أقلام حرة
أكرم عثمان: حين تنكسر الروح.. طريق التعافي والعودة إلى الحياة
تتشكل في زمن المشكلات والأزمات والحروب حالة إنسانية مؤلمة، تتجسد في شعور عميق بالضعف والهوان، وتعكر المزاج، وفقدان الأمل، وتراجع النشاط والحيوية، وانكسار الرغبة في العمل والحياة بذات الإيقاع الذي كان سائداً في أوقات الدعة والهدوء والاستقرار. في مثل هذه السياقات القاسية، لا يتراجع الجسد وحده، بل تنكفئ النفوس على ذاتها، وتثقلها هموم تتجاوز في كثير من الأحيان قدرة الإنسان الطبيعية على المواجهة والتحدي والتصدي والعيش في راحة واطمئنان.
يبدو الإنسان في هذه الحالة وكأنه فقد ذاته، وربما أضاع بوصلته الداخلية، فأمسى يلملم جراحه بصمت وضعف وهوان. يصبح النوم عبئاً ثقيلاً على نفسه وروحه؛ قلق يشغل باله وأرق يرافقانه في أحواه جميعها في يقظته وفي ساعات متأخرة من ليله، ويبدو عليه الثقل في استيقاظ مرهق لا يحمل معه طاقة جديدة، بل يفتتح يوماً آخر من التعب والاستنزاف. لم تعد القوة التي كانت تملأ أيامه حاضرة، ولا ذلك الشغف الذي كان يدفعه للحركة والإنجاز.
يذهب إلى عمله وكأنه مجبر لا مخير، يؤدي واجباته بروح مثقلة، بلا إقبال ولا تحفيز أو دافعية، وكأن النفس أصبحت هشة قابلة للكسر، تقلب مع الأحداث كما يقلب العصفور في مقلاة ساخنة، فاقدة القدرة على المقاومة. يغيب الحماس، ويختفي النشاط الدؤوب، ويتراجع التواصل الإيجابي مع الزملاء والمحيطين في دائرته، فينسحب إلى ذاته، منكفئاً، معزولاً، محملاً بمزاج ثقيل وحزن يكبل الطاقات ويعطل القدرات ويشل الحركة.
تتراجع الإنتاجية، ويضعف الأداء، وتتأثر العلاقات الأسرية والاجتماعية، فتغدو أشبه بجسد مريض أنهكه الألم، لا يقوى على الحركة ولا على الاستمرار بذات الحيوية التي كان يتصف بها. تتوالد المشكلات، وتتراكم الضغوط والأزمات، وتسيطر الأفكار السوداوية، وتفرض المشاعر القاتمة حضورها ووجودها، فيدخل الإنسان في حلقة مفرغة؛ يهرب من سجن داخلي إلى سجن آخر يصنعه بيديه وبفكره السلبي والمبحط، دون أن يشعر.
في هذه الحالة، لا تقتصر المعاناة على النفس وحدها، بل تمتد إلى الجسد، فتظهر الأوجاع والآلام، وتزداد الترهلات والتراجعات، ويشعر الإنسان بأن بدنه لم يعد حصناً يحميه، بل عبئاً إضافياً يثقل كاهله ويرهقه. عندها يبرز السؤال الجوهري: كيف الخلاص؟ وكيف يمكن العودة من جديد بنفس تواقة للحياة والعمل؟
إن البحث عن المخرج والملاذ الآمن يبدأ أولاً بالاعتراف بالحالة، فالتسمية الصحيحة للألم هي الخطوة الأولى في طريق التعافي. ما يمر به الإنسان هنا ليس ضعفاً في الإيمان ولا فشلاً شخصياً، بل استجابة نفسية طبيعية لظروف غير طبيعية فرضت نفسها دون سابق إنذار. ومن ثم، فإن منح النفس حقها في التوقف المؤقت، والراحة، والتفريغ الانفعالي والتعبير عن الذات، ليس ترفاً ولا هروباً، بل ضرورة ملحة للعودة والتجديد الإيجابي.
كما أن إعادة بناء المعنى تلعب دوراً محورياً في استعادة التوازن؛ فحين يفقد الإنسان معنى ما يعيشه، تصبح الحياة ثقيلة مهما توفرت الإمكانات. ربط المعاناة بهدف أسمى وقيم عليا ومبادىء سامية وجليلة، أو رسالة أوسع وأكبر مما نظن ونعتقد، أو حاضر إيجابي يقودنا إلى أمل مستقبلي، يعيد للنفس بعضاً من قدرتها على الصمود. ويضاف إلى ذلك أهمية الدعم الاجتماعي، فالكلمة الصادقة، والاحتواء، والشعور بأن هناك من يسمع ويفهم، قد يكون دواء لا يقل أثراً عن أي طريقة أو أسلوب آخر.
أما العودة من جديد، فلا تكون بقفزات كبيرة، بل بخطوات صغيرة ثابتة: تنظيم النوم، العناية بالجسد، العودة التدريجية للأنشطة المحببة، وضبط وتيرة العمل بما يحمي من الاحتراق النفسي والوظيفي. ومع كل خطوة، يستعيد الإنسان جزءاً من ذاته التي ظن أنه فقدها وأضاعها في زحمة المعاناة والألم.
في النهاية، يبقى الأمل ممكناً، مهما طال الليل وثقل الألم. فالإنسان قادر، بإذن الله، على النهوض من تحت الركام، لا لأنه لم ينكسر، بل لأنه تعلم أن الحياة فيها ابتلاءات ومعاناة. وكيف يداوي كسره، وكيف يحول المحنة إلى منحة، الجراح إلى خبرة، والمعاناة إلى وعي جديد وبناء أقوى وأمتن، والضعف المؤقت إلى بداية طريق للشفاء والعودة إلى الحياة من جديد بنفسية تواقة للعودة والحياة والعمل بكل قوة ومنعة وسلامة وسعادة.
***
د. أكرم عثمان
14-2-2026






