أقلام حرة
صابر الحميدي: بين يديّ كتاب
بين يديّ كتاب قديم، أغلفتُه مُهترئة وصفحاتهُ صفراء، ينبض بالحياة رغم صمت الغلاف. ألتفتُ حولي فأرى شاشة مضيئة، أصواتًا تتقاذف الأخبار، وموجات متسارعة من المعلومات التي لا تتوقف. وفي هذا العصر، يهمس في داخلي سؤالٌ لا يزول: هل سيختفي الكتاب الورقي، أم أنه سيبقى متجذرًا في قلوبنا كما تبقى نبتة الصبار في صحراء قاحلة؟
الكتاب الورقي ليس مجرد صفحات تُقرأ، بل هو ذاكرة ملموسة. يلمس أصابعنا، ونشم رائحته، ونشعر بملمس الورق وكأننا نلمس الزمن ذاته. بين طياته، تلتقي الأجيال، وتظل الكلمات تهمس كما همست لأول مرة. كل كتاب ورقي هو مأوى، ومقام، وجسر بين من سبقونا ومن سيأتون بعدنا.
نعم، التكنولوجيا سريعة، وأجهزة القراءة تضع مكتبة كاملة في جيبك، لكنها لا تمنحك تلك اللمسة التي تأخذك بعيدًا، ولا ذلك الصمت الذي يسمعك صوتك الداخلي. المستقبل الرقمي لن يقتل الكتاب الورقي، لكنه يضعه في مواجهة مع تحديات العصر. ربما سيصبح الكتاب الورقي نادرًا، كما تصبح بعض النجوم في السماء أكثر إشراقًا حين يندر ظهورها، وربما يصبح كل كتاب ورقي كنزًا لكل من يحب أن يتأمل، أن يلمس، أن يعيش تجربة القراءة كطقوسٍ عميقة.
وفي النهاية، المستقبل للكتاب الورقي ليس مجرد مسألة بقاء أو اختفاء، بل مسألة قلبٍ لا يزال يريد أن يشعر، وعقلٍ لا يزال يريد أن يتأمل، وروحٍ لا تزال تبحث عن صمتٍ يحضن الكلمات. فالكتاب الورقي، رغم كل العوائق، سيظل يحلم معنا، كما نحلم نحن به، وسيظل يزرع فينا مساحة للدهشة، ومسافة للتأمل، ومسارًا للحرية.
***
صابر الحميدي - تونس







