أقلام حرة

جمال العتابي: حين يتحول المرء إلى شاهد محايد على ألم الآخر

في أحد شوارع العاصمة، اثناء الظهيرة، حالة اختناق شديدة، توقفت السيارات في صفوف طويلة متلاصقة، محرّكاتٌ تزمجر بلا جدوى، وأبواقٌ تصرخ بذعر وجنون.

الإشارات الضوئية تلمع عبثاً، لا أحد يصغي، ولا قانون ، سوى استعجالٍ أعمى.

السائقون يتسلّلون بين الفتحات الضيّقة يتدافعون نحو حادث اصطدام وقع في الجانب الثاني من الشارع!

عجيب ؟؟ تتساءل:

من يقود من؟

الشارع أم الفوضى؟

وما السرّ في توقف الحركة في هذا الجانب؟

من الصعب أن تجد تفسيراً لهذا السلوك، أن تخضعه لأي منطق! هل يجوز وصفه سلوكاً مرضياً، أم ظاهرة نفسية–اجتماعية مركّبة رصدها علم النفس الاجتماعي في مجتمعات عديدة ؟ مع اختلاف في حدّتها وأشكال تعبيرها تبعاً للظروف التاريخية والضغوط الاجتماعية والنفسية.

لم تتوقف أسئلتي، في محاولة لتخفيف حالة التوتر التي اجتاحتني ..

ما طبيعة هذا السلوك؟

لماذا التوقف، التجمهر، التحديق، التصوير عند وقوع حادث في الجهة المقابلة من الشارع؟ كنت حينذاك أراجع ما تبقى في ذاكرتي من مفاهيم قرأتها في الأدبيات النفسية، أهمها:

- الفضول المرضي.

- التفرّج الجماعي .

- الارتياح المضمر.

- الشماتة الصامتة أو الخفية من دون إعلان.

أحاول أن أكون إيجابياً في التفسير، أفترض أنه سلوك لا واعٍ في الغالب، لا يصدر عن نية شريرة مباشرة، بل عن آليات دفاع نفسية واجتماعية.

من دون تجاهل الآليات وردود الأفعال الأخرى التي تظهر أثناء الحادث، منها:

- آلية "الحمد لله على السلامة"

حين يرى الفرد أذىً أصاب غيره لا نفسه، يتسلل شعور داخلي بالنجاة:

"الشر مرّ من هنا… لكنه لم يمسّني" هذا الإحساس يولّد راحة نفسية خفية قد تُساء قراءتها بوصفها سعادة.

- المقارنة الاجتماعية.

يقيس الإنسان وضعه عبر الآخرين.

الحادث يصبح – لا شعورياً – مرآة:

- أنا سالم الآن !

- مصيبتي أقل.

وهذا يمنح شعوراً مؤقتاً بالاستقرار في عالم مضطرب.

- الاعتياد على الصدمة:

في مجتمعات عاشت حروباً بلا معنى، وحصارات وعنفاً يومياً، ثم موتاً متكرراً عبر الأزمنة.

يتراجع التفاعل العاطفي الطبيعي، ويحلّ محله فضول بارد أو مراقبة شبه محايدة. يلجأ فيها المرء إلى تفريغ القلق الجمعي عبر التحديق والتصوير، والتجمهر.

أفعال بسيطة تعطي الفرد وهم السيطرة على حدث مفزع لا يستطيع تغييره. بل يظل يتحدث عنه ببرود من دون مشاركة بالأذى.

سؤال أخير:

هل لدى الشعوب الأخرى سلوك مماثل لهذه الظاهرة؟

نعم، أقول وبوضوح.

لكن الفرق الجوهري: إن الفضول يبدو عابراً في المجتمعات المستقرة.

خلاف المجتمعات المجهدة نفسياً، ومنها مجتمعنا العراقي

فيبدو السلوك أكثر حدّة، وخطورة، حين يتجرد المرء من إنسانيته. ويتحول إلى شاهد محايد على الألم.

***

د. جمال العتّابي

في المثقف اليوم