أقلام حرة

بشرى الهلالي: "وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ"

"وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ"

محمود درويش

***

نحن نحب الحياة. فمن يترك لنا منفذاً في عالم مجنون، يندفع بخطاه إلى الهاوية، شاهراً سيفه ليتوجه به نحو نحره؟

هكذا نحن، الشعوب الملعونة بالحروب. نستيقظ في صباحٍ مشمس، فتغشى أبصارنا غمامة بارود، قادمة من خلف الحدود. نمدّ أيدينا للحياة، فإذا بالموت يطل من صندوق الذاكرة، ذلك الصندوق الذي جاهدنا طويلاً لنحكم إقفاله.

نحن الملايين، في فضاءات متفرقة، ضحايا نزق بطل أميركا الساعي إلى ألوهية الذات، وصراع إيران الوجودي، وجهل حكّامنا الذين لا يعرفون من مطبخ السياسة سوى ما يملأ بطونهم.

لا تفسير لما يحدث سوى أن العالم، بكل دوله ورجاله وحكمائه ومثقفيه وسياسييه، حتى ذكائه الاصطناعي، أصبح عاجزاً عن احتمال نفسه، فاختار الانتحار، كما يفعل بعض النجوم والمبدعين حين يكتفون من تجربة كل شيء. فهل اكتفى العالم من الحياة، أم أنه قرر الاستسلام للعبثية؟

يلجأ البعض إلى الإجابة التاريخية التي ترافق الخراب: "إنها نهاية العالم يا سادة".

تظهر العلامات، ويُنتظر معها المهدي المنتظر، والمسيح ـ أو المشيح ـ المنتظر، الذي تحوّل في حروب نتنياهو الأخيرة إلى بطل مؤجل. أبشع ما في الأمر أن ترتدي الحروب رداء الدين، فتسلب الأرواح باسم رسالة، يؤمن بها رجل عبد لنرجسيته، ولنظرته الدونية إلى البشر.

من السهل أن نلوم ترامب، ونلعن نتنياهو، ونحمّل حكّام إيران نتائج ما يحدث، بينما لا نملك سوى الغضب والشتائم والتحليلات العقيمة.

في عصور مضت، كانت الكلمة رصاصة يخشاها الرجال. أما اليوم، فقد صار الكلام مجرد ثرثرة، وأصبح أشباه الرجال يعدّون العدّة لقتال من شتم فاطمة، بينما يواجههم آخرون يتصارعون حول التاريخ الصحيح لمولدها.

صدأت بنادق الثوار، لتحل محلها أحذية تتطاير تحت قبة البرلمان. وصارت السياسة دكاكين لم ترقَ حتى إلى مستوى مول.

حتى العشّاق صاروا جبناء. بدلاً من الدفاع عن الحب، وزّعوا مشاعرهم على تفاصيل صغيرة تغتال إنسانيتهم، وتنشر اليباس في قلوبهم.

وحين يعلو السؤال مختنقاً: لماذا؟

لماذا تُحرق مليارات الدولارات في صورة أسلحة، بدل إنقاذ ملايين الجياع؟

لماذا تُغلق أبواب السلام، لتفتح المدافع أبواب الجحيم وتلتهم آلاف الأرواح؟

والجواب، ببساطة قاسية، هو الجهل والتجهيل، ذلك المدّ الذي زحف على العالم منذ سنوات، ليزيح الحضارة، ويطمس الثقافة والمدنية، ويستبدلها بالعشائرية، والعصبيات الدينية، ليصبح الإنسان عنصراً للهدم لا للبناء؛ هادماً لنفسه، ولمن حوله، وللأرض التي يقطنها.

***

بشرى الهلالي - بغداد

 

في المثقف اليوم