أقلام حرة

فاطمة الدفعي: مرافئُ اليقين.. حين يكونُ التسليمُ هو الاستراتيجيةَ الوحيدة

تعاملنا مع مشاعرنا السلبية وفق استراتيجيات محددة ما كنا لنتعايش معها يوماً، وما كنا لنتقبلها أبداً. العقل لا يفكر عندما يكون القلب مهموماً وصوت الروح مغموماً؛ يصبح التركيز صعباً والأفكار تتضارب ولا تستقر.

لذلك نتعامل مع مشاعرنا السلبية بإيمان زرعناه في قلوبنا منذ حفظنا أركان الإيمان الستة، وعرفنا أن كل ما يصيبنا هو قضاء، ورضينا به وسلمنا لله أمورنا لعجزنا عن تدبيرها؛ لأننا صدقنا وعد ربنا الذي قال: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة البقرة: 112]. وبعد هذا الوعد، علمنا أن التسليم لله ينجينا من الحزن ويؤمننا من الخوف.

التسليم بالإحسان

وليس التسليم باللسان والقلب ما زال مهموماً غير مصدق بوعد الرحمن، بل تسليم بإحسان، والإحسان هو أعلى مراتب الإيمان؛ أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. تلك المشاكل التي عجزتَ عن حلها الله يراها ويعلمها، ويرى عجزك ويرحمه، ويعلم أنك ضعيف فيقويك ويلهمك لما هو خير لك.

ليس تدبيره مثل تدبيرك حاشاه، بل هو الحليم يختبر صبر عبده، وصبور يصبر على عبده القانط وعلى قلوب عباده المتقلبة. تدبيره يبدأ بعد تسليم أمورك له واعترافك بعجزك ولجوئك لبابه وحده؛ فسترى تسخيره من خلال تلك الطرق السهلة، والناس الطيبة، والسكينة التي يفرغها في قلبك بعد قلق دام طويلاً: {... ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تبع هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة البقرة: 38].

اتباع الهدى والتوكل

اتبع هدى الله أينما شعرت به، واغتنم كل فرصة، وادخل من كل باب تراه ينفتح أمامك دون تردد ودون تفكير؛ يكفي أنك توكلت على الله، وبتوكلك أنت فائز برضاه حتى وإن خسرت في الحياة، وإن خسرت تلك الفرصة فقد كسبت قلبك وأصبحت أكثر إيماناً وتوكلاً على الله، وهذا هو مفتاح كل الأبواب المغلقة. اتبع هدى الله الذي قذفه في قلبك لتكون من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة الأحقاف: 13].

وبين التقدم والتردد خطوة مرتعشة تسمى خوفاً من الخسارة أو من الخذلان، خوفاً من الناس أو من ضياع الوقت والجهد. فاعلم أنك عندما تكون مع الله فأنت تتاجر بوقتك تجارة رابحة تكون لك ذُخراً في الآخرة؛ فلا تحزن من كلام المستهزئين، ولا تسمع للمحبطين، وإياك أن تصدق وساوس الشياطين، فلا يضيع وقت المتوكلين على الله الساعين على نور هداه. وتذكر قول الحق سبحانه: {وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة يونس: 65].

عزة المتوكلين

يكفي أن الله يسمع ويعلم كل ما يصيبك من أذى، وهو الذي بيده كل شيء وهو على كل شيءٍ قدير. أنت مع العزيز فلا تظن أن هناك من يستطيع أن يذلك أو يراك ذليلاً؛ لأن العزة جميعها بيد الله وحده وهو السميع العليم. من كان مع الله فمن عليه، ومن كان مع الناس فمن معه؟

أنت لست وحيداً وإن أوهموك بذلك؛ أولئك الذين تركوك لم يتركوك لأنهم أرادوا خذلانك، بل لأن الله أراد أن يبعدهم عنك ليتولى هو سبحانه تدبير أمورك؛ أبعدهم لأنهم كانوا سيحبطونك إما بتخاذلهم أو بحسدهم، أو حتى باتكالك عليهم وإيهام نفسك بالعجز دونهم.

لكن الله يعلم ما هو الخير لك ويقدمه حتى وإن كان في نظرك غير ذلك، وأنت ستعرف بعد حين أنك رُحمت ولم تُحرم كما ظننت. توكل حق توكله، وارضَ بكل أقداره، ولا تجزع أبداً، ولا تترك بابه لتنال مرتبة الإحسان، وتصبح من أولياء الله الذين تولاهم برحمته، من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)} [سورة يونس: 62-63].

***

بقلم الكاتبة: فاطمة الدفعي

في المثقف اليوم