أقلام حرة

رنا فخري: محاولات محو الذاكرة الجماعية عبر التاريخ في الوطن العربي

قد يبدو إحراق كتاب اليوم بلا جدوى، في زمن تحفظ فيه النسخ ورقيا ورقميا، لكن ماذا عن الكتب النادرة التي لا تعوض؟

من رماد مكتبة الاسكندرية، إلى مياه دجلة التي إسودت بالحبر... نأخذكم في رحلة عبر الزمن في إشهر محاولات محو الذاكرة الجماعية عبر التاريخ في الوطن العربي، حتى لم يكن الهدف تدمير الورق فحسب، بل محو الذاكرة، فأحرقت مكتبات تضم الآف الكتب، بعضها إنقرض تماما ولم يعد له وجود، وبعضها الآخر أنقذ ولا يزال مستمرا، ومنها بغداد... عندما إسود النهر بالحبر، ففي 656ﮬ ( 1258 م)، سقطت عاصمة الخلافة العباسية بغداد، وسقط معها (بيت الحكمة)، حين هاجمها جيش المغول بقيادة هولاكو.تروي الشهادات التاريخية مشهدا مروعا:" لم يكتف المغول بتدمير المدينة، بل ألقوا بمكتباتها العظيمة في نهر دجلة، حتى إسودت مياهه بحبر الكتب، وأحمرت بدماء العلماء".

ضاعت النسخ العربية الفريدة من الفلفسة اليونانية ومؤلفات الدولة العباسية، لكن بعض الروايات تذكردورا مركزيا للعالم نصير الدين الطوسي، الذي أستطاع في الحصار إنقاذ عشرات الآلاف من المخطوطات، ونقلها الى مراغة في شمال غرب إيران فكانت نواة مكتبة علمية جديدة بعد الدمار.

أما في الاسكندرية لم تٌمح مكتبة الاسكندرية في ليلة واحدة، بل كانت مأسآة ممتدة عبر الزمن، فقد أطلق شرارة النيران الاولى" يوليوس قيصر" عام 48 قبل الميلاد، حين أشعل سفنه وهو يحاصر الاسكندرية، فأمتد الحريق إلى مخازن الكتب القريبة من الميناء، والتهم بعض مقتنيات المكتبة.

لكن الضربة الاشد جاءت لاحقا بدافع التعصب الديني، عندما قاد الاسقف " ثيوفيلوس" حملة على المعابد الوثنية في القرن الرابع الميلادي، فهدم معبد السيرابيوم، الذي يرجح أن فيه مكتبة فرعية تضم الآف المخطوطات.

تذكر بعض الروايات أن ضياع تلك المخطوطات شمل أصولا رياضية وهندسية، ربما مكنت القدماء من بناء" آلية أنتيكيثيرا" الفلكية، ناهيك عن إختفاء مئات من مسرحيات " إسخيلوس" و" سوفوكليس" ولم يبقى منها سوى عناونين قليلة، فأختفت بذلك حقب كاملة من الذاكرة الاغريقية.

***

رنا فخري جاسم

كلية اللغات / جامعة بغداد

في المثقف اليوم