عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

نايف عبوش: النتاج التوليدي بالذكاء الاصطناعي

تحنيط الإبداع وتسليع المشاعر

لعل من البديهي الاشارة إلى الإبداع، لم يعد حكرا على التجربة الإنسانية المتفردة، كما كان الحال عليه قبل الثورة الرقمية، بعد ان أصبح الابداع االيوم، قابلاً للتوليد، وإعادة الإنتاج اليا في اللحظة، بضغطة زر، اذ نحن اليوم، أمام حالة تحنيط للابداع في قوالب رقمية جامدة. اذ لاشك أن الذكاء الاصطناعي قد اتاح امكانات غير مسبوقة لصناعة النصوص، وانتاج الصور، والموسيقى، حيث بات بالإمكان إنتاج أعمال إبداعية، عند الطلب، خلال ثوانٍ معدودة.

 ولا ريب أن هذا التسارع المذهل، في التطور الحاصل في تقنيات الذكاء الإصطناعي، يحمل في طياته تداعيات كبيرة تتمثل في تفريغ الإبداع من جوهره الإنساني، فالإبداع في أصله وكما هو معروف، انعكاس للتجربة الذاتية، وللصراع الداخلي، في حين أنه عندما يختزل إلى أنماط ٱلية قابلة للتكرار، فإنه يتحول إلى منتج الي معلب، يفتقر للروح المتوهجة، والحس المرهف، فيغدو عندئذ، محنطا في هيئة ثابتة، خالية من النبص الحقيقي.

وهكذا، تصبح الأعمال المتولدة بالذكاء الاصطناعي، نسخا محسنة تقنيا، لكنها تفتقر إلى العفوية، والتلقائية، وإلى الومضة المتوهجة في اللحظة، والتي تميز العمل الإنساني الأصيل، عن غيره من الأعمال الآلية المصطنعة، التي تعجز عن ملامسة العمق الوجداني للمبدع، والمتلقي، على حد سواء.

ويتجلى تسليع المشاعر كأحد أبرز آثار هذا التحول، في تحنيطها، بحيث باتت الأحاسيس، تنتج وفقا لذائقة الجمهور، بشكل اساسي، وليس تلبية لصدق حس المبدع، واستحابة لعمق تجربته الوجدانية، حتى أصبحت القصائد تنظم لتثير الحزن، لا لأنها نابعة منه، وترسم اللوحات لتبهر العين، لا لتعكس رؤية داخلية للفنان، الأمر الذي جعل المشاعر تتحول إلى سلعة، تقاس قيمتها بعدد الإعجابات، والمشاركات، لا بعمق تأثيرها في وجدان المتلقي، ورسوخها في أعماق ذاته.

وهكذا بات الأمر يتطلب الانتباه إلى أن يكون الذكاء الاصطناعي اداة محايدة، وملهمة في العملية الإبداعية، وليس بديلا عنها. ولذلك فان التحدي الحقيقي، يكمن في الحفاظ على التوازن بين التقنية، والإنسان، وبين السرعة، والتأمل، وبين الٱلية، والصدق.

فالإبداع ليس مجرد نتاج، وحسب، بل هو تجربة، داخل أعماق الذات، وبالتالي فإنه إذا ما فقد الابداع هذه الأبعاد، فإنه سيتحول عندئذ، إلى مجرد محتوى ٱلي، في فضاء لا يعرف إلا التلقي، والإستهلاك.

***

نايف عبوش