المحكمة المؤلفة من (٤٢) الها على هيئة قضاة وعندما يدخل المتوفي الى قاعة المحكمة يتم استجوابه من قبلهم وبامكانه ان يدافع عن نفسه وينفي التهم الموجهة اليه وهناك ميزان امام القضاة يوضع فى احدى كفتيه اعماله وفي الكفة الاخرى قلبه اذ ترى العقيدة المصرية القديمة أن القلب هو مركز الوعي الحقيقي الذي لا يكذب وهو المسؤول عن اعمال الخير او الشر فهو الشاهد الوحيد ويقرر مصيره اما إلى الجنة او الجحيم لماذا كانت اعماله صالحة فيرسل إلى الجنة التي هي عبارة عن بستان كبير فيه الاشجار والثمار والانهار والنساء، واذا كانت اعماله غير صالحه فيؤخذ الى النار ويكون طعامه من التراب والشوك. لقد توارثت الاديان بإشكالها المتعددة هذه الاساطير واخرجتها اخراجاً لاهوتياً بعد ان جعلتها تتلائم مع قلق الأنسان وخوفه من المجهول وهكذا تحولت هذه الرؤى الى عقائد دينية راسخة .

***

غريب دوحي